النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

الكوارث القادمة..

انهــــيار خـــط الدفــــاع العربـــــي الأول

رابط مختصر
العدد 9873 الأربعاء 20 ابريل 2016 الموافق 13 رجب 1437

فوضى الحروب والحروب الأهلية التي يشهدها قسم من الوطن العربي، خاصة في سوريا والعراق واليمن وليبيا، لا ينظر المتابعون إلا للآثار المادية والسياسية المباشرة لها، مع انها - وبالرغم من هولها وضخامتها - لن تكون ذات أهمية كبرى بالقياس الى الآثار الاجتماعية والإنسانية، خاصة بالنسبة للأطفال وجيل الشباب الذي شهد هول هذه الحروب والترحيل والهروب واللجوء المرير والآلام المترتبة على ذلك الوضع المؤلم.


فالخسائر في البنية التحتية وفي المنشآت والمباني يمكن تداركها بمجرد انتهاء الحرب، ولكن في اللحظة التي تنتهي فيها هذه الحروب القذرة سوف ينكشف حجم الكارثة الأخرى المتمثلة في هذا الجيل من الأطفال والشباب الذين أحرقتهم الحروب وكسرت نفوسهم الهجرات والتشريد واللجوء، وأذلتهم الفاقة والعوز والتكفف الفاضح وإراقة ماء الوجه في عواصم العالم.


الملايين من هؤلاء الأطفال والشباب الذين بقوا لعدة سنوات خارج نطاق التمدرس، خارج فضاء المدارس والجامعات، سوف يكون وضعهم في المستقبل كارثيًا، بما يعني أن خط الدفاع الأول يكون قد انهار مع انهيار الأمن والأمان والسلم الأهلي وضياع الدولة في سوق المزادات والأكاذيب والأطماع، وذلك من منطلق أن التعليم هو خط الدفاع الأول لوجود الشعوب في الحاضر وفي المستقبل باعتباره عملية بناء اجتماعي واقتصادي وإنساني وتجديد لروح الأمة وللثقافة والمجتمع وتحصينها ضد عوامل الضعف والتراجع


لقد جاء في آخر تقرير صادر عن منظمة اليونيسف أن نحو مليونين وستمائة ألف طفل سوري قد تغيبوا هذا العام عن المدرسة، إلى جانب ثلاثة ملايين وستمائة ألف محرمين من التعليم في مخيمات اللجوء، وأن ما يقارب من مليوني طفل عراقي هم اليوم خارج المدرسة، كما أن أكثر من مليون طفل آخر مهددون بالتسرب من التعليم، بما ينذر بفقدان جيل كامل في هذين البلدين وأن آلاف المدارس في البلدين قد دمرت بالكامل أو تحولت إلى مأوى للمشردين.. ولا أعتقد أن الأمر يختلف كثيرًا عن هذه الصورة المخيفة، في أقطار عربية أخرى، بسبب احتدام الصراعات السياسية والعسكرية داخلها، التي غالبًا ما يدفع ثمنها الأطفال الذين يحرمون في غالبيتهم العظمى من التعليم.


إن المشكلة أنه، وحتى بعد انتهاء الحروب والصراعات، يمكن إصلاح كل ما هو مادي من النتائج المدمرة التي حلت بهذه البلدان، ولكن لا يمكن تدارك الضرر الحاصل في مجال التربية والتعليم، لأنه يكون قد أثر بعمق في جيل كامل، من المواطنين العرب، على الأصعدة النفسية والسلوكية والمعرفية، ولتلك كارثة حقيقية، تؤشر إلى حجم التدمير الذي مس هذه البلدان وشعوبها، كنتيجة طبيعية للفوضى التي عمتها، ضمن سياق ما سمي بالربيع العربي.


أما إذا نظرنا إلى التجارب الناجحة في العالم، ونماذج التنمية الناهضة، والتي برزت في العقود الماضية، شرقًا وغربًا، فنجد أن نجاحها كان من بوابة التعليم، وإذا نظرنا إلى الدول الكبرى التي تتصارع على القمة اليوم، نجدها تطور من نظم تعليمها باستمرار وتحاول الاستفادة من نظم التعليم الناجحة في العالم وتوجه معظم جهودها لهذا الغرض، باعتبار التعليم مولدًا للثروة والقوة، ومازلنا نذكر أهمية التقرير الأمريكي الأكثر شهرة «أمة في خطر»، الذي قدمه الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان في العام 1983م، والذي كان بمثابة ناقوس الخطر حول واقع التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية ومرتبته في التصنيف العالمي، حيث احتل الطلاب الأمريكيون مراكز متأخرة في العلوم والرياضيات وقواعد اللغة، مما استنفر القيادة الأمريكية لإحداث النقلة النوعية في النظام التعليمي على كافة الصعد: المحتوى والمعايير والتوقعات والوقت والقيادة والموازنات.. كما نستذكر أنه وفي بداية الألفية الثالثة، في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، صدور تقرير آخر بعنوان «أمة مازالت في خطر»، ركز على ضرورة تطوير التعليم، باعتباره صمام الأمان ومصدر القوة والإبداع والنهضة والتفوق، بما يجعله مركز قضية الأمن القومي.


إلا أن الوضع الراهن في عدد من بلاد العرب، يعود إلى ما نراه من ضعف الوعي بأهمية التعليم ودوره في النهضة والبناء والصراع من أجل الوجود، وتكريس الجدارة العلمية على الصعيد الدولي، وضعف الإدراك بأن التربية في حسابات الدول، عملية ارتقائية، لتجديد الذات الثقافية والاجتماعية للدولة والمجتمع، وتحصينها ضد عوامل الوهن والمرض المعطل لحيوية الأمم والشعوب. حيث أدركت كل القوى العظمى في عالمنا هذه الحقيقة، ونظرت إلى التربية من حيث هي خط الدفاع الأول والخفي لوجود الأمم والشعوب. والتاريخ المعاصر يعطينا العديد من الشواهد على صدق هذا الإدراك. إلا أن معظم العرب يتحركون في اتجاه معاكس لهذا التيار العالمي، ولذلك يعانون من ضعف بالغ على كافة المستويات، بما جعل الوطن العربي من أكثر مناطق العالم انتشارًا للأمية وتراجعًا في مستوى الخدمات العامة، إذ يتجاوز عدد الأميين العرب حاليًا المائة وعشرين مليونًا، بحسب إحصائيات منظمة اليونسكو للعام 2014م، أي بما يشكل نسبة 30٪ من السكان.


هكذا تجري الأمور في بلاد العالم التي تعي أبعاد قوة التعليم ودوره، وهكذا تجري في بلاد العرب، التي تحول فيها التعليم في الغالب الأعم إلى خدمة ثقيلة، وعبء تتحمله الدولة بصعوبة بالغة، بل إن بعض حكومات الإصلاحات الهيكلية قد اعتبرت التربية والتعليم من القطاعات الاجتماعية المكلفة وضعيفة المردودية، لأنها تنطلق من فهم قاصر للتنمية، وسبل الاستثمار في الموارد البشرية، فبدلاً من أن يكون التعليم قوة الدفع الرئيسة للتنمية، نراه يتحول إلى حالة هلامية تتولى الدولة الإنفاق عليها في حدود منخفضة، لتخريج أشباه المتعلمين الذين يظل أغلبهم جالسًا على رصيف البطالة الفعلية، أو على كراسي البطالة المقنعة لسنوات طويلة.


همس

عائدان من لحظات البرد الحنونة
المهملة في الشوارع
تنسل من ضميم أصابعنا
دوائر الدخان الواسعة المرسومة في عيون الناس
تتبعثر على رصيف موعدنا القادم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها