النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

عقدٌ من الزمان مضى على اعتقال الوثيقة

رابط مختصر
العدد 9881 الخميس 28 ابريل 2016 الموافق 21 رجب 1437

في لقاءٍ عابرٍ جاء مصادفة بعد فعالية أقامتها إحدى جمعيات التيار المدني البحريني، وضم مجموعة صغيرة من قيادات ذلك التيار، بمن فيهم عناصر ليست مؤطرة في أي من تلك الجمعيات. انطلق الحديث بشكل تلقائي غير مخطط له عن العقبات التي لاتزال تقف في التأسيس لشكل من أشكال التنسيق الملموسة بين القوى الرئيسة التي يتشكل منها ذلك التيار بمختلف ألوان طيفه.


بعد مداولات سريعة تبادل أولئك القادة حفنة من الإشارات التي تلقي بالتهمة على هذه الجمعية أو تلك، رسا النقاش عند ما أطلق عليه الحاضرون الوثيقة، والمقصود بها تلك الوثيقة التي تم تبادلها بين تلك الجمعيات منذ ما يربو على عقد من الزمان، كما اعترف أحد الحاضرين، ومازالت مثل كرة المضرب تنتقل من جمعية إلى أخرى تبحث عن مكان تستقر فيه. ويبدو أن الوضع شبيه إلى حد بعيد بمباريات كرة المضرب، لكنها غير معروفة النهاية، فلا يوجد هناك قوانين تنظم المباراة، ولا أعراف تقننها. والنتيجة أن الوثيقة ما تزال رهن الاعتقال وبحاجة لمن يتدخل كي يطلق سراحها.


المراقب من خارج حلبة النقاش بوسعه أن يتلمس عبثية الحوارات التي أدت إلى تأجيل موعد إطلاق سراح الوثيقة، فلم يرد على لسان المتحاورين خلافات تبرر ذلك الاعتقال، ومن ثم لا يبقى إلا أسباب ثلاثة تفسر هذه الحالة، التي لا تسر سوى العدو، وهي:


الأول أن قيادات هذا التيار لم تستطع أن تضع جانبًا تاريخ الاختلافات السابقة، التي تعود بجذورها إلى المرحلة التي سبقت سقوط الاتحاد السوفيتي، وما تبعها من تشظ للحركة الشيوعية العالمية، بما فيها غير المصنفة في الأحزاب الشيوعية التقليدية، والتي عرفت حينها باسم اليسار الجديد، والذي لم يسلم هو الآخر من الأزمة التي عرفها الفكر الماركسي في تلك الفترة.


الثاني، ان قيادات التيار غير قادرة على تثمين قيمة الثروة السياسية التي بين يديها، بما فيها ذلك الإرث المليء بخلافات الفترة التي أشرنا لها أعلاه، ومن ثم تحويل هذا الإرث الغني بتجاربه إلى رأسمال كبير في أسواق العمل السياسي البحريني. هذا التقزيم الذاتي من قبل التيارلحاله يغرقه في الخلافات الثانوية، ويحول دون تلمسه للجادة الواسعة التي بوسعه السير فيها، بدلاً من إصراره على السير في أزقة الحواري الضيقة.


الثالث، أن الوهن قد دب في قيادات هذا التيار فلم تعد قادرة على التصدي لمهمات هذه المرحلة المعقدة من تاريخ البحرين السياسي، ومن بينها، بل ربما الأهم بينها الوصول إلى صيغة تنظيمية جادة ومؤثرة تستطيع أن تنتشل التيار المدني من مأزق التشظي الذي ينخر جسده.


ليس هناك من بوسعه إنكار صعوبة المرحلة وتعقيدات التأسيس لهذا التيار المدني، لكن القيادات التاريخية لا تشق طريقها، وتتقدم الصفوف إلا في مراحل العمل السياسي الشاقة والمعقدة. حينها فقط تميز القيادات التاريخية نفسها عن سواها من المتسلقين الذي يتحينون فرص الهدوء من أجل قطف الثمار.


وإذا قدر لمراقب المشهد السياسي البحريني أن يدفع ببعض المسلمات التي يستشفها مما حمله ذلك النقاش، فبوسعه تلخيصها في النقاط التالية:


1. لا يستطيع أحد ان يجرد هذا التيار من مساهماته الرائدة في التأسيس للعمل السياسي في البحرين، سواء من خلال تنظيماته المباشرة، أو عن طريق منظمات المجتمع المدني التي أسسها، وفي المقدمة منها الاتحاد الوطني لطلبة البحرين، وجمعية اوال النسائية. هذه المساهمات التي قدم التيار خلالها الكثير من التضحيات الجسام من معتقلين، ومشردين، ومهجرين وشهداء، تضم قائمة بأسماء كواكب مخلصة متفانية في العمل الوطني التحرري، رصعت سماء البحرين السياسية، ليس هنا مجال سردها، كي لا نجهض حق من يسقط سهوا بين مكونات قائمتها.


2. لم يعد هناك اختلافات أيدلوجية أو سياسية تبرر تفتت هذا التيار، فقد تلاشت التباينات في الانتماءات الفكرية، وتقلصت الاختلافات في تحليل الوضع السياسي العربي، ولم تعد هناك فوارق نوعية في رؤية الوضع المحلي. ومن ثم فمساحات التوافق تفوق بما ليقاس هوامش الاختلاف.


3. لا يعني تبلور هذا التيار في أي شكل من أشكال العمل السياسي المشترك، قطع حبل السرة بينه وبين أي من تيارات العمل السياسي الأخرى، بما فيها تلك المنظمة تحت رايات الإسلام السياسي الأخرى. بل الأمر هو عكس ذلك تماما، فالتئام قوى التيار المختلفة تحت مظلة واحدة، يجعل الحوارات مع التيارات الأخرى أكثر نضجًا وجدوى.


4. ليس المقصود من التأسيس لهذا التيار، توحيده كالمسطرة في وعاء فكري واحد، او سياسي بلون طاغ، يحرم الحوارات، ويحارب الاجتهادات. الأمر على العكس من ذلك تمامًا، فتأطير التيار في صيغة تنظيمية ملموسة تبيح ازدهار ألوان التيارات المختلفة، وتسمح بتعايش الأفكار المتباينة وتلاقحها. هذا ما تؤكده تجارب الشعوب التي أنجزت مهمات شبيهة بالمهمات الملقاة على عاتق هذا التيار في هذه المرحلة.


5. في غياب تبلور هذا التيار، وبالصيغة التي سيراها القائمون على تأسيسه انها الأكثر مناسبة له، سيفقد النظام السياسي في البحرين، بمكوناته المختلفة، بما فيها مؤسساته المدنية القائمة فرصة تاريخية لن يكتشف ضياعها إلا بعد مضي عقود من الزمان، وحينها لن يجدي الأسف، ولن يفيد التمني.


تلك كانت هواجس ذاتية، لا يتحمل مسؤوليتها من كان صدفة في ذلك اللقاء العارض، لكنها هموم فرضت نفسها على كاتب العمود، وجثمت على صدره، وكتمت أنفاسه التي لم يكن ليستعيدها لولا انها وجدت طريقها للنشر، علها تساعد قادة التيار كي يسارعوا إلى إطلاق سراح الوثيقة التي قضت عقدا من الزمان في «التداول والتمحيص».


فطريق التأسيس للتيار يبدأ بخطوة الإفراج عن تلك الوثيقة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها