النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

حرب العقول الأهلية تبديد حلم الدولة العلمانية الجوفاء!

رابط مختصر
العدد 9864 الإثنين 11 ابريل 2016 الموافق4 رجب 1437

مازال الصراع حول مضمون النظام السياسي في الفكر العربي مستمرًا منذ مطلع القرن العشرين وحتى اليوم، وما يزال أساسه الجوهري اختلافًا حول تحديد مصدر السلطات جميعها على صعيد التنظير كما على صعيد العمل السياسي. فبعض المفكرين يعتبرون أن مصدر السلطات جميعها ديني (ولاية الفقيه وخلافة سياسية - دينية) وهذا الاتجاه لا يهتم بما سببته الخلافة للحضارة العربية الإسلامية من مشكلات كبرى على صعيد الممارسة والعجز عن بناء المواطنة المتساوية وتكريس مبدأ الحرية، ولذلك فصل أصحاب هذا التيار بين التصور والتاريخ، فيما رأى آخرون أن مصدر السلطة دنيوي، وأن المسألة تعود في النهاية إلى العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، وهؤلاء كانوا يؤيدون إلغاء الخلافة ورفض أي سلطة دينية في المجال السياسي، بينما ارتأت المجموعة الثالثة أن السلطة مصدرها الشعب.


وقد كان هذا الجدل بتياراته المختلفة مسايرًا لظهور القوميات على أنقاض الرابطة الدينية، ليس في العالم الإسلامي فقط، بل في كافة أنحاء العالم الجديد. ومازالت أصداء هذه المعركة متواصلة إلى اليوم - رغم استقلال الدولة العربية والإسلامية وإنشائها نظما سياسية جديدة على شاكلة النمط الغربي- في الشكل على الأقل - فالإسلاميون مازالوا يحنون حنينًا ميثولوجيا إلى الخلافة، ويتصورون أنها حققت في الماضي العدالة والنظام السياسي القوي والموحد والمساواة، ويرون الى اليوم - وان اختلفت صيغ التعبير عن ذلك - الحاجة إلى استعادتها وإن طالت الموانع وتعددت، وهي رؤية لا تاريخية ومثالية، تنظر إلى التاريخ نظرة تقديس، وتغفل عن رؤية التفاصيل والحقائق والوقائع على ارض الواقع كما هي.. في حين يرى آخرون أن الخلافة كنمط للحكم قد انتهت ولم تعد أمرًا ممكن التحقيق على الصعيد الواقعي، وان المطلوب هو تعزيز النظم الحديثة المدنية القائمة على الديمقراطية والمشاركة السياسية والفصل بين السلطات والمحاسبة والشفافية والحكم الرشيد..


ولا شك أن الرؤية التقليدية غير قادرة على إعادة إنتاج فكر إبداعي جديد، لأنها لا تسمح بإعادة نظم الحوادث التاريخية وتحليلها بشكل موضوعي، إلا في الحدود التي لا تمس الحقائق الإيمانية والمشاعر والأماني الدينية والرؤى المذهبية، في حين أن النقد التاريخي الموضوعي لا يؤمن بأي تحديد أو مراقبة للفعل الموضوعي خلال تحليله للحقائق ومقاربتها للتثبت منها، وفقًا للنظر الموضوعي المجرد كما جرت بالفعل في كل الظروف ودون التحكم العاطفي والديني والحزبي أو المذهبي أو الطائفي. ولذلك أحدثت (اللائكية التي تدعو الى الفصل بين الدين والدولة) هزة جديدة فصلت الواقع العربي عن الحلم العربي باستعادة الخلافة، ولهذا بحث العرب عن حلم جديد يستعيضون به عن الأول، وهو الرابطة العربية أو الوحدة العربية أو الدولة العربية في بعدها المثالي كحلم مطلق، ولكن المصيبة أن النظم العلمانية اللائكية التي استوردها العرب من الغرب تحولت، في الغالب إلى نظم جوفاء فارغة من كل محتوى، ومثلما تحولت الخلافة إلى مجرد حلم وشعار مفرع من كل محتوى تتشبث به الطبقات المنهارة في المجتمع التقليدي، فإن النظام العلماني المستورد الى البلدان العربية ما يزال أجوفًا مفرغًا من المضمون. وقد أدى هذا كله إلى وجود دعوة راديكالية تدعو إلى تغيير جذري في المجتمع لتحقيق نظام سياسي لا يقوم على أحياء القديم وتطويره وإنما على نسف القديم من جذوره. وهذا الاتجاه يؤمن بدور الثورة الثقافية في إحداث تحول تاريخي في حياة الفكر العربي وحياه الإنسان العربي.


إن الخطأ الجسيم الذي وقع فيه الفكر العربي الحديث هو الانشغال بموضوع النظم السياسية مجردًا عن بقية النظم الأخرى، والوقوع اسرى الاعتقاد بأن السلطة السياسة هي العصا السحرية التي تغير المجتمع والاقتصاد، والحقيقة غير ذلك، فكم هي المجموعات والأحزاب السياسية والعسكرية التي امتلكت زمام السلطة في أكثر من بلد عربي، ولكنها لم تقو على فعل أي شيء حقيقي ودائم ومؤثر في الحياة العربية، رغم حديثها عن (الإصلاح) و(الإنقاذ) و(النهضة) و(التصحيح) و(التقدم والتقدمية)، وذلك لأن المسألة في جوهرها مركبة من أكثر من معطى، وليست سياسية فقط.. بل هي اجتماعية اقتصادية ثقافية معًا، ثم هي بعد ذلك سياسية وليس العكس، ولذلك فانه ودون الإقرار بوجود تكامل بين هذه النظم لتحقيق نهضة حقيقية قابلة للاستمرار فلن يحدث أي تطور حقيقي في الفكر أو الواقع السياسي العربيين، وذلك لأن جوهر المسألة أن المنطقة العربية كانت مع نهاية القرن التاسع عشر قد بلغت منتهى الضعف والتخلف الاجتماعي والسياسي والثقافي، وقد بلغ هذا التخلف مبلغا جعل من المتعذر أن تستمر زمنا أطول في منأى عن مشاريع غزو جيرانها لها، ولقد بلغ هؤلاء الجيران الأوروبيون أوج ازدهارهم الاقتصادي والسياسي، ولذلك كان لابد من البدء بتجديد الشروط الجديدة لممارسة الفكر العربي دورًا جديدًا إزاء الوقائع الجديدة، لمواجهة الحياة الحديثة التي باتت تصدمه بقسوة، ولعل موضوع الخلافة كان واحدا من الأفكار المحورية التي دارت حولهًا معركة - مازالت لم تحسم بشكل نظري ومعرفي إلى الآن - بالرغم من انتصار قيم الحداثة على المستوى الرسمي وعلى مستوى الواقع السياسي في العالم، ولذلك ليس من الغريب ان يتجدد الحديث عن هذا الموضوع بعد العودة القوية للإسلام السياسي بعد احداث 2011م، مما يستدعي مجددًا الحاجة الى إعادة النظر في إدراك كيفية السير في موضوع النهضة، بإدراك المعوقات في الداخل والخارج، والنظر بجدية في صياغة جديدة تستأنف الفكر السياسي الواقعي والعقلاني بوصف الواقع وتشخيصه على النحو الذي انجزه ابن خلدون في مرحلة تاريخية سابقة حتى نتبين أسباب العطل الذي أصاب المجتمع السياسي العربي، والأسباب التي جعلت السياسية العربية تدور في حلقة مفرغة من الحروب الأهلية حول شرعية الحكم والتي لم تتوقف منذ الفتنة الكبرى، بدلاً من التقدم بالمجتمع نحو الانخراط في الحداثة وبناء الديمقراطية، إذ لا يمكن علاج إشكالية نظرية السلطة السياسية، إلا إذ خلصناها من الفصام الحضاري الذي تعاني منه النهضة العربية، ووضع حد للحروب الأهلية التي في العقول.

همس
سئمت الفراغ والانتظار.
محطات الوقوف الطويل،
الاغتسال بالصقيع.
الوقوف على الرصيف
في لحظة ارتياب
اخترت تقويمي الجديد
في زمني الجديد
زمن الغياب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها