النسخة الورقية
العدد 11035 الأربعاء 26 يونيو 2019 الموافق 23 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:13AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

رحيل الأنثروبولوجي العربي فؤاد إسحق الخوري

رابط مختصر
العدد 9864 الإثنين 11 ابريل 2016 الموافق4 رجب 1437

فقد الانثروبولوجيون في العالم خلال الشهور الماضي شخصية انثروبولوجية عربية بارزة وهو المرحوم فؤاد اسحق الخخوري، كان العالم واصدقاء فؤاد الخوري منشغلين جميعا آنذاك بمتابعة تداعيات دخول القوات الامريكية والبريطانية الى العراق وسقوط نظام صدام حسين. حينها، أي في 4 مايو 2003م وبعد مرور اسابيع قليلة على دخول تلك القوات الاراضي العراقية، كان فؤاد الخوري قد اسلم روحه في أحد مستشفيات مدينة ردينغ في بريطانيا، وهي المدينة التي انتقل إليها من بيروت منذ منتصف الثمانينيات، بعد تدهور الاوضاع الأمنية في بيروت وخاصة المنطقة المحيطة بالجامعة الامريكية في بيروت.

 

1ـ ممارسة النفوذ بين اللبنانيين

عندما علمتُ بنبا وفاته، من خلال عمود الكاتب الصحفي، منصور الجمري، في جريدة الوسط والكاتب الصحفي، حافظ الشيخ، من اخبار الخليج، عاد فأكد لي الخبر بعد ذلك تلميذه وصديقه الانثروبولوجي السوري، سليمان نجم خلف، ثم تلا ذلك ان ألحّ علي الكاتب حافظ الشيخ بكتابة مقالة نعي، مثلما حاول بعد ذلك منصور الجمري.

من جانبي كنت ارى انه ليس كافيا الحديث عن الاسهامات الفكرية لفؤاد الخوري من خلال تناولي لبعض اعماله فقط، حتى اسعفني صديقنا المشترك سليمان خلف من جمع مادة سيرته من اسرة فؤاد الخوري، وضمّنها في مقالة بالانجليزية للنشر في احدى الدوريات الامريكية. على اننا هنا في البحرين، حيث وفد إليها فؤاد خوري في منتصف السبعينيات لانجاز عمله الحقلي الاثنوغرافي، لا بد من تقديم الرجل الذي يقف وراء كتاب عن البحرين «القبيلة والدولة في البحرين: التحول في السلطة الاجتماعية والسياسية في دولة عربية، 1980م» بما يليق بمكانته.

 

 

من هو إذًا فؤاد الخوري؟ ولد فؤاد الخوري في قرية بينو بشمال لبنان، وذلك في الثامن من فبراير عام 1935م، وهو الذي اصبح بعد ذلك عالما انثروبولوجيا اجتماعيا – ثقافيا مرموقف واحد ابرز المختصين في ميدان انثروبولوجيا العالم العربي والشرق الاوسط، كان قد تلقى تعليمه الجامعي في الجامعة الامريكية في بيروت، وذلك بحصوله على البكالوريوس والماجستير منها، ثم غادر الى الولايات المتحدة الامريكية لينجز اطروحته لدرجة دكتوراة الفلسفة في الانثروبولوجيا في جامعة اوريجن، وذلك في عام 1994م.

 

 

كانت اطروحته للدكتوراه مبنية على عمله الحقلي الانثوغرافي بين اللبنانيين المهاجرين في سيراليون بغرب افريقيا، حيث اهتم بدراسة اشكالية ممارسة النفوذ. عاد فؤاد الخوري الى لبنان في عام 1965م ليبدأ حياته الاكاديمية مدرسا بالجامعة الامريكية في بيروت وكان يبلغ من العمر آنذاك ثمانية وثلاثين عامًا، وفي عام 1978م اصبح استاذا للانثروبولوجيا هذا الى جانب توليه مسئولية رئاسة قسم علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية والسلوكية، وذلك في الفترة من 1973م وحتى 1984م، وكذلك توليه ايضا مسئولية رئاسة قسم علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية والسلوكية، وذلك في الفترة من 1973م وحتى 1984م، وكذلك توليه ايضا مسئولية رئاسة مركز الدراسات العربية والشرق اوسطية بنفس الجامعة.

 

خلال تلك السنوات انجز فؤاد الخوري اعمالا حقلية انثوغرافية هامة، كان من بينها تجربته في دراسة مهاجري الجنوب اللبناني في ضواحي بيروت، والثانية كانت في دراسة التحولات السياسية في البحرين، وتجربة حقلية ثالثة بين زيود كردستان في شمال العراق لدراسة السلطة الدينية.

 

على ان هذا النشاط البحثي الانثروبولوجي الحيوي، وما تبعه من اصدارات بارزة في هذا المجال، بدأ يصطدم بمشكلات الحرب الاهلية وتدهور الاوضاع الامنية في لبنان مما دفع به وبقية زملائه اللبنانيين، نذكر من بينهم كمال صليبي، لمغادرة لبنان الى بريطانيا. هكذا انهى فؤاد الخوري التزامه المهني مع الجامعة الامريكية في بيروت بخروجه الى التقاعد المبكر عام 1987م ورحيله الى مدينة ردينغ، وهي نفس المدينة البريطانية التي احتضنت عالمًا عربيًا آخر وهو الجغرافي المصري المرحوم جمال حمدان. هنا في ردينغ استقر به الحال مع اسرته المكنة من زوجته سونيا وابنته سوسن وابنه فواز.

 

الى جانب نشاطه البحثي المتواصل الذي سنأتي على ذكره بعد قليل، تولى فؤاد الخوري مسئولية ادارة مؤسسة خيرية لبنانية خاصة، تعتمد على رعاية ودعم احدى الشخصيات اللبنانية الثرية، على انه بعد تشخصيه في عام 1988م من قبل الأطباء باصابته بمرض الباركنسونيا اضطر في عام 1992م الى إنهاء التزامه من ادارة تلك المؤسسة الخيرية.

 

2ـ بين بيروت والبحرين

لقد حالف الحظ عدد غير قليل من البحرينيين في منتصف السبعينييات من القرن الماضي واتيحت لهم فرصة التعرف عن قرب على هذا الانثروبولوجي العربي، كان من بينهم بعض من طلابه وزملائه الذين عاصروه في الجامعة الامريكية في بيروت منذ الستينيات. وكان فؤاد الخوري وفيًا لهم جميعًا وذلك عندما أسدى لهم جمعيًا الشكر والامتنان في مقدمة كتابه، والحال هذه فإن المناسبة لتستدعي ابداء بعض من الامتنان المقابل والتحية لباحث عربي مثل فؤاد الخوري سعى لدراسة وفهم المجتمع والثقافة العربية حيث كانت البحرين واحدة منها.

والآن والرجل غائب عن العالم الذي رحل عنه، وبالرغم من الاتفاق او الاختلاف الذي أبداه او لايزال يبديه البعض بشأن الأفكار او الخلاصات الواردة في كتابه، فالمناسبة تستدعي الحديث عن ذكراه، ذلك انه ظل يحمل، هو واسرته التي اقامت معه هنا في البحرين. ذكرى جميلة ومحبة خاصة للبحرين وأهلها الطيبين.

 

أما عن علاقتي بفؤاد الخوري، فلا أحسب نفسي ممن كانوا على صداقة او علاقة حميمية معه، كحال بعض من الاصدقاء والزملاء. كان لقائي الأول بفؤاد الخوري عندما أخذت كتابه من مكتبة بلاك ويل في اكسفورد، حيث لم يمض آنذاك على صدوره بضعة اشهر، ولعلني لا ازال اذكر ان صدى كتاب المفكر والناقد العربي ادوارد سعيد «الاستشراق، 1978م» وكتاب المؤرخ العربي حنا بطاطو «الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق، 1978م» اوسع انتشارًا، وكانت المراجعات تتابع سلبًا وايجابا في الدوريات الاوروبية حول كتاب «الاستشراق».

 

وكان الطلاب العرب في اكسفورد يتناقلون العديد من القصص والحكايات حول قيام نظام حزب البعث الحاكم في العراق، سواء من خلال اجهزة مخابراته او اعضائه الحزبيين والمتواجدين بكثرة في تلك السنوات في بريطانيا، بمحاولة اخفاء كتاب حنا بطاطو، والمنشور حديثا آنذاك من قبل دار نشر جامعة برنستون في طبعته الاولى، من المكتبات التجارية او الجامعية اما بشراء الكميات المتوفرة، او بسرقة النسخ المتوفرة في المكتبات الجامعية البريطانية. أما كتاب فؤاد الخوري «القبيلة والدولة في البحرين»،

فإن الصيت الذي حظي به ظل محصورا في دوائر ضيقة من الباحثين المهتمين بشئون البحرين والخليج، وعلى الاخص بين تخصصات اكاديمية مثل العلوم السياسي والتاريخ وعلم الاجتماع السياسي. واعني هنا ان كتاب فؤاد الخوري عن البحرين اقرب الى الشخصية التي امتاز بها كتاب محمد غانم الرميحي «البحرين:

مشكلات التغيير السياسي والاجتماعي، 1976م»، اما انثروبولوجيا فمن الانصاف القول هنا، سواء بحق فؤاد الخوري أو الكتاب، بأنه لم يحدث ما أحدثته اعمال انثروبولوجية اخرى صدرت في تلك الفترة عن مجتمعات عربية او شرق اوسطي، سواء كان يقف وراءها انثروبولوجيون عرب او اجانب. ولعلني ازعم هنا ان فؤاد الخوري كان اكثر تداولًا عندما كنت طالب انثروبولوجيا عبر مقالته الشهيرة «اعادة نظر في ظاهرة زواج ابناء العمومة في الشرق الاوسط، 1970م» عنه من كتابه «القبيلة والدولة في البحرين»،

وقد تكون اعماله الاخيرة المنشورة بالعربية والانجليزية معا مثل «الجسد في الثقافة الاسلامية، 2000م»، و«الذهنية العربية»، و«العنف سيد الاحكام، 1993م»، و«ايديولويجيا الجسد: رموزية الطهارة والنجاسة، 1997م»اكثر تداولًا وربما تأثيرا في الاوساط الانثروبولوجية المختصة بالعالم العربي والاسلامي عموما.

ذلك ان فؤاد الخوري قد اظهر من خلال تلك الاعمال اهتماما اوسع، بل واعمق بدراسة البنى والانساق الثقافية والاجتماعية العربية المستترة، منحيًا جانبًا تجلياتها السيوسولوجية البارزة التي ربما كان بالنسبة له من السهولة ملاحظتها وحتى تأويلها. برأينا، لقد كان فؤاد الخوري في اعماله الاخيرة اكثر تاويلية ومجاراة للاطروحات والمفاهيم الانثروبولوجية الرائجة بين المدارس والاتجاهات الحديثة والجديدة كالبنيوية والرمزية.

وليس لغاية تستهدف التقليل من قيمة بل وأهمية علم الاجتماع هنا، ولكن اذا ما نظر الى «القبيلة والدولة في البحرين» كنتاج لعمل حقلي اثنوغرافي سيكون برأينا اقرب الى ميدان علم الاجتماع منه الى الانثروبولوجيا، ذلك ان فؤاد الخوري قد استند على استبياناته السيوسولوجية واحصائياته التي قام بجمعها في البحرين، وعلى السجلات والوثائق التاريخية البريطانية التي يبدو انه لم يستطع مقاومة اغرائها، مما دفع به،

وربما قد تكون هناك اسباب تعود لمشكلات تتعلق باشكاليات تجربته في اجراء دراسة حقلية اثنوغرافية في مجتمع مثل البحرين، حيث انه كمجتمع على الرغم من صغر حجمه إلا انه على غاية كبيرة من التنوع والتعقد الاجتماعي والثقافي، مما شكل ولايزال تحديًا منهجيا لاي تناول انثروبولوجي جاد ورصين له.

ولعلني اذهب في اجتهادي النقد ي هذا بضع خطوات اكثر، فأقول ان فؤاد الخوري قد استعاض عن مواجهة تلك الاشكالية الاثنوغرافية الطابع باللجوء الى ذلك النوع من المسوحات الاحصائية والتي كثر رواجها في اوساط علم الاجتماع آنذاك، وكذلك الارشيفات التاريخية، اما اثنوغرافيا فازعم ان هناك مصطلحات بيضاء كثيرة ظل يعاني منها «القبيلة والدولة في البحرين» لا شك ان تناول فؤاد الخوري لدور الاندية والمآتم الحسينية في البحرين وعبر كتابه «القبيلة والدولة في البحرين» امر امتاز بالجدة والفرادة، خاصة في سياق معالجته لاشكالية تحولات السلطة الاجتماعية والسياسية،

ولكن ظل كما ذكرت سابقا تناولا مقيدا بمعالجات علم الاجتماع السياسي. فهكذا خلا كتابه من اي كثافة اثنوغرافية لازمة، بل وضرورية، ومن عمق في التحليل والتناول الانثروبولوجي عامة، وهو في هذا الصدد لم يستطع مجاراة نموذج الدراسة الانثروبولوجية، التي يبدو انه كان يسعى لمحاكاتها، اي دراسة عبدالله بُوجرة عن التراتبية الاجتماعية والتحولات السياسية في السلطة في حضرموت«التراتبية والتغير السياسي في حضر موت، 1971م».

ومع ذلك ظل كتاب «القبيلة والدولة في البحرين» من اكثر المراجع السوسيولوجية والانثروبولوجية استشهادا من قبل العديد من الباحثين، بل ان عملًا انثروبولوجيا آخر، ويعتبر اكثر ريادية من عمل فؤاد الخوري، ألا وهو عمل الانثروبولوجية الدنماركية هني هانسن «المرأة في قرية سار البحرينية، 1968م» اقل انتشارا وربما حتى استشهادا من قبل الباحثين والمختصين بشئون الخليج عامة والبحرين خاصة، لدرجة ان فؤاد الخوري نفسه لم يأتِ على ذكره او حتى الاشارة إليه سواء في متن كتابه او قائمة مراجعة عن البحرين.

انصافا هنا لا بد من القول انني قد اوردت هذه الملاحظات النقدية منذ عدة سنوات وذلك عندما سألني الصديق والناقد البحرييني، محمد البنكيي، حول آرائي وملاحظاتي النقدية الانثروبولوجية عن الكتاب وذلك في حوار نشرته مجلة «البحرين الثقافية» بعنوان «الانثروبولوجيا في غربتها العربية والعالمية، حوار مع عبدالله يتيم، 1995م» ووجدتها مناسبة جيدة حينها للحديث عن الكتاب وايراد تلك الملاحظات، ولكن لظروف تتعلق بسياسة النشر آنذاك اعتذرت المجلة عن عدم نشر ذلك الجزء الخاص بكتاب فؤاد الخوري، ولكن الامانة تقتضي ذكر سياقها ها هنا.

 

3ـ المريدية التي لم تتم

أما اللقاء الآخر بفؤاد الخوري فبدأ في عام 1985م بمراسلته، وكان ان وافق التحاقي كطالب للدراسات العاليا في الجامعة الامريكية في بيروت، وكنت آنذاك اعمل في كلية الخليج للتكنولوجيا وكنت ايضا على وشك القيام بزيارة له في بيروت، إلا ان فريق الجامعة الامريكية في بيروت المقيم في البحرين والذي كان يتولى مسؤوليات استشارية في تطوير برامج المسار الواحد في كلية الخليج للتكنولوجيا، حيث كان من بينهم الصديق جورج خليل نجار، نائب رئيس الجامعة الامريكية في بيروت حاليا، قد عادوا من احدى يزاراتهم من بيروت محملين بخيبة أمل كبيرة من جراء عدم استقرار الاوضاع الامنية هناك، وخصوصا بعد تصاعد حد القتال بين الاحزاب اللبنانية فيما بينها والتنظيمات الفلسطينية من جهة أخرى.

عدت مرة أخرى الى مخاطبته طالبًا منه المشورة بين قبولي عرض الدراسة في اكسفورد، وإدنبرة، وكنت، وكان قد وافقني الرأي بعدم الذهاب الى اكسفورد، وذلك لعدم وجود أساتذه من الجيل الشاب الذي أتوق للعمل معهم، فقد كان معهد الانثروبولوجيا الاجتماعية في اكسفورد يعاني مثلًا في تلك السنوات من اوضاع متداعية بسبب كبر سن وتدهور الحالة الصحية لعدد كبير من اعضاء هيئة التدريس به. كان الاستاذ الوحيد المختص بمنطقة الشرق الاوسط آنذاك ما يكل غيلسنن، اما بيتر لينهاردت فكان يعاني من اوضاع صحية متدهورة آلت الى وفاته بعد حوالي عام واحد،

كما غادر مايكل غيلسنن اكسفورد للعمل في احدى الجامعات الامريكية في نيويورك. في خطابه لي حثني بسبب تلك الاوضاع على الذهاب الى ادنبرة، مؤكدا لي ان قسم الانثروبولوجيا فيها يعد الاكثر عراقة ونشاطا في تلك السنوات، على انه عاد لتحذيري من قساوة الطقس هناك، وعدم وجود اعداد كافية من الطلبة العرب، او حتى نشاطات اكاديمية مختصة بالعالم العربي او الشرق الاوساط عموما. وكانت توقعاته فعلا في محلها. حيث قضيت سنوات دراستي هناك متنقلا بين عملي الحقلي الاثنوغرافي بين «أهل الحير» في الامارات وبين ادنبرة في بريطانيا،

دون ان يلازمني اي طالب عربي او آخر أجنبي بقسم الانثروبولوجيا، فقضيت السنوات هناك بصفتي الاجنبي الوحيد في القسم. وعلى الرغم من قساوة ذلك إلا انها تجربة مهدت الطريق لي للاندامج اليومي في الحياة الاجتماعية واليومية في ادنبرة، وقد مكنني ذلك مع مرور الزمن من الامساك بالمسافة الجغرافية اللازمة للوقوف على تفاصيل الحياة الاجتماعية الثقافية لأهل الحير، والحال كذلك فإنني اعبرها هنا عن امتناني لفؤاد الخوري في تمكيني من صناعة قرار سيكون له بعد ذلك ما احسبه ميزة ايجابية في اعدادي الفكري والاكاديمي.

 

4 ـ دعوة للضحك

استطرادا في الامر نقول ان فؤاد الخوري بصفته تلك اصبح شخصية انثروبولوجية بارزة ليس فقط بين زملائه من الاساتذة والباحثين المختصين في العلوم الاجتماعية، بل وفي اوساط انثروبولوجية عالمية، ويعود الفضل في ذلك الى ما أبداه من اصرار على بذل نفسه وبمستوى عال من المهنية، امتازت من قبله بالرقي والعراقة والولع بالتدريس والبحث الانثروبولوجي المتمرس.

وقد اكسبتهُ اعمالهُ المتعددة المنشورة بالانجليزية والعربية اعتراف وثقة الاوساط الانثروبولوجية، وبعمق تناولهِ ومساهمتهِ المتميزه في حقل مثل انثروبولوجيا الشرق الاوساط، مما جعل الجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع ان تُقدم على منحهِ في عام 2002م جائزتها الشرقية الاولى، وذلك بصفته أحد أبرز المساهمين اللبنانيين في مجال الدراسات الاجتماعية والثقافية، هذا بالاضافة لاستضافته كأستاذ زائر في عدد من الجامعات الغربية، كان من بينها: شيكاغو، اريجن، مانشستر، ومعهد لندن للعلوم الاقتصادية. كما قد فؤاد الخوري العديد من المحاضرات الشرقية في جامعات بارزة مثل:

كمبردج، واكسفورد، ومعهد الدراسات الافريقية والآسيوية بجامعة لندن، وهارفرد، وكليفورنيا، واخرى يصعب حصرها هنا، خلال سنوات حياته الحافلة. استطاع فؤاد الخوري ان ينشر ما يقارب من ستين عملًا، كان من بينها سبعة عشر كتابا وتسع وثلاثون مقالة علمية، وكان من ابرز اعماله المعروفة: «الجسد في الثقافة الاسلامية، 2000م» وهو صادر بالعربية والانجليزية، وآخر بالعربية «البنى العقلية العربية، 1993م»، و«الخيام والاهرامات، 1991م»، و«الامام والامير: الدولة، والدين، والطائفة في الاسلام، 1990م»، وقد صدر الكتاب الاخير بالعربية والانجليزية والاسبانية، أما آخر اعماله التي انجزها للنشر، لولا الموت الذي غيّبة وعطل اصدارها قليلًا، وهي على كل حال: «في ان تكون درزيًا»،

و«دعوة للضحك: سيرة مهنية لانثروبولوجي لبناني»، وهي من الاعمال المتوقع صدورها خلال عام 2004م. وكان فؤاد الخوري قد اصدر اعماله المبكرة عن طريق دار نشر جامعة شيكاغو، حيث كان الاول «من القرية الى الضاحية: التغير والنظام في بيروت الكبرى، 1975م» أما الآخر فكان «القبيلة والدولة في البحرين: التحول في السلطة الاجتماعية والسياسية في دولة عربية، 1980م»، هذا بالاضافة للتحريرة عدد من المؤلفات التي اصدرتها دار نشر الجامعة الامريكية في بيروت تناولت موضوعات مثل: الدولة، والمجتمع، والزعامة، والتنمية في العالم العربي.

تظهر لنا تلك المؤلفات والاعمال الانثروبولوجية لفؤاد الخوري المحيط الواسع والتضاريس الاجتماعية والثقافية والمتنوعة والواسعة لاهتماماته الاثنوغرافية بالشرق الاوسط، وقد مكّنه من انجاز تلك التجارب الحقلية الاثنوغرافية شصخيته الاجتماعية وولعه الشديد بالمحادثة. لقد صنعت منه تلك الصفات والخبرات شخصية اثنوغرافية ماهرة وموهوبة في العمل الحقلي، كان كثيرًا ما يميل الي الممازحة والاحساس بأهميتها وتبادل النكات والضحك مع الآخرين سواء في فصول الدراسة الجامعية او اثناء العمل الحقلي. في مقابل هذه الشخصية المنبسطة والحميمية، كانت لفؤاد الخوري جدية صلبة كانت تبرز بوضوح في كتاباته التي كانت تتسم دائمًا بالصرامة الاكاديمية، والمتضمنه دائما رسالته للجمهور العام التي سعى من خلالها لاصال هاجس التنمية والتقدم في المجتمع العربي،

وققد مكنته تجربته الحقلية الاثنوغرافية الخصبة تلك من تأدية ذلك الدور، وهو ما بدا واضحًا من خلال اهتمامه العلمي العميق باشكالية الطوائف الدينية في الشرق الاوسط، حيث اظهر تفهمه واحترامه لها جميعا، وعندما كان يعيش سنوات مرضه الاخيرة برز لديه مشروع بحثي جديد يختص بدراسة موضوعات يتقاطع فيها الدين والهوية، حيث كانت توجد برأيه العناصر المشتركة والدلائل التي تقدم للانسانية السكينة في الايمان والخلاص الذاتي.

ان وفاة فؤاد الخوري المبكرة والمفاجأة لهي في الواقع خسارة حقيقية لانثروبولوجيا الشرق الاوسط، وسوف يفتقده وبحزن شديد جميع اصدقائه وتلامذته، وكبيرهم وصغيرهم. لقد تركنا فؤاد الخوري بعنوان كتابه الاخير «دعوة للضحك»، وهي فعلًا دعوة منه لنا لإحياء ذكراه بقدر من الجمال والسعادة في مشاركة الضحك مع الآخرين، سواء أولئك الناس البسطاء في العمل الحقلي او العالم الواسع.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها