النسخة الورقية
العدد 11060 الأحد 21 يوليو 2019 الموافق 18 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

ميرزا آل شريف الأيقونة البحرينية في الموسيقى اللاتينية (3/‏1)

رابط مختصر
العدد 9888 الخميس 5 مايو 2016 الموافق 28 رجب 1437

في سنة من سنوات ما قبل الحرب العالمية الثانية، وفي يوم لم تكتب فيه كل التفاصيل، في تلك البيوتات التجارية الكبيرة في حي الفاضل ولد الفنان ميرزا آل شريف، ولد وكما يقولون وفي فمه ملعقة من ذهب، فهو لم يكن ابنًا لعائلة عادية الثراء أو طبقة لتوّها تعرف الثروة ومحدثة النعمة، فمن كتبوا عن تاريخ البحرين ومنطقة الخليج في أوائل القرن التاسع عشر، لا يمكنهم وهم يؤرّخون للعائلات الكبيرة وتاريخها بإمكانهم أن يتخطوا شيئًا مهمًا في تلك المرحلة، امبراطورية تجارية اسمها امبراطورية آل شريف الفاحشة الثراء بمعيار عصرها. في هذا العائلة وفناء حوش بيتها الكبير لعب وترعرع الفنان ميرزا، بأحلام الطفولة التي لا يسد افقها شيء ولا يحدها حدود. تلك الطفولة المسيجة بالغموض والمجهول، وخطوات القدر القادم بتقلباته وفرحه وحزنه ومساراته المتعرجة. كان اللقاء مع ميرزا ليس اكثر من ممتع. لهذا جميع من يعرفونه في البحرين أو خارجها يتفقون على طهرانيته وإنسانيته وبراءته حتى وهو في عمره الثمانيني، فمنحوه أصدقائه بدعابتهم تعبيرًا جميلا يستحقه «الطفل الكبير» وفي يومنا من النادر أن تجد أناس بهذه الروح الراقية والنزيهة والأريحية والمناقب الحميدة. ما يثير في ميرزا الإنسان وميرزا الفنان، انه استطاع برغم مناخات لندن والوسط الفني الذي عاشه، ورحلته الفنية الطويلة، قدرته في الحفاظ على نبل سلوكه مع الجميع دون أن يؤذي أحدا أو يخدش مشاعر كل الذين عرفوه من الأجانب والجالية البحرينية في بريطانيا، تلك الجالية في ذلك الوقت لم تكن إلا أبناء العائلة الحاكمة وأبناء نخبة العائلات التجارية، التي ستصبح فيما بعد علامة مميزة في تاريخ البحرين المعاصر وفي تاريخ بلدانها. ميرزا آل شريف انتظرته العائلة أن يعود إليها من بريطانيا حاملاً مشرط الطبيب، ولكنه عاد إليها حاملاً عصا الإيقاعات الراقصة كفنان موهوب لا ينازع.


بعد انتهاء الحرب وما بين فترتي عامي 46 - 47، مكث في البحرين، ثم ذهبت إلى بريطانيا عام 1948.

في تلك السنوات لم يكن الطيران سهلاً ولا السفر نزهة محببة للصعوبات التي ستواجهك، فقد غادر إلى البصرة ليلاً، وأمضى ليلة واحدة فيها وفي الصباح طار إلى دمشق برفقة ثلاثين مسافرًا، أما سعر التذكرة فإنها مئات من «الروبيات» وبقياس ذلك الوقت كانت تذكرة الطائرة غالية فليس بإمكان كل الناس ركوبها. وصل لندن فكانت باردة وصقيعية في المطار قياسًا بدفء المنامة، خاصة بعد الحرب، فالمطار عبارة عن سقيفة، تدخلها وتخرج بسرعة لصغر حجمها، ورجل الجوازات حالمًا رأى وثائقنا البحرينية قال لنا مرحبًا لم نجد أي تأخير.

الأمور كانت سهلة وسلسة ولا نحتاج يومها للتأشيرات أو حتى التفتيش، وبلمح البصر أنهيت معاملتي. وقد استقبلني أخي الذي كان يعيش هناك، ركبنا التاكسي إلى فندق «يونايتد كنغستون» الذي أقمت فيه أيام قليلة وبعد أسبوع كنت في «منطقة سمر ست»، حيث كانت هناك «ميلفيد سكول». أتذكر أول الأشياء، التي أثارت فضولي هو رؤية الباصات المزركشة والملونة بالكتابات وصور الشوكولاته فقلت لأخي هل هذا الباصات تنقل العمال للمصانع؟ فقال لي لا هذه هي إعلانات!! ولم أكن أعرف عما يتحدث أخي فلم تكن هناك لدي اي فهم للإعلانات.

بعدها أخذنا القطار، فالمدينة التي ادرس فيها في غرب البلاد وتبعد عن لندن بساعة ونصف بالقطار.


أخيرًا وجد نفسه ميرزا البالغ من العمر خمسة عشر ربيعًا في السكن الداخلي التابع للمدرسة. حضر بعض دروس البيانو، وحفظ النوتة الموسيقية عبر الذاكرة.

المهم أنهى الفصل وعاد إلى لندن لكي يلتحق بكلية الطب كسنة أولى، ولكن القدر سوف يسوقه لمصيره المحتوم في تلك اللحظة، فقد ذهب في أحد المرات إلى ناد للطلبة فشاهد طالبًا يعزف الدرام (الطبل) وقد وضعه بين رجليه وينقر عليه، فأثارني منظره وعجبني الإيقاع، فقال لي هل ترغب في العزف فقلت له نعم، وخلال ثلاثة شهور مع الفرقة وجدت نفسي منخرطًا ومولعًا بالعزف وأعزف كمحترف، ولا تسألني كيف حدث ذلك؟! لا اعلم هكذا قال لي في جلستنا الحميمية، وبعد ستة شهور في الفرقة أصبحنا نسجل في الإذاعة والتلفاز. وكان الموسيقي جون بيري، الذي وضع موسيقى أفلام «جون بوند» لديه مجموعة باسم «جون بيري سفن» كان يأتي إلى نادينا ويستمع إلينا، واستوحى منا أفكارًا وموسيقى لمشاهد فيلم جيمس بوند، فقد كان يلتقط بعض الأصوات الموسيقية. كان النادي الطلابي والايقاع اللاتيني الجنوني وعشقه لموسيقاها سببًا في انتزاعه من الدراسة ولكنه لم يشعر بالندم، فهو نوع من الاشخاص اذا توجه لشيء واحد فلا يقسم نفسي إلى عدة أشياء، أما أن أتوجه إلى القانون أو الموسيقى أو الطب، وهكذا وجدت نفسي منجذبًا إلى العزف والموسيقى والولع بالإيقاعات والصناجات، فكانت سنة يتيمة في الطب وطلقتها إلى الأبد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها