النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

حانت لحظة التغيير؟

رابط مختصر
العدد 9860 الخميس7 ابريل 2016 الموافق 29 جمادى الأخرى 1437

بخلاف العديد من البلدان العربية الأخرى التي عرفت الحراك السياسي الذي شهدته المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة من تاريخها المعاصر، يمكننا وضع البحرين في خانة الدول التي استعادت هدؤها. فباستثناء بعض الغيوم الطارئة التي تعبر فضاء سمائها السياسية، هناك هجوع من قبل مكونات المجتمع السياسية يستحق التوقف عنده. وحين نستخدم تعبير «هدوء»، فهو للتمييز بينه وبين «الاستقرار»، ففيما يحصر التعبير الأول نفسه في القشرة الزمنية القصيرة التي تغطي تلك المكونات، يغوص الثاني عميقًا في أغوار المجتمع كي يضمن له السكينة الشاملة التي يبحث عنها من أجل الالتفات نحو المشكلات الأخرى الاستراتيجية التي بحاجة إلى نظرة مختلفة، وأدوات من طراز آخر. وكل ذلك ربما يعني ان الغالبية قد بدأت تلمس أن أوان التغيير نحو الأفضل قد حان، وأن الظروف مواتية لطي صفحة، والبدء في صفحة جديدة أخرى في فصل كتاب المشهد السياسي.
ومقارنة الهدوء بالاستقرار يدفعنا موضوعيًا نحو التغيير بمفهومه الإيجابي البناء، الباحث عن الوسائل السليمة المطلوبة المؤهلة لإحداث هذا التغيير المطلوب. وهنا لا بد من التشديد على أن التغير في إطاره الإيجابي البناء هو النقيض لذلك الهدوء الذي نحذر منه، الذي من الخطأ النظر إليه على انه حالة صحية تستحق المحافظة على العناصر التي ولدته. ففي أحيان كثيرة يقود الهدوء نحو الخمول، الذي تمامًا كما يقود هذا الأخير عضلات الجسم نحو الضمور الذي تكون نهايته في حالات كثيرة الشلل التام، كذلك الأمر مع الأول (الهدوء)، فهو في الكثير من الأحيان، إلا في حالات استثنائية يسير المجتمع الذي يتوهم أنه «ينعم به» نحو نهايات ليست بالضرورة ما يتمناه من يقف وراءه.
وطالما نحن بصدد تناول «التغيير الموضوعي» الذي يحتاجه أي مجتمع حيوي يرغب في تجاوز العثرات التي تعترض طريقه، فلا بد من التشديد على ضرورة القبول ببعض المفاهيم التي قد تبدو انها مسلمات، لكن الواقع يدعو إلى إعادة زيارتها كي تنغرس عميقًا ليس في أذهاننا فحسب، وإنما تنعكس أيضا في سلوكنا.
أول تلك الحقائق أو بالأحرى المسلمات، هي أن الهدوء ليس بالضرورة حالة صحية، وإنما يجب تجاوزها نحو الاستقرار الذي يحتضن مقومات التغيير ومحفزاته، لكن التغيير المطلوب هنا هو ذلك الذي يتحقق عبر مؤسسات الحكم ومكوناته الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية. فأي خروج على هذه المؤسسات مرفوض، لكن على تلك المؤسسات في المقابل أن تتمتع بالشفافية والكفاءة التي تؤهلها لممارسة دورها الذي عرفته ووضعت مقاييسه المجتمعات الدولية المتحضرة.
ثاني تلك المسلمات، أن مسؤولية الحفاظ على استقرار المجتمع، ومن ثم إنعاش عناصر تقدمه وتطوره، ليست محصورة في السلطة الحاكمة، بل هي مسؤولية شاملة متكاملة تتحمل أعباءها مكونات المجتمع كافة، كل فرد فيه او مؤسسة يستمتع بحقوقه كاملة، ويؤدي واجباته، على النحو الأمثل، كي ينتشل المجتمع من حالة الخمول، إلى وضع التأهب للتغير عندما تحين اللحظة المناسبة له.
ثالث تلك المسلمات، انه على الرغم اننا اليوم، وفي ظل التطور السريع الذي تشهده ثورة الاتصالات والمعلومات التي قلصت عاملي الزمن والجغرافيا، فحولت العالم إلى ما يشبه القرية الصغيرة من حيث التأثيرات المتبادلة بين أنظمته السياسية، بل وحتى شعوبه، إلا أنه ما زال هناك حاشية من الخطأ القاتل تهميش مساحات تأثيرها على سير وقائع مجتمع معين، مهما بلغ هذا المجتمع من الصغر، سواء من حيث الكتلة البشرية، او المساحة الجغرافية، أو الموارد الطبيعية. فلكل مكون سياسي في عالم اليوم هناك الفضاء الخاص به، الذي يبيح لمكونات هذا المجتمع قدرًا نسبيًا من الحرية التي يمكن التحرك في نطاقها. لكن اشباع هذا الهامش ومن منطلقات ليست قانطة، ونحو أهداف إيجابية بناءة يتطلب الموازنة الدقيقة العاقلة الناضجة التي تقيس بدقة علاقات التأثير المتبادل بين المحلي من جهة والإقليمي والدولي من جهة ثانية.
ثالث تلك المسلمات هي مهارة القوى التي تؤمن بان لحظة التغيير التاريخي قد حانت في القدرة على التمييز الدقيق الحاذق بين ما هو هدف استراتيجي رئيس، وذلك الثانوي الجانبي، وفي ضوء هذا التحديد يجري تسخير القوى، وتحشيدها. أي خلل يمس هذا التمييز من شأنه ارباك مسيرة القوى الباحثة عن التغيير والمتصدية لبرامجه، ويحرفها عن مسارها الصحيح بعد ان ينهك قواها، ويجعلها فريسة سهلة ليس لأعدائها فحسب، بل لمنافسيها، ان لم يزداد الأمر سوءًا كي ينضم إلى هؤلاء من يفترض فيهم أن يكونوا في خانة الحلفاء أيضا.
رابع تلك المسلمات هي ان لحظة التغيير نحو الأفضل هي حالة موضوعية يتطلب مراقبتها كي يتسنى تحديد زمانها، فأي تقديم لها هو نوع من المراهقة أو الطفولة السياسية التي تدمر الجهة التي توهمت أن تلك اللحظة قد حانت، وأي إرجاء لها يعني فوات الأوان ولم يعد للحسرة من فائدة. وهنا تبرز أهمية وجود تلك الفئة، او النخبة الطليعية القائدة القادرة على التمييز الزمني الحاذق.
خامس تلك المسلمات هي ان تحديد أوان التغيير أمر في غاية الأهمية، لكن ما يفوقه أهمية هو العمل الجاد القادر على تشكيل الكتلة التاريخية التي تأخذ على عاتقها مهمة إحداث التغيير المطلوب، بأقل التضحيات كلفة. وفي غياب تلك الكتلة التاريخية المواكبة للحظة التاريخية، تتحول مساعي التغيير إلى ما يشبه النشاط العبثي العفوي الذي يصعب التحكم في مساره، ومن ثم يستحيل التكهن بالنهايات التي يقود إليها.
هل حانت لحظة التغيير المطلوبة، وهل هذا الهدوء أحد علاماتها؟ سؤال يستحق التمعن ويدعو للتفكير كي لا تمر هذه اللحظة دون ان نشعر بها فنكتفي بالتحسر عليها بعد ان يفوت اوانها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها