النسخة الورقية
العدد 11181 الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 الموافق 22 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

مواعظ انقلابي سابق!!

رابط مختصر
العدد 9873 الأربعاء 20 ابريل 2016 الموافق 13 رجب 1437

عندما استلمت من أحد أصدقائي المميزين - وهو ذو مكانة أدبية واجتماعية ومهنية عالية ولعل ذكر اسمه لا يرضيه وإن كان يشرفني - ملاحظاته وتعليقاته على أهم ما جاء في مقابلة مع السيد مهدي أبو ديب نشرتها جريدة «الوسط» قبل أقل من أسبوعين، كنت في جزيرة «بوكيت» بتايلند تغمرني السعادة مع صحبة طيبة مكونة من ثلاثة أصدقاء كنت رابعهم نستكشف عالمًا جديدًا لطالما رجوت من صميم قلبي أن تتاح لي فرصة زيارته لأكف عن الاستماع إلى الأخبار التي يجود بها عليَّ أصدقائي ومعارفي من زوار هذه الرقعة الساحرة من كرتنا الأرضية، كنت وقت استلامي ملاحظات صديقي وتعليقاته مستمتعًا بأيام خالية من إيلامات التداعيات السياسية في مجمل الإقليم، وبعيدة عن حذلقات وفذلكات بعض المتذاكين على فطرة الذكاء الطبيعية لدى الإنسان البحريني. فمن حيث لا يقصد الصديق كان وقع ما أخبرني به عليَّ سيئًا، وإن كان مثارًا لموضوع مقال نستحضر فيه بعضًا من آلام مرحلة بدأت جروحها تندمل.


أول الأسئلة التي باغتتني وأنا أقرأ ملاحظات الصديق وتعليقاته هو «من يكون مهدي أبو ديب، حتى تفرد له جريدة ما مساحة كتلك التي خصصت له ليقول ما قال؟» أتمنى ألا أبخس السيد مهدي أبو ديب حقه بهذا التساؤل، ولكني في لحظات تفكر أجبت عن السؤال الآنف قائلاً في نفسي، ومرددًا إجابتي معكم إنه مواطن عادي مثلي ومثل سائر المواطنين، وأذكر إنه كان يعمل معنا في إدارة المناهج بوزارة التربية والتعليم، وكان اختصاصيًا لمادة التربية الفنية. لم أعلم من سيرته إنه صاحب عمل أدبي فذ، أو أنه تميز في أي مرفق من مرافق الإنتاج المجتمعي حتى يتحلى بهذه الشجاعة ويخاطب المواطنين موعظًا إياهم بتحمل المسؤولية. والشيء الأكيد الذي تتحدث عنه صحيفته الشخصية إنه واحد ممن صدر في حقهم حكم بات بالسجن خمس سنوات بسبب مشاركته في الانقلاب على الدولة. ونقطة على السطر، فليس هناك ما يمكن أن يكون استثنائيًا في شخصه حتى أتوقع وتتوقع عزيزي القارئ أن يكون مفاجئًا أو مفيدًا في المقابلة المذكورة. سألت كثيرًا وبحثت أكثر عن السيد أبو ديب قاصدًا التعرف على شيء يفيد بأهمية ما، لعمل ما، أسداه المذكور يعطي المبرر الكافي لعقد مقابلة صحفية معه فلم أجد شيئًا يشفي الغليل. وقد يكون ذلك لقصور في تقديري أو فهمي.


لن يفوتك قارئي الكريم أنني قصدت بهذه المقدمة أن الشخصية التي أجرت معها جريدة «الوسط» المقابلة الصحفية شخصية عادية. وإذا كنت سأتفق على أن هذه الشخصية غير ذلك فإنني أقول بأن السيد مهدي كان أيضا رئيسًا لجمعية المعلمين المنحلة، وهي الجمعية التي كان لها بالفعل دور استثنائي في إلحاق الأذى بالطفولة وبالتعليم. وللتحقق من ذلك لا يوجد سبيل إلا الرجوع إلى صور وفيديوهات زمن «الدوار» الأغبر، التي تظهر إفراغ المدارس من الأطفال لنقلهم في شاحنات إلى ذلك الدوار، وتبرز محاصرة وزارة التربية والتعليم ورفع الشعارات الطاعنة في الطائفية والمذهبية السياسية الجوفاء.


شخصيًا بحثت عن مبرر لهذه المقابلة الصحفية فلم أجد إلا مبررًا واحدًا، وهو أن يكون هذا اللقاء من ضمن أمور تهدف إلى إبقاء الساحة الوطنية على صفيح ساخن لا يبرد أبدًا. إنسان قرر القضاء سجنه لأفعال غير مسؤولة كان هدفها الأعلى إسقاط النظام، وتأتي صحيفة لتسوق له على أنه حكيم يعطي دروسًا في الوطنية والمواطنة. أعتقد أن في المسألة ما يجعل الاستغراب والتعجب ردة فعل طبيعية جدًا، ولكم أن تتأملوا معي بعضًا مما قاله السيد أبو ديب لتتأكدوا أن الرجل ما غادر خندق المناورة والمداورة ليكون في خطابه متجانسًا مع الخط التحريري للصحيفة التي استضافته ليعلمنا في صيغة الجمع أنهم - وأنقل العبارة كما كتبت - «كجمعية معلمين، مثلاً، كان وضعنا واضحًا منذ البداية لمن أراد أن يقرأه بوضوح، ولم يكن لدينا هذا التخندق والتشدد، الجمعية مؤسسة نقابية كان همها الأول هو الحفاظ على البيئة المدرسية والطلبة والعملية التعليمية بعيدًا عن الأزمة التي تلونت بالطائفية».


الواضح أن خطابًا كهذا يدفعني كما يدفع كل من عايش محنة دوار العار التي مرت بها البحرين إلى أن أطرح على الجريدة وعلى السيد مهدي أبو ديب مجموعة من الأسئلة أرجو أن تكون مدار تفكر وتأمل للوقوف على حقيقة عمل الجمعية في فترة الدوار. وأول هذه الأسئلة: «من جر أطفال الروضات للتظاهر في الشوارع وركوب الشاحنات المكشوفة، وجعلهم يرفعون شعارات لا يفقهون معناها؟» وثانيها، «من أهان كرامة المعلم وجعله يوقع في الدوار بدلاً من أن يوقع حضوره في المدرسة؟» وثالثها، «من ذا الذي حاصر وزارة التربية وهدد سلامة الموظفين فيها؟» ورابعها، «من جعل المجتمع بقضه وقضيضه يستنفر لتوفير طاقات بشرية متطوعة تقوم بعملية التدريس التي ظنت جمعية المعلمين غير المأسوف على قبرها بسلطة القانون أنها بإيقافها ستشل حركة البحرين بأشملها؟» وخامسها، «من الذي شوه البيئة المدرسية بثقافة الإقصاء المنقولة من الدوار إلى أفنية المدارس؟» هذه مجموعة من الأسئلة لا أظنها تشي بشيء مما قاله السيد أبو ديب من أن «الجمعية مؤسسة نقابية كان همها الأول هو الحفاظ على البيئة المدرسية والطلبة والعملية التعليمية بعيدا عن الأزمة التي تلونت بالطائفية».


الجمعية، باختصار، كانت أداة لتعطيل الحياة المدنية في البحرين. وجمعية كهذه ينبغي الكف عن حديث إحيائها من جديد، فمكانها اللائق بها مزبلة التاريخ.


يا سيد مهدي، يا واعظ الوقت الضائع أظنك كنت مسؤولاً عن الجمعية المنحلة التي اقترفت الموبقات وأساءت أيما إساءة إلى المؤسسات التعليمية، وأظن أن من يقرأ مقابلتك الصحفية لن يتصور أنك من كان يدير عملية تهجير طلبة المدارس من بيئاتهم المدرسية ويخرق حقًا دستوريًا لتمتع الناشئة بالحق في التعليم. لعل الخمس سنوات التي «نهلت» فيها وقرأت ما قرأت من الكتب التي قدرت أنك لم تقرأ مثلها في العشرين سنة، قد غيرتك وأصبحت داعية من دعاة الوطنية والمواطنة، وهو دور لا أراه يستقيم لك ولغيرك ما لم تعترفوا أمام الملأ بما اقترفته أياديكم من آثام في حق الوطن، وما لم تعتذروا من الشعب البحريني الطيب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها