النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11197 الخميس 5 ديسمبر 2019 الموافق 8 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:46AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

مطارحات

عندما تموت الأشياء والأشواق.. تحولات الإبداع.. تحولات المواقع والمواقف!

رابط مختصر
العدد 9866 الأربعاء 13 ابريل 2016 الموافق 6 رجب 1437

الإبداع عمل استراتيجي وليس لعبة تكتيكية ومناورة في كرة القدم، ولذلك عندما نكتب لا نكتب من اجل خيار آخر غير خيار الإبداع، اما عندما يتحول المبدع من الطموح الجمالي الى الطموح الطمعي، ينتهي الإبداع وتموت الأشياء والاشواق في ذات الوقت. فما من أحد من الناس العاديين تقريبًا يرغب في ان يكون شاعرًا او نحاتًا او مسرحيًا او راقصًا جمازايًا، أو كاتبًا، لأن الإبداع بلوى والكتابة بلوى، احتراق بمعنى من المعاني. ولذلك فإن المبدع الحقيقي لا يصلح إلا للإبداع، والكاتب الحقيقي لا يصلح إلا إلى الكتابة، وعندما ترسم له الطرق المعبدة السيارة السريعة يهجرها، وعندما ترسم له خرائط العبور والمرور يتجاهلها، ومتى رضي بغير ذلك توقف عن أن يكون كاتبًا حقيقًا، لأن الكتابة فعل حر بالضرورة، وخطير بالتأكيد ومسؤول بداية ونهاية، لكن ليس بالمعنى الإداري للمسؤولية طبعًا!


هذا ما أدركه فوكو ونيتشه وأبو حيان التوحيدي وأبو العلاء المعري والمتنبي وابرن رشد من قبلهما، إذ فهم هؤلاء - كل بطريقته ولغته - ضرورة الخروج عن الكتابة بمعناها الناجز المنجز النهائي، غير مثقوب، بل بالمعنى التي تكون فيها الكتابة فعلاً خطيرًا ومؤثرًا في التاريخ، وأكثر من ان تكون مجرد خربشات على الجدران وعلى الارصفة وعلى مقاعد الدراسة وأكثر من ان تكون مجرد بيانات مهربة، مثل الكتابات السرية التي تتحايل على قيد الحرية، بل المقصود هو الكتابة التي تحاول بوعي الخروج عن الناجز وأحداث ثقوب في ثوب اللغة المكتملة المتعالية في جسم الثقافة المروضة ترويض أحصنة الزينة.


عديدون هم الذين يكتبون بلا شك كي لا يكون لهم وجه جامد محدد بعينه، فتلك أخلاق بطاقات الهوية، الأخلاق التي تحكم أوراقنا وبطاقاتنا الإدارية، ولكن لا يمكن للكاتب المبدع أن يقبل أن يكون غير ما هو عليه فكرًا وروحًا ووجدانًا، وان فعل ذلك فاز فقط بمركز الببغاء في سوق الطيور. في النهاية، حينما يتعلق الأمر بالكتابة، ولا تبحثوا عن بطاقات الهوية الثابتة، على حد قول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو.

 

  التشظي الإبداعي

ما أصيب به المبدع والإبداع الأدبي عندنا من تأزم وتشظٍ أربك المبدع والإبداع معًا، وترتبط هذه التشظيات بالعديد من التحديات والتحولات، سواء في مضمون الأدب نفسه أو في آليات وصوله للقراء أو في بنيته الشكلية. وما أصاب الإبداع الأدبي لم يقتصر على هذه التشظيات المعروفة والمشاهدة اليوم بالعيان فقط، فلو أن الأمر اقتصر عليها لهان، إلا أن هذا التشظي ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث انفتح الإبداع الأدبي على الإبداع العلمي، فقامت التكنولوجيا بالتعامل إبداعيًا مع المادة الإبداعية، فما كان يستجيب لها فهو مادة إبداعية وإلا تخلف على جانبي الطريق، فالرواية التي استطاعت الاستجابة للتكنولوجيا ولصناعة السينما والتلفزيون، نهضت وتطورت حتى استوعبت سواها من الفنون بداخلها، ومنها الشعر، أما التي لم تتطور ضمن الأفق العصري فظلت تراوح مكانها. وكذلك الشأن بالنسبة للشعر التقليدي الذي ظل خارج اللعبة إلى حد الآن واستنفد إمكانياته، ولعل هاجس القصيدة النثرية الطاغية على المرحلة هو الذي يمثل استشعارًا للشعر في محاولة الدخول ضمن إطار اللعبة. وأكثر من ذلك لم تعد الكلمة المكتوبة (وحدها) المقدمة على المائدة التقليدية قادرة اليوم على الوصول بذلك الاطمئنان القديم وبتلك الهالة السابقة، إذ لعبت التكنولوجيا الحديثة - التي ستطوي لا محالة صفحة الكتاب بمعناه التقليدي - دورًا في تغيير اتجاهات الثقافة، فمكتبة ضخمة بإمكان التكنولوجيا نسخها في مجموعة أقراص محدودة. ولعل هذا التحول استشعره بشكل مبكر عدد من الكتاب والشعراء عندما تعاملوا مبكرًا مع المواقع الالكترونية للوصول إلى القراء في إنحاء العالم متجاوزين بذلك آلية التواصل التقليدية البطيئة في الحركة والمحدودة في التأثير. فالعالم الالكتروني يتيح السيطرة على لعبة الإنتاج، فيصبح المبدع يطبع عمله ويخرجه بكل خصوصيته الخيالية ليقوم بإنتاج جميع عناصرها بنفسه. هذا فعل جديد يقوم على استكمال وامتلاك جميع أطراف العمل الإبداعي، انه الاكتفاء الذاتي إبداعيًا دون الحاجة إلى الآخرين، فعبر التكنولوجيا بالإمكان تحقيق هذا الاكتفاء، وحتى الجمهور بإمكان المبدع أن ينتقيه من خلال توجهه إليه تحديدا، ولذلك بدأ الجمهور بالمفهوم التقليدي يتراجع، ذلك الجمهور الذي كان في صورة الشارع وصوت الشارع انتهى أو هو في طريقه إلى الاختفاء، حيث لم يعد للشارع وزن في مجال الإبداع، لأن جمهور الثقافة والإبداع ينحو نحو النخبة، والوسائط الأدبية تغيرت بحكم ارتباطها بالعصر، ففي السابق كان الأمي يقبع في قاعدة الهرم، والذين يكتبون يجلسون في قمة هذا الهرم، أما اليوم فإن الكثير ممن يكتبون قد أصبحوا في قاعدة الهرم في مقابل التطور الحاصل في مجال التكنولوجيا وتقنية المعلومات..

 

كلمة السر

الواقع الذي يحكمنا هو الضحالة والخطابية والتهريج والغرائزية الطائفية والمصالح، الكل يكذب على الكل، تلك هي كلمة السر الجديدة، ولذلك يبدو التشاؤم هو الموقف الفكري الأمثل وعيًا بالأزمة وبالمخاطر، التفاؤل هنا يبدو مجرد موقف أخلاقي أقرب إلى الأمنيات الوهمية، ولكن ما زال يحركنا الامل والثقة بان التاريخ يتحرك إلى الامام، وان المثقف ما يزال بإمكانه مواجهة الرداءة والبلادة إذا خرج من قفص الببغاء وابتعد عن الطرق السيارة والخرائط المعبدة، وعن هؤلاء المثقفين عديمي الشجاعة الذين يساندون الحرفية والتقليد ويخشون مواجهة الطائفية والتخلف، ويسكتون عن الخرافة والسخافة، ويتخلون عن دورهم في التنوير والتحرير.

 

 همـــس

حبات المطر على خد السماء
تستقبل جبين الصيف العاري
على طريق رحلتنا الأولى
نشتهي الريح العابر في شريان الحقول
لنقفز فوق النهر الجاري في أيامنا
في اختلاط أصابعنا
ترتسم زهرة المساء الكسول
في المسافة بين الكلمة والكلمة
نصف غيمة ونصف قلب مهجور.
صمتك في فمي وصمتي متواعدان
بين دوائر الغيوم المغادرة
إلى شتاء قادم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا