النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

اللامبالاة كمفتاح للهروب.. «خلي الدماغ صافي يا حافي»

رابط مختصر
العدد 9859 الأربعاء 6 ابريل 2016 الموافق 28 جمادى الأخرى 1437

اللامبالاة ظاهرة بدأ يتسع مداها في الحياة العامة، وغالبًا ما تكون مصاحبة بحالة من التأفف والقلق والتبرم، وقد تكون - من الوجهة النفسية - جزءًا من الميكانيزمات الدفاعية التي تدافع بها الأنا عن ذات حيث تقترن مع الهروب من الواقع، وهي النكوص وأحلام اليقظة والتبلد الحسي والذهني والشعوري، إذا كان الواقع مليئًا بالمشاكل التي تكون فوق طاقة الاحتمال.
هذه الظاهرة تتجسد في ما يمكن تسميته بنظرية (خلي يولي) التي تختزل موقفًا سلبيًا من المجتمع وهروبًا مبرمجًا من مواجهة الواقع مقتضيات اتخاذ موقف مما يجري.. انه الهروب الذي نشهده ونواجهه يوميًا مع أشخاص يكررون أمامك كلمات من نوع: خلي يولي - خلي يولون!!
تسألهم ما رأيكم في الموضوع الفلاني او العلاني فيردون عليك بعبارة واحدة: خلي يولون!! أو لا تعور راسي!!..
إنها حالة من السكر اللامبالاة، من التحشيش الاجتماعي والنفسي، يغيب فيها الوعي والاحساس بالمسؤولية والقدرة على مواجهة التحديات إن على الصعيد الشخصي او على الصعيد الإنساني او الاجتماعي والسياسي، المهم ان يظل الدماغ صافيًا حافيًا من كل ما يكر صفوه!
سألت أحدهم قبل فترة: ما رأيك فيما يثار حول موضوع تقاعد النواب ورواتبهم العالية وما تثيره من (حسد) بعض الناس لهم على ما أصابهم من (نعيم الرواتب والتقاعد)، فرد عليَّ، وهو منهمك بالعبث بهاتفه الجوال، دون أن يرفع رأسه: «يا أخي ليش مصر على ازعاجي وإثارة المشاكل، لا تعور رأسي بهذه المواضيع، خليها تولي!».
سألت آخر: ما رأيك في تداعيات انخفاض أسعار النفط وسبل حل مشكلة تراجع موارد الميزانية العامة، فرد عليَّ دون تردد: خلي النفط يولي والميزانية تولي، اسألني عن رأيي في العصير الذي اشربه حاليًا فسأجيبك، اما السياسة والاقتصاد فلا تتعب نفسك معي (خلي الدماغ صافي).. أنا أعيش يومًا بيوم ولا أفكر إلا في اللحظة التي أنا فيها فقط، هذا منهجي في الحياة!
ويمكن تخيل سلسلة لا متناهية من هذه المواقف المماثلة التي نواجهها يوميًا:
- إن الجمعية الفلانية غاضبة من الجمعية العلانية بسبب الموقف المفاجئ لحليفتها، والذي ينسجم مع القيم البورجوازية في عصر الرأسمالية الفاشلة، فيرد دون تردد: «خلي يولون»..
- رفع أسعار البترول محليًا وما يمكن ان يتج عنها من مشاكل على صعيد تكلفة الخدمات؟ فيرد عليك: خلي يولي!
- وماذا عن علاوة الغلاء التي أفرج عنها أخيرًا، وأصبحت تحتاج إلى مغامرة إلكترونية للوصول إليها، فيرد دون تردد: خلي تولي...
- وماذا عن مباراة كرة القدم الحاسمة والتي ننتظرها على أحر من الجمر، فيرد: خلي تولي!!
- وماذا عن تحسن أسعار النفط أخيرًا وانخفاض سعر صرف الدولار وتراجع أسعار الأرز والزيوت النباتية والاسمنت والحديد وبضائع سوق المقاصيص؟ فيرد وهو لا يكاد يلتف: خلي يولون..
- وماذا عن تحولات الثقافة والمثقفين والتطور الحاصل في القصة والرواية والقصيدة النبطية يجيئك الرد: خلي تولي..!!
وهكذا تضيع الأسئلة والكلمات في «خلي تولي» خلي يولون!! وانغمس صاحبك في شيشته وأنامله «تتكتت» على «اللاب توب»، فيما يشبه الغيبوبة الالكترونية، أو الهروب من مواجهة الأسئلة، أو الاكتفاء بمواجهتها بتلك العبارة النمطية الجاهزة حتى لا يضيع وقته فيما هو مفيد ويفترض ان يشغل البال.
و«خلي يولي» ليست مجرد عبارة جاهزة مشحونة بمعان الغضب واللامبالاة فقط، بل يبدو أنها قد تحولت إلى نظرية اللامبالاة، ضمن شبكات التواصل الاجتماعي والثقافي والسياسي اليومي، فكثيرًا ما يبدأ الحوار بعبارة «خلي يولي» أو ينتهي بـ «خلي يولي»، وقد تكون مجرد موقف مبدئي من موضوع أو من شخص، او من موضوع يراد غلقه قبل البدء فيه..
«خلي يولي» لست من مثل «خلي بالك من زوزو» ولا من صنف «خلي الدماغ صاحي» ولا حتى من نوع «خلي السلاح صاحي» (علمًا بأن هذه الأغنية الوطنية العظيمة قد تم استغلالها مؤخرًا من قبل إحدى القنوات الفضائية العربية كخلفية لإعلان للدعاية لمنشط جنسي والحمد لله على الوقاحة وفقدان الكرامة)..!!
«خلي يولي» يمكن أن تكون قصة نظرية متكاملة في علم الإدارة، وتسيير الأعمال في مواجهة المسؤوليات الثقيلة والخفيفة على حد سواء، ويمكن أن تكون أيضا نظرية في علم القانون، ويمكن أن ينتقل أثرها العظيم إلى العلوم السياسية فتصبح كل شيء في علم «خلي يولي»، الذي يعتقد بأنه سوف يدرج في برامج كبريات الجامعات العالمية، بل هي نظرية تجد لها تطبيقات عملية في الثقافة والرياضة والبزنس..
قد يكون الامر عائدًا في جانب منه إلى شعور البعض باللاجدوى بسبب التعرض للحرمان مثلا، بما يولد لديه ميولاً عدوانية ضد المجتمع او قد يكون عائدًا إلى انخفاض مستوى تقدير الذات بما يفضي الى قناعة بعدم أهمية وجهة نظر الشخص في القضايا المطروحة.

هامش لغوي
نظرية خلي يولي مشتقة من الجذر اللغوي، خلا: خلا المكان والشيء يخلو خلوًا وخلاء وأخلى إذا لم يكن فيه أحد ولا شيء فيه، وهو خال. والخلاء من الأرض: قرار خال، وترتبط بولى: أي أدبر وغاب و«فل» دون رجعة وانهزم، وعندما نجمع حاصل الكلمتين نحصل على نظرية مفادها «خلي الدماغ حافي»!!

همس
أجراس الشوق تدق كل مساء،
وأغنية: (قلبي يذهب مع الريح)
تقودني إلى بحيرة الضمأ (الظمأ) كالطيور المهاجرة.
ازدحمنا على شرفات العيون أنت وأنا،
نبحث عن البرودة الدافئة،
ننتظر انتهاء اللحن
وأن تفارق البرودة أطراف أيامنا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها