النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

الأعراض الجانبية لدواء الديمقراطية المر

رابط مختصر
العدد 9871 الإثنين 18 ابريل 2016 الموافق 11 رجب 1437

في فيلم «أربعة في مهمة رسمية» - الذي كتبه «علي سالم» وأخرجه «علي عبدالخالق» وقام ببطولته «أحمد زكي» أمام «نورا» - يضيق البطل - وهو موظف صغير بأحد فروع «بيت المال» بإحدى المحافظات البعيدة - بالتعقيدات الإدارية التي واجهته وحالت بينه وبين أداء مهمة رسمية كلف بها.. فيقرر أن يلجأ إلى عضو مجلس النواب عن الدائرة التي جاء منها لعله يعينه على تخطي هذه العوائق البيروقراطية، ولكن مسؤولاً من المجلس يعتذر له بأنه لم يشاهد حضرة النائب المحترم منذ شهور، فهو لا يشارك في الجلسات العامة التي يعقدها المجلس، ولا يحضر اجتماعات اللجان النوعية التي هو عضو بها، ولا يتردد على مقر المجلس ويحتم المسؤول اعتذاره متمنيًا على الموظف الغلبان إذا ما نجح في الالتقاء بحضرة النائب المحترم، أن ينقل إليه رجاء المسؤولين عن الشؤون المالية بالمجلس الموقر، بأن يشرفهم بحضوره أو يرسل مندوبًا عنه لكي يتسلم مكافآته المالية المتراكمة خلال هذه الشهور، مقابل حضور جلسات المجلس ولجانه، حتى يستطيعوا تقفيل الحساب الختامي، قبل حلول السنة المالية الجديدة.


وهكذا وجد الموظف الصغير نفسه، أمام مشهد آخر من ألاعيب البيروقراطية المضحكة والعبثية فالنائب الذي أعطاه صوته في الانتخابات لكي يمارس سلطتي التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية والتصدي للفساد الإداري والترهل البيروقراطي لا يمارس شيئًا من ذلك، ومع أنه دائم الغياب عن اجتماعات المجلس ولجانه، إلا أن ألاعيب البيروقراطية تضمن له الحصول على مكافأة الجلسات التي لم يحضرها، بل يناشده المسؤولون في المجلس أن يسارع بصرف المتراكم لحسابه من هذه المكافآت التي لا يستحقها، بدلاً من أن تعود إلى ميزانية الدولة، إذا ما انتهت السنة المالية دون أن يصرفها.


وفي الأسبوع الماضي اكتشف د. سيد عبدالعال ـ رئيس مجلس النواب الجديد ـ الذي لم يمضِ على بدء دور انعقاده الأول سوى ثلاثة أشهر، أن ظاهرة غياب النواب المحترمين عن حضور جلسات المجلس، قد اتسع نطاقها على النحو الذي يؤدي إلى عدم اكتمال النصاب القانوني لبدء الجلسة، الذي يصل إلى ما يقرب من 300 نائب، مما يضطره - في هذه الحالة - إلى تأجيل انعقادها، حتى يتولى العاملون بأمانة المجلس الاتصال بمن تيسر لهم الاتصال به من نواب المحافظات القريبة من العاصمة، لكي يتوسلوا إليهم الحضور فورًا لإنقاذ الموقف، خاصة أن الجلسات تتعلق بموضوع مهم، وهو مناقشة بيان الحكومة، تمهيدًا للتصويت على منحها الثقة أو حجبها عنها.


وبتكرار ظاهرة الغياب، غضب رئيس المجلس وأدلى بتصريحات عنيفة، اعتبر بها الظاهرة دليلاً على استهانة النواب بالمصلحة العليا للبلاد، وهدد بأنها إذا استمرت فسوف يغلق باب المناقشة العامة حول بيان الحكومة، ويحدد جلسة للتصويت عليه، ومن باب الاحتياط أمر باتباع نظام البصمة الإلكترونية، بدلاً من التوقيع في الدفاتر الذي يمكن الحاضرين من التوقيع نيابة عن الغائبين، ليرد لهم هؤلاء الجميل حين يتبادل الطرفان المواقع، ويضمن لكل الأطراف الحصول على البدل النقدي عن حضور الجلسات، وهي لعبة بيروقراطية قرر رئيس المجلس أن البصمة الإلكترونية كفيلة بإيقافها، إذ سوف تجبر الجميع على حضور الجلسات وإلا انقطعت البدلات!


وظاهرة غياب النواب عن حضور الجلسات لا تختلف عن ظاهرة عجز النقابات المهنية الكبيرة، التي تمثل شريحة مهمة من الشرائح الاجتماعية، عن إكمال النصاب المطلوب لعقد جمعياتها العمومية، التي يفترض أن تجتمع مرة كل عام، لكي تحاسب مجالس إدارة هذه النقابات على أدائها، وتعتمد السياسات التي سوف نتبعها، وتقر حسابها الختامي في العام السابق وميزانيتها التقديرية عن العام القادم، بسبب عزوف أعضائها عن المشاركة في هذه الجمعيات ولم تكن مصادفة أن نقابة الصحفيين المصريين التي تحتفل هذه الأيام باليوبيل الماسى لتأسيسها، قد احتفت كذلك باليوبيل الفضي لعجزها عن عقد جمعيتها العمومية العادية، التي مر عليها ربع قرن دون أن يكتمل نصاب عقدها..


ما يدعو للتأمل، أن العرب ـ بشكل عام وبدرجات متفاوتة ـ لا يكفون عن الشكوى من الأنظمة التي تحكمهم، ومن ظواهر عديدة للفساد أو الاستبداد، يعلقون فأس المسؤولية عنها غالبًا في رقبة السلطة التنفيذية التي تسعى للهيمنة على كل شؤونهم، وتصر على الانفراد بشؤون الحكم، دون نقد أو محاسبة أو مشاركة، فإذا ما أتاحت لهم الظروف والفرصة لممارسة شيء من ذلك، حتى لو كان في نطاق ضيق، عزفوا عن المشاركة، أو مارسوه بأسلوب فوضوي يؤدي الى القضاء عليه، بدلاً من أن يشجع على توسيع نطاقه، أو أساءوا اختيار من يمثلونهم، فإذا ما أحسنوا الاختيار توهموا أن دورهم يقتصر على ذلك، وأن على هؤلاء الممثلين أن ينوبوا عنهم في القيام بكل شيء!


تلك بعض إشكاليات التطور الديمقراطي التي تعانيها المجتمعات العربية في مرحلة الانتقال الصعبة التي تمر بها خلال هذه الحقبة، وهي لا تعني أن السير في الطريق إلى الديمقراطية خطأ، ولكنها تعني أن نتذكر جميعًا حقيقة أن الديمقراطية دواء مر، له أعراض جانبية قد تبدو خطيرة، خاصة في البداية، وأن الشعوب لا تتعلمها إلا عبر الممارسة، وعبر الصواب والخطأ، وهذه الديمقراطية قادرة ـ في كل الأحوال ـ على أن تصلح من أخطائها، وأن تقودنا إلى بر الأمان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها