النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

محنة ثقافة مزورة:

حمايــــة التخلــــف مــــن الانقـــــــراض

رابط مختصر
العدد 9880 الأربعاء 27 ابريل 2016 الموافق 20 رجب 1437

أصبحنا والحمد لله ركيزة من ركائز الفلكلور الدولي الجديد، وجزءًا خشبيًا من تقاليد العصر وأساسًا خشبيًا ثابتًا من أسس الديكور العالمي الجديد، بل وأصبحنا فرجة للقاصي والداني، تمامًا مثل الهنود الحمر في أفلام رعاة البقر الامريكية وهل من يعقل ان يغيب الهنود الحمر عن فيلم رعاة البقر؟؟ لقد أصبحنا مثل زنوج أمريكا في الأدب البوليسي العالمي الجديد والقديم، فهل يمكن ان يستساغ فيلم بوليسي جاذب دون تزيينه بعدد من هؤلاء؟؟ دون حضور عدد من المنحرفين العتاة الزنوج؟


صورتنا تطل كل يوم من نوافذ القنوات الفضائية العالمية، تتزين بنا ونزين نشراتها من مقديشيو الى بغداد، ومن الموصل وتدمر وصنعاء إلى دارفور وبرقة وطرابلس، والمشهد واحد، يتسلى به المتحضرون الذين تفرغوا للاستمتاع بالحياة. فعندما تتزين سماء نيويورك وباريس ولندن وبرلين وموسكو للاحتفال بالقادم الجديد القادم كانت صواريخ التوم هوك وطائرات اف 16 والميغ والطائرات من دون طيار تقصف سماواتنا واراضينا العربية من بغداد الى دمشق، ومن طرابلس الغرب الى حلب والموصل. ولسنا هنا في حاجة إلى استعراض بقية المشاهد الفلكلورية المسلية لأطفال يموتون جوعًا، ولنساء يغرقن في بحر إيجى او في الجزر الصخرية، ولطلاب من دون مدارس، ومدن من دون سكان، ولمسارح كبرى لعرض مسرحيات كلاسيكية بعنوان بوغريب او غوانتنامو..


الصور هنا ليست مرئية سمعية فحسب، بل ان أسماءنا واردة في جميع القوائم الدولية: قوائم الجوع والفقر والتصحر والأمية، قوائم اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية، والاونروا والإرهاب، فماذا سيبقى للعالم المتحضر من مادة للتسلية والفرجة المجانية إذا اختفى منها أطفال الصومال، وخراب البصرة واحتلال الموصل وتدمير تدمر ومذابح الفلوجة وطبرق ومجازر العامرية ومهازل العرب المنشورة من الوريد الى الوريد، وماذا سيبقى للعالم من مادة دسمة للتسلية وتمضية الوقت؟!!


إن البشرية سوف تحرم من خير عميم، ومن تسلية أساسية في شتاء هذه الربيع العربي الكئيب واشواكه الممدودة، ومن مشاهد لا يمكن ان توجد حتى في طرائف الكتب والخرافات وفي الكوميديات السوداء، وفي الملاحم والاساطير الدولية، ابطالها علي بابا والاربعون حرامي وبهلوانات حقيقيون في سيركات حقيقية، حبالها مشانق وكلابها مبرية الأنياب ووحوشها آكلة للبشر، واقفاصها لا خروج منها، وسحرتها يسحبون الأرانب من اكمام المعاطف السوداء ومن جيوب المتفرجين ويضعونها في حسابات في جزر البهاما.


إن اختفاء هذه الكوميديا الإلهية المسلية من المسرح الأرضي سوق يحرم العالم من التسلية المجانية، ومن متع عديدة لا حدود لها، العالم المتفرغ للتمتع بالحياة سوف يجد صعوبة كبرى في التعود على عالم من دون فلكلورنا الرائع: فلو حدث ذلك سوف يشكل اخلالاً رهيبًا بمشاهد التسلية العالمية الأساسية، إذا غاب عنها عالمنا الفلكلوري المهتم بجمع العظام وبالمقابر الجماعية وتلميع الموميات، وبإلقاء الأطفال لمصائرهم في الشوارع وفي القوارب البلاستيكية لخوض مغامرات (الرحلة اليومية) في الغابات الاستوائية.


وحتى لا تختفي هذه المشاهد المسلية من على صفحة العالم، كان يجب منع عوالمنا الفلكلورية من تغيير القناة، من تغيير التردد والمشهد، كأن تعمل على توسيع المساحة الزراعية او التحكم في مصادر المياه او البحث عن بدائل للطاقة النفطية او عن حالة توحد او توسيع نطاق البحث العملي او بناء المزيد من المصانع والمدارس والجامعات والمراكز البحثية والطبية وشركات صناعة الادوية او تحقيق الاكتفاء الذاتي في الإنتاج الزراعي والتكنولوجي، او انشاء صناعة للسينما والموسيقى والتشكيل أو اصلاح حقيقي للتعليم وللاقتصاد وللسياسة.


وحتى لا نرتكب أية حماقة باستدعاء وعي ما، فإن الدول المستمتعة بالحياة وبالتسلية بفولكلورنا المنشور من المحيط الى الخليج، على استعداد للرد الفوري إذا ما أقدمنا على اية حماقة من هذا النوع، لرد المتهورين إلى رشدهم لأنهم حاولوا بناء مدفع رشاش او مصنع للأسلحة ذات التدمير الشامل او بناء مدرسة للهندسة الوراثية، فهي اليوم مستعدة تمامًا لإعادة الحمقى إلى رشدهم ان تحدثوا خارج قاموس الفوضى الخلاقة او قاوموا متطلبات مسرح الدمى المتحركة.


أية قيمة للعالم اليوم إذا انقرضت منه بلدان يعترف الجميع بأنها فاشلة الا اذاعاتها الرسمية وصحفها الرسمية، فلو حدث ذلك، فإن خللا رهيبا سيصيب النظام الدولي الجديد، فلا احد يرى يريد ان يرى هذا الجزء من العالم على درجة من التحضر والعلم والتقدم والنظافة والعناية بالبيئة والرعاية الصحية والاستقرار الاجتماعي، فالسائح الأوروبي لن يجد وقتها ما يصور، لن يجد جيوش الجراد والعاطلين والأطفال العراة الحفاة يلعبون في تراب المقابر، ولن يجدوا جيوشًا من المشردين والباعة المتجولين يعرضون منسوجات منتجات بدائية قبيحة بشعة، ويتراكضون بين أيديهم متسولين مرددين عبارات التسول والمسكنة، لن يجدوا عجائز منهكين يلهثون وراء الشمس من حائط الى حائط، لن يجدوا أناسًا يمشون في شوارع محفورة نصف مغمضي العيون!! فكيف سيكون العالم إذا حذفنا منه تلك السيارات الفارهة التي تشق الشوارع وسط بحر مترام من الأكواخ المتهالكة والمجاعات الشاملة وفقدان الرعاية والضياع الكامل وفقد الأمل..؟؟!! لابد إذن ان تكون الأمور على هذا النحو حتى نتعرف بسهولة على عالم اليوم، عالم التخلف الذي وجب المحافظة عليه كجزء أساسي من الديكور العالمي.

 

همس:

يقول المسرحي الايطالي داريوفو، هو ممثل ومؤلف وسينوغرافي الأكثر شهرة في أوروبا المعاصرة: «إن مهمة الكاتب هي ان يزعج الآخرين، وان يوقظهم او أن يقض مضجعهم او ألا يدعهم يستريحون، وليس مطلوبًا منه ان يداعبهم ويمتعهم بما يريحهم»..


ويقول المفكر الليبي الصادق النيهوم في كتابه (محنة ثقافة مزورة): (في بلاد العرب، ومنذ فجر التاريخ كانت الثقافة سلاحًا، مهمته تجهيل الناس أكثر من تثقيفهم، ولهذا السبب سكتت الثقافات العربية عن قضايا الإنسان، وفشلــت في تطويــر مجتمعــات حقيقيــة محــررة مــن عبــادة الأصنام الحية والميتة)..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها