النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

اكتشاف لغز مقتل «جوليو ريجينى»

رابط مختصر
العدد 9857 الإثنين 4 ابريل 2016 الموافق 26 جمادى الأخرى 1437

تبحث النيابة العامة المصرية، الوضع القانوني لمهندس مصري شاب، قال إنه كان آخر من شاهد الأكاديمي الإيطالي الشاب «جوليو ريجيني» قبل اختفائه الغامض يوم 25 يناير الماضي، ثم العثور على جثته بعد أسبوع من هذا الاختفاء ملقاة بمكان مكشوف وبها آثار توحي بأنه تعرض لتعذيب بدني أسفر عن مقتله.. وطبقًا لروايته فقد كان في مكان قريب من القنصلية الإيطالية بالقاهرة حين استرعى انتباهه نقاش حاد يدور بين اثنين من الشبان الأجانب في شارع يقع خلف القنصلية تحول إلى ما يشبه الشجار بينهما، فلم يهتم بالأمر إلا بعد أن نشرت الصحف وقائع العثور على جثة «جوليو» وصورته الفوتوغرافية، فتذكر أنه كان أحد هذين الشابين.
وأثارت الرواية اهتمامًا واسعًا لدى سلطات الأمن المصرية والإيطالية، التي تتعاون في محاولة حل لغز خطف وتعذيب ومقتل «ريجيني»، خاصة أنها بدت محبوكة ومنطقية، فالوقت الذي حدده صاحبها لوقوع هذه المشادة يتلو مباشرة الوقت الذي توصلت إليه هذه الأجهزة حول ظهور «جوليو» لآخر مرة، والمكان الذي وقعت فيه لم يكن بعيدًا عن المكان الذي شوهد فيه قبل اختفائه الغامض، ثم إنها تقدم تفسيرًا لاختفائه ومقتله يربط بينهما وبين خلافات بينه وبين عناصر أجنبية قد تكون إيطالية، مما يدحض المحاولات الملموسة التي يقوم بها البعض للإيحاء بأن بعض أجهزة الأمن المصرية ربما تكون قد تورطت في ذلك..
وهكذا وبين يوم وليلة، أصبح المهندس المصري موضع اهتمام كل الذين يعنيهم أمر القضية، فطاردته القنوات الفضائية لكي يكرر روايته، واستدعته النيابة العامة لكي تسأله عن تفاصيلها وأمطرته بسيل من الأسئلة أدى إلى ارتباكه وتناقض أقواله، وواجهته بتقرير من إحدى شركات الاتصالات عن المكالمات التي أجراها أو تلقاها على هاتفه المحمول يوم 25 يناير، خاصة فى الوقت الذي حدده لواقعة المشادة بين «جوليو» وبين صديقه الأجنبي، يكشف أنه لم يغادر منزله في ذلك اليوم ولم يكن موجودًا في المكان الذي حدده للواقعة في التوقيت الذي قال إنها وقعت فيه، وحين اكتشف أن الكلام في محاضر النيابة عليه جمرك بعكس الكلام في المقاهي وعلى المصاطب التي لا مسؤولية على ما يقال فيها، اضطر للاعتراف بأنه ألف الواقعة من الألف إلى الياء، وأنه كان يهدف إلى مواجهة الأكاذيب التي يسعى الذين يروجون لها في الصحف العالمية إلى تحميل بعض أجهزة الأمن المصرية المسؤولية عن اختطاف «ريجيني» وتعذيبه وقتله بأكذوبة مضادة، فأخذ يتابع ما ينشر في الصحف من معلومات توصل إليها المحققون حول وقائع الاختفاء، لكي يختار موقعًا ومكانًا يضفيان مصداقية على روايته التي استهدف منها الدفاع عن بلاده ضده تهمة كان يثق بأنها كاذبة.
ذلك عذر أقبح من ذنب، ليس فقط لأن الأكاذيب لا يرد عليها بأكاذيب لكن بالبحث عن الحقيقة، وهو - في تقديري - تبرير خائب للسلوك الذي قام به، إذ الأرجح أن غواية الإعلام والرغبة في تحقيق شهرة كاذبة، هما اللتان دفعتاه للقيام بما قام به، وهو نوع من الخلل النفسي يسميه علماء النفس بـ «الكذب الادعائي» يتولد عن مشاعر بالنقص، تدفع أصحابها إلى ادعاء بطولات لم يقوموا بها، وانتحال صفات لا يتمتعون بالحد الأدنى منها والترويج لآراء لا يؤمنون بها، وهي ظاهرة مرضية اتسع نطاقها خلال السنوات الأخيرة، بفضل الثورة الإعلامية، ولعبت وسائل الإعلام المختلفة دورًا سلبيًا في نشرها وفي تشجيع المرضى بهذا الكذب الادعائي على ممارسة عاهاتهم النفسية علنًا، في سياق بحثها عن الأخبار المثيرة والظواهر الغربية لتسلية جمهورها.
ولم تكن مصادفة، أنه قبل أسابيع من ظهور اسم المهندس الذي حل لغز مقتل «ريجيني» على الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي ظهر اسم طالب بكلية الصيدلة بجامعة الأزهر ادعى أنه حصل على جائزة دولية لحفظ القرآن الكريم تنظمها ماليزيا، ونشر ذلك على صفحته الخاصة بمواقع التواصل الاجتماعي، ونظم أقاربه وأهل قريته في الصعيد استقبالاً جماهيريًا ضخمًا ضم عشرات الآلاف من المواطنين، وأسرعت القنوات الفضائية تستضيفه لكي يتحدث عن الإنجاز العظيم الذي حققته بلاده، وتبارى الأزهريون في الإشادة به، وبدأ الإعداد داخل المشيخة وجامعة الأزهر لإقامة حفل لتكريم الطالب الذي جمع بين تفوقه في دراسة الصيدلة وحصوله على جائزة دولية في حفظ القرآن الكريم يحضره شيخ الأزهر، وفي أثناء ذلك اكتشف المسؤولون في الأزهرأنه لم يتقدم إلى الجائزة ولم يحصل عليها ولم يسافر إلى ماليزيا، وأنه حين نشر أكذوبة كان يتوهم أنه يستحق لنفسه شهرة وكأنه بين أهل قريته، ولكن الضجة التي قام بها الإعلام تجاوزت الحدود التي كان يسعى إليها، فأدت إلى نتيجة عكسية، إذ افتضح أمره وقررت جامعة الأزهر بدلاً من تكريمه فصله من كلية الصيدلة، ليكتشف أن الكلام عليه جمرك أي تترتب عليه مسؤولية، وأن الكذب - كما يقول المثل الشعبي المصري - ليست له قدمان، وأنه كما قد يحب الشهرة، يمكن أن ينتهي بالفصل كما حدث له، أو المحاكمة بتهمة إزعاج السلطات والبلاغ الكاذب، كما أتوقع أن تنتهي إليه دراسة النيابة العامة للوضع القانوني للمهندس العبقري الذي كشف لغز مقتل الأكاديمي الإيطالي «جوليو ريجيني»!.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها