النسخة الورقية
العدد 11088 الأحد 18 أغسطس 2019 الموافق 17 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:12PM
  • العشاء
    7:42PM

كتاب الايام

أبعــــــاد

سوالف متقاعدين عن العمل السياسي

رابط مختصر
العدد 9886 الثلاثاء 3 مايو 2016 الموافق 26 رجب 1437

بعض المجالس «المدنية» التي يرتادها بقايا اليسار وبقايا القومجيين وبقايا السياسيين المدنيين القدماء أشبه ما تكون بسوالف متقاعدي مقاهينا الشعبية أيام زمان في المحرق وغيرها، والتي يلتقي فيها أولئك الآباء وقد جاؤوا بعد التقاعد لملء الفراغ وإزجاء الوقت في السوالف.


وحتى يثبتوا لأنفسهم أهميتهم، وأنهم ليسوا على الرف يخترعون لهم «سالفة» ساخنة تبدأ وتنتهي بـ «المعاياه والتحلطم والتحندي» ويسودها صراخ متعمد حتى يلفتوا نظر المارة في السوق لإثبات أنهم «موجودون».


وكانوا معذورين، فقد خلفهم قطار الحياة ولابد من أن يفعلوا ذلك لقتل الفراغ واختلاق التسالي بسوالف ساخنة تنشطهم وتبعث فيهم شيئًا من الحيوية المفتقدة، فهم يعيشون بالسوالف ويتعيشون باختراعها.


وكذلك هي حال متقاعدي العمل والنشاط السياسي بعد أن انسحب البساط من تحتهم وخلفهم المشهد الدنياميكي الجديد وراءه وما عادوا يفهمون لغته ومعادلاته وتحولاته؛ لأنهم ظلوا في الصناديق المغلقة القديمة مأخوذين بصخب نقاشاتهم اياها عما كان يجري من متغيرات يصنعها جيل جديد وتفكير جديد لم يقتربوا منه ولم يقترب منهم بالنتيجة لأنهم تمسكوا وتشبثوا بمقاعدهم،


يستنكرون على الواحد من «ربعهم» لو ابتعد عن النشاط السياسي بعد أن أحس بينه وبين نفسه أن الزمن السياسي ليس زمنه، وأن الجيل الجديد لابد وأن يأخذ فرصته دون وصايات وتحكم، فيصنع لحظته ويصوغ مرحلته كما يفكر هو لا كما يفكرون ويفرضون.


في السبعينات عندما استقال نيقولا شاوي أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني وكرَّمه حزبه استنكر عليه اليساريون الاستقالة الاختيارية، وتساءلوا مدهوشين «هل يستقيل السياسي من السياسة والعمل الحزبي المباشر واليومي»؟؟ وكان السؤال يعبِّر عن نمط من التفكير، هذه هي نتيجته، تحولت السياسة والفعل والتأثير السياسي في الجمهور وبين الناس الى «سوالف متقاعدين» ومحاججات ومناكفات وصراخ في مجالس مغلقة عليهم، تتكرر فيها الوجوه كل يوم أو كل اسبوع او كل ليلة.


وكأن الدنيا تبدأ بهؤلاء العشرة وتنتهي عندهم، فقد خلت من البشر، فهنا الدنيا.. طبعًا دنياهم، ولا بأس عليهم في ذلك لو تواضعوا قليلاً كما فعل آباؤنا في المقاهي الشعبية القديمة، فقد اقتصرت سوالفهم عليهم وفي حدود مقاهيهم فقط، ولم ينصبوا من أنفسهم منظرين ومحللين ومفكرين وسوسيولوجيين وايديولوجيين.
بعضهم «وهم معروفون لديهم» او من هذه المجالس من التسعينات وما زال يداوم هناك «دوامًا رسميًا» فقط «للمعاياه» على طريقة «خولف تعرف» فهو يخالف ربعه لأنه مدمن خلاف، وطبَّق على جماعته عبارة مكسيم جوركي «ولدت لأعارض»، فهو يعارض ربعه وما زال كذلك منتشيًا من هذا الأسلوب الذي يشعره بقيمته «وربعه» منتشين بحضورهم الذي يبعث فيهم إحساسًا بقيمتهم وأهميتهم، وهكذا «معاياه» متبادلة المنافع في القضاء على وقت الفراغ الذي لا يشعرون به للأسف، فقد «حكروا» أنفسهم في الصناديق المغلقة وباتوا خارج الزمان وخارج المكان.
نشفق على هؤلاء فقد ذكروني بنوعية معينة من لاعبي كرة القدم أيام زمان، والذين كانت تصفق لهم الجماهير حين ينزلون الملعب ويسجلون الأهداف، وحين بلغ بهم الكبر عتيا في الملاعب وأصبحوا خارج «الفورمة» طالبت نفس الجماهير التي كانت تصفق لهم يومًا بخروجهم من الملعب، ولو فعلوها بأنفسهم لكانت ذكراهم كلاعبين قد ظلت متقدة ومتألقة.
وكذا الحال بمن غادره قطار السياسة الجديد وما زال يتصور أنه يقوده، ولو التفت خلفه فلن يجد ركابًا ولا حتى شارعًا، فهو يقود في الهواء داخل الغرف المغلقة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها