النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

ابن سعود يشتري كل حمولة المركب

رابط مختصر
العدد 9854 الجمعة 1 ابريل 2016 الموافق 23 جمادى الأخرى 1437

استكمالاً لما بدأناه في الأسبوع الماضي حول رحلة الأسترالي «ألن فالترز» على متن البوم الكويتي «بيان» بقيادة النوخذة «علي بن ناصر النجدي». نضيف أن هذا الأخير ولد في الحي الشرقي من الكويت ابناً لعائلة تنتسب إلى قبيلة عنزة من المصاليخ كانت قد نزحت من نجد في 1860 تقريباً، ونشأ في أسرة معروفة بحبها للبحر، فجاب البحار لاحقاً وغاص على اللؤلؤ وساهم في بناء سفن العائلة قبل أن يترك البحر في 1953 ليعمل في وزارة الداخلية حتى 1976 حينما تم تعيينه مختاراً لمنطقة كيفان. ومما يعرف عنه أن الحنين إلى البحر عاوده في 1972 فقاد سفينة شراعية من دبي إلى الهند محملة بألف طن من البضائع، ثم كرر المحاولة باتجاه كراتشي فتعرضت سفينته إلى خللٍ أدى إلى غرقها مع بضائعها، لكنه صارع الأمواج ونجا من الموت بأعجوبة. غير أن الموت كان بانتظاره في فبراير 1979 حينما ذهب مع اثنين من رفاقه في رحلة صيدٍ على ظهر قارب، فغرق القارب بسبب الأمواج الشتائية العاتية، وغرق هو معه، إذ لم يستطع إنقاذ نفسه بسبب سنه المتقدمة آنذاك، وبعده عن الشاطئ.
وصفه فالترز في (الصفحات 65ـ67) بعد لقائهما الأول في مكتب آل الحمد بمدينة عدن بالعبارات التالية: «كان رجلاً قصير القامة، ناحل الجسم، له وجه قاسٍ لم تتمكن هجمات الجدري من تشويهه، وشارب أسود قصير حسن الترتيب، وأنف كأنف الصقر، وذقن واضحة المعالم».
بدا فاليرز سعيداً وهو يغادر ميناء عدن باتجاه المكلا. وكيف لا يكون سعيداً وقد تحقق حلمه في السفر على متن المراكب العربية التي هي، طبقاً له في (ص 57)، آخر ما تبقى من سحر الشرق القديم لأنه «لم يبقَ غير العرب متمسكين بمراكبهم الشراعية، يبحرون بها عباب البحر الواسع بنفس الطرق والأساليب القديمة».
في (ص 53) كتب الاسترالي قطعة أدبية في وصف عدن وهو يبحر من مينائها فقال: «حول خليج المعلا تنتصب جبال عدن القاحلة الوعرة، حارة ومكفهرة، كما لو كانت قد صممت ووضعت في ذلك المكان عن عمدٍ لتمنع رياح المحيط الباردة من الوصول إلى مياه الخليج. وعبر الخليج الضحل كانت الرمال تبدو سراباً غريباً كأنها موجٌ يتكسر على أقدام سلسلة الجبال الساحلية، وكأنما البحر قد ألقى بها هناك وانصرف متخلياً إلى الأبد عن أية محاولة عقيمة لتبريد الصخور الصماء الصلدة وترطيبها.. كانت السماء زرقاء صافية، قاسية في صفائها، والشمس حارة محرقة، والرمال داكنة قذرة، ورائحة الشاطئ عفنة نتنة. وكانت الكلاب السائبة تتراكض خارجة من الأكواخ البائسة وهي تنبح، ولكنها سرعان ما تصل إلى حالة من الإعياء الشديد فتكف عن النباح. كما كانت الماعز تثغو وضروعها المثقلة باللبن مغطاة بأكياس من القماش لكي لا ترضعها صغارها الجائعة. كما كان الأطفال يصرخون وهم يتراكضون طلباً للإكرامية (البقشيش)، وكأنهم لا يعرفون من اللغة كلمة غيرها. وعلى طول الطريق المؤدية إلى حي (كريتر) كانت الجمال الداكنة اللون تتهادى شامخة تجر عربات صغيرة أو تنتظم فارغة في قافلة يسير بمحاذاتها بدوي يرتدي أسمالاً زرقاء بالية وهي متجهة إلى لحج أو إلى أودية اليمن السحيقة. وعلى جانبي الطريق كانت تقوم تلك البيوت الحجرية المتشابهة التي يسكنها الصوماليون الوافدون من (بربرة) المجاورة، وكان عددهم في حي الميناء يزيد على عدد العرب انفسهم».
ثم يتوقف فاليرز ليخبرنا أن هذا المشهد هو من 1938 أي السنة التي كانت فيها عدن على وشك الاحتفال بمرور قرن على الاحتلال البريطاني لأراضيها، مذكراً القارئ بأن «عدن هذه التي كانت فيما مضى ملتقى للشرق والغرب ولم تزل مرفأ عربياً ودولياً مهماً، هي الآن قاعدة عسكرية متقدمة للإمبراطورية البريطانية، ومركز لتزويد السفن البخارية القادمة من الشرق الأقصى وأستراليا بالوقود».
وبما أن فالترز كان حريصاً على تدوين كل شيء والتعليق عليه فقد توقف طويلاَ عند الغناء والرقص اللذين كان يمارسهما البحارة على سطح المركب. ولأنه كان قادماً من ثقافة غربية، وبالتالي معتاداً على سماع فنون طربية مغايرة، فإنه لم يستسغ رقصة «الزفان»، وعدها غريبة ولا تناسب المناخ السائد وفاقدة لأي معنى تعبيري. حيث قال (بتصرف) في (ص 74): «كان البحارة، في أثناء غنائهم، لا يستطيعون ضبط أعصابهم عند سماعهم إحدى المقطوعات المؤثرة من المغني الحزين، فينفعلون ويهبون واقفين، ويفرقعون أصابعهم، ويهزون أجسادهم بعنف شديد ثم يستبد بهم الحماس فيقفزون قفزات عالية في الهواء، ويستديرون وهم في الهواء، ثم يعودون إلى أماكنهم وهم يضحكون من الأعماق وكأنهم مجموعة من الأطفال الأبرياء المرحين». وبالمثل فإن فالترز لم يطرب لصوب العود والطبول، ولا لصوت المؤدي، وإن أعجب وأثنى على صوت «المراويس» التي قال عنها كانت «طبولاً صغيرة جداً، أسطوانية الشكل، مصنوعة من فخار البصرة، مشدود على كل منها قطعة من جلد الماعز المسخن.. وقد أخذ البحارة يتناوبون على قرعها، مستخدمين أصابع الإبهام والأصابع الأمامية».
وإذا كان هذا هو رأي البحار الأسترالي في رقصة «الزفان» وموسيقى «الصوت الخليجي»، فإن رأيه في أهازيج البحارة المصاحبة لعملية التجديف الجماعي كان مختلفاً تماماً. إذ قال عنها في (ص77): «لقد كان تجديفهم ممتازاً، وكانت أهازيجهم أفضل من أغانيهم، وعندما لم يكونوا يهزجون كانوا يصدرون من أقصى حناجرهم أصواتاً عميقة مدمدمة كأنها هدير سرب من الطائرات قاذفات القنابل القادمة من بعيد. وكانوا يجدفون بانتظام كأنهم في احتفال رسمي».
سجل فالترز الكثير من المشاهد والمواقف والمعلومات، التي بدت له غريبة ومحيرة، خلال سفره على ظهر السفينة «بيان». أول هذه المشاهد كان استخدام البحارة في تعاملاتهم اليومية لكلمات من اللغات السواحيلية والفارسية والهندية، ناهيك عن استخدامهم لعبارات إنجليزية بشكل محرف مثل النداء بأعلى صوتهم بعبارة «فول سبيت» وأصلها «فول سبيد Full Speed» وقت الأمر بقيادة السفينة بأقصى سرعة، ومثل وصف السفينة بقولهم أنها «فصميل»، والمقصود أنها تشبه في سرعتها مراكب البريد السريع العاملة في منطقة الخليج العربي والتي كانت تسمى «Fast mail liners». وأولى المعلومات التي كانت مدعاة سرور شخصي له هو أن وجهة السفينة لم تكن محددة تماماً. بمعنى أنها قد تبحر إلى كل أو بعض بنادر شرق أفريقيا (من تلك التي لم يسمع الرجل بأسمائها من قبل وسمعها لأول مرة من النوخذة علي النجدي مثل: حيفون، هوبيا، عثليت، ماركا، مقاديشو، كيسيمايو، مالندي، ميكناني، وغيرها)، وأن الأمر في النهاية يعتمد على الأحوال الجوية المؤاتية. ويفسر فالترز هذا في (ص77) بتصرف بالقول إن: «ذلك راجع إلى أن (بيان)، كان مسافراً في رحلة تجارية على حسابه الخاص، وليس في رحلة منتظمة بموجب جدول محدد كما يحدث في حالة الشحنة الخاصة بأحد التجار. فقد كان محملاً بالملح والأرز والسكر والحليب المعلب والذرة الهندية الرخيصة ومواد غذائية أخرى من تلك التي يمكن بيعها في أفضل الأسواق. وكان متوقعاً أن يذهب إلى شواطئ حضرموت لإتمام الحمولة بالتبغ والسمن والعسل وكلب البحر المجفف، وربما حمل بعض الركاب المتجهين إلى مقاديشو وممباسا.. ومن المتوقع ان يصل في النهاية إلى زنجبار ومن هناك يعود بطريقة ما إلى الخليج العربي». ومن الاشياء الأخرى التي اكتشفها فالترز انه كان مسموحاً لكل فرد من طاقم السفينة أن يحمل معه صندوقاً واحداً من البضائع لكي يبيعها في الموانئ لحسابه الخاص، فكان البحارة يستدينون مبلغا في حدود 10ـ20 روبية من النوخذة لهذا الغرض، ثم يحتفظون بصناديقهم على جانبي مؤخرة المركب، وكلما توفر لديهم وقت تفحصوا بضائعهم واطلعوا بعضهم بعضاً عليها، وكل واحد منهم يمني النفس بجمع أكبر قدر من الأرباح من وراء تلك البضائع المنوعة البسيطة مثل العطورات الفرنسية الرخيصة والعمائم الملونة والقوارير الحافظة للحرارة (الترموسات) والمصابيح العاملة على البطاريات وآلات الحلاقة وغيرها من السلع التي كانت تلقى رواجاً في أوساط الصوماليين والزنجباريين.
بعد 12 يوماً في البحر وصل فالترز الى المكلا، مرفأ حضرموت الرئيسي الذي اعتاد الحضارمة على الانطلاق منها صوب جاوه والهند وافريقيا والعودة إليها بعد تجوالهم ومغامراتهم التجارية وجمعهم للمال. يعترف فالترز انه للوهلة الاولى بدت المكلا مكاناً رومانسياً حالما لم يطبعه الإنجليز بطابعهم كما فعلوا بعدن، فقد ارتاح لمنظر مبانيها البيضاء ومآذن مساجدها وخليجها الصغير الهادئ في غير أوقات الرياح الجنوبية الغربية، وطريقة بناء الحضارم لمراكبهم من نوع «السنبوك» لجهة زخرفتها بالنقوش والألوان والأشكال الهندسية والنجوم والأهلة والآيات القرآنية، قبل قيامهم بطلائها مع رسم النوافذ والستائر على جانبيها. لكنه يستطرد ويقول في (الصفحات 113ـ114) ما معناه أنه بمجرد ابتعاد المرء عن المرفأ سيكتشف أن مباني المكلا داكنة ومتهدمة وتحاول جاهدة البقاء صامدة على سفوح جبال حضرموت العابسة شديدة الانحدار، كما سيكتشف كما من المراكب الغريبة القادمة من مرافئ على ساحل المهرة، وبحارة صوماليين «تغطي رؤوسهم جدائل من الشعر المحنى، ويرتدون وزارات (أوزرة) طويلة جدا، ويلقون على أكتافهم قطعا غير مخاطة من الخام».
وفي الصفحتين 117 و118 ينقلنا فالترز إلى أجواء الموائد والطعام الذي كان يقدم يومياً على ظهر المركب طوال فترة انتظاره في المكلا فيصور المشهد بدقة قائلاً (بتصرف): عند ظهيرة كل يوم كان يقدم لنا خروف مطبوخ نتغداه، فنجعل من تلك المناسبة وليمة. وكان إعداد ذلك أمراً سهلاً. فقد كان عبدالله أخو النوخذة ينزل إلى البر في الليلة السابقة ليشتري خروفاً صومالياً سميناً أو معزاة حضرمية هزيلة، ثم تذبح في فجر اليوم التالي وتسلخ وتوضع كاملاً في قدر ضخم يغلي ماؤه على نار الحطب... وكانت العناصر الرئيسية التي تتكون منها الوليمة واحدة دائماً، وهي الأرز ولحم الماعز أو الغنم، وكان الأرز يطيب أحياناً بالزبيب، كما كان لحم الدجاج يقدم أحياناً لفتح الشهية، وكان البطيخ يقدم فاكهة بعد الأكل لأنه كان متوافراً بكثرة في المكلا وكان العرب يحبونه كثيراً. ويعتقد فالترز أن النوخذة النجدي كان مسرفاً في كرمه، ويدلل على ذلك قائلا (بتصرف): «كان يدعو إلى الوليمة جميع نواخذة المراكب الأخرى ومساعديهم، وكل موظفي الميناء، وسماسرة الركاب، وكتبة الجمارك والتجار، ومجموعة من أبناء صور والمهرة، وأحد أشراف اليمن الذي كان بصدد السفر إلى الكونغو لتحصيل ديون مستحقة له. وهكذا كان الجميع يتكدس على ظهر المركب، وكانت الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يجلس جميعهم فيها حول أطباق الطعام هي أن يجلسوا بانحراف كشرائح السردين المعلبة، بحيث يكون الكتف الأيسر لكل منهم مواجها للطعام، واليد اليمنى تعمل عملها في الطعام... أما الجزء المفضل من الذبيحة في مثل تلك الولائم فقد كان الرأس دائماً، وكان هذا يوضع على طبق الأرز القريب من النوخذة النجدي».
لسبب غير معلوم طال انتظار فالترز للإبحار من مرفأ المكلا، فانتهز فرصة حلول عيد الميلاد ليخرج من المركب لأول مرة ويتجول في المدينة، فوصفها وصفاً كاد أن يقول فيها انها مدينة كوزموبولينية، بمقاييس ذلك الزمن طبعاً، مناقضاً رأيه السابق فيها. إذ كتب (بتصرف) في (ص 123) ما يلي: «كانت شوارع المكلا تعج بالأغراب الوافدين من كل صوب، يرتدون ملابس زاهية من كل نوع ولون. فكان هناك التجار الهنود المتجولون بسراويلهم الفضفاضة الشفافة، واليمنيون بإزاراتهم وعمائمهم، والبدو بملابسهم السوداء وأجسادهم المطلية باللون البني وهم يقودون جمالهم الضخمة المحملة بالبضائع، والبحارة الإيرانيون والصوماليون والكويتيون والعمانيون، إضافة إلى أجناس أخرى تجري في عروقهم دماء الشرق، فهم إما انصاف ماليزيين أو أنصاف أتراك أو أنصاف باليين (نسبة إلى جزيرة بالي الاندونيسية). ويفسر لنا فالترز وجود هؤلاء المختلطة دماؤهم فيشير إلى أنهم ثمرة من ثمار هجرات الحضارم إلى بلاد بعيدة واقترانهم بنساء تلك البلاد ثم عودتهم إلى وطنهم مع ذريتهم.
وبينما كان الرجل يجلس مع عبدالله (أخو النوخذة) على أحد مقاهي المكلا يحتسي حليب الماعز المعطر، تصادف دخول «مستر أنجرامر» المستشار البريطاني المقيم في حضرموت الذي أخذه معه في سيارته إلى داره حيث قضى وقتاً سعيداً وتعرف على عائلة المستشار وتناول طعام عيد الميلاد وتجول في الحديقة الملحقة بالدار والتي كانت تطل على قصر السلطان القعيطي، ويجري فيها تدريب أفراد الشرطة الجدد وفرقة موسيقى الشرطة. ويبدو أن المستشار الذي كان مشغولاً آنذاك بتنفيذ مشروع شامل للطرق لأول مرة في تاريخ حضرموت باتجاه شبام وأماكن أخرى، وسط معارضة من البدو الذين كانوا خائفين من التأثير السلبي للطرق المعبدة على أعمالهم في نقل البضائع بواسطة الجمال لم يكتف باستضافته. فقد قاده في أحدى الأمسيات إلى قصر السلطان. وحول هذه الجزئية يقول: جلسنا «مع السلطان في حجرة يسمع منها صوت البحر، وكانت طريقة الخدمة والملابس والأطباق كلها أوروبية أكثر منها عربية، بل أن السلطان نفسه كان أقرب إلى الهنود منه إلى العرب. وكان في العقد الخامس من العمر، ولكنه كان يبدو متعباً مما جعله يبدو أكبر سناً مما هو عليه فعلاً. وقد جلس على كرسي أوروبي على رأس مائدة كبيرة مرتدياً طربوشاً ومعطفاً هندياً طويلا»ً.
بعد المكلا اتجهت السفينة، وهي محملة بالبضائع وأعداد كبيرة من الركاب الذين إلتقطهم النجدي لإيصالهم إلى المواني الأفريقية بأجر غير معلوم، صوب ميناء الشحر السيء والخطر، حيث لا يوجد غير صيد السمك (بحسب وصف فالترز)، ومنه إلى ميناء حيفون على الساحل الصومالي حيث وقع نظر فالترز على «أكواخ سكنية للإيطاليين وبيت لسكنى المعتمد يرفرف عليه علم إيطاليا، وقرى صومالية قذرة على إمتداد الشاطئ»، وحيث ارتاب فيه الإيطاليون معتقدين أنه عميل بريطاني أو لورانس أوف أرابيا، على الرغم من أن لورانس كان قد مات، وصفاته البدنية لا تنطبق إطلاقا على فالترز. ومن حيفون إلى مقاديشو «التي يغلب عليها الطابع الايطالي رغم كونها مستوطنة عربية لعدة قرون واحتضانها لحي عربي وجالية عربية كبيرة ومسجد ضخم رائع التصميم».
في مقاديشو وجد فالترز أن نسخاً من صور موسوليني حامي حمى الإسلام كما يدعي الإيطاليون، وإن كان هذا الكلام لا ينطلي على أحد من المسلمين، تزين الأعمدة والأبنية في كل مكان. كما اكتشف أن الإيطاليين يتساهلون مع العمانيين عند تفتيش المراكب ويسمحون لهم بالنزول في مقاديشو لعلمهم أن وجهتهم النهائية هي زنجبار وليست الصومال.
وتستمر الرحلة بانطلاق السفينة من مقاديشو إلى ميناء «لامو» الكيني الذي يصفه فالترز بالبلدة الجميلة المكونة من البيوت البيضاء ذات الشرفات الرحبة المقوسة والأسقف الحمراء قبل أن يخبرنا أن «البلدة عربية خالصة، فالمباني والخلفية واللغة والعادات كلها عربية، ونصف الأكشاك في السوق يديرها العرب الحضارمة». ومن «لامو» إلى ممباسا الميناء الكيني المرحب بسفن العرب والإيرانيين والهنود، حيث تعرض فيها فالترز وركاب سفينته لكشف طبي دقيق من قبل «طبيب أيرلندي مرح» خوفاً من انتقال مرض الجدري «الذي كثيراً ما يخفي النواخذة عن السلطات الصحية انتشاره بين بحارتهم». ومن ممباسا إلى زنجبار، الجزيرة التي كانت تتوق إليها أفئدة العمانيين من ركاب السفينة «بيان»، والتي استقبلتهم بالأهازيج وقرع الطبول.
عن زنجبار كتب فالترز في (ص 311) ما يلي: «لقد وجدت مدينة زنجبار مكاناً لطيفاً، إذا ابتعد المرء عن رائحة السمك المتعفن قرب الميناء. ففي السوق تستطيع أن تجد الفاكهة الاستوائية على أنواعها فضلاً عن السمك واللحوم والخضار. وهناك الحلوى والبطيخ والمانجو والكعك شديد الحلاوة وبقية المآكل التي يختص بها العرب» ثم يضيف في (ص 312): «لم يكن في زنجبار شيء يعجز البحارة عن القيام به. فقد كانت بالنسبة للعرب والآسيويين الآخرين مدينة مفتوحة على مصراعيها».
كانت وجهة السفينة بعد زنجبار هي دلتا نهر روفيجي في تنجانيقا (تنزانيا). يصف فالترز هذه المنطقة، التي بقي فيها شهراً كاملاً، بأنها مكان سيئ يفوق التصور، مذكراً بوجود التماسيح القاتلة فيها وكذا أفراس البحر الضخمة المستعدة لقلب المراكب النهرية، والقرود التي لا تكف عن الازعاج، والنسور المترقبة للجيف والأفاعي السامة، والحيوانات الشوكية الممزقة للأقدام، إضافة إلى البعوض الناقل للأمراض.
في رحلة العودة توقفت السفينة في عدد من الموانئ الافريقية مثل بمبا وكيسيمايو فعدد من الموانئ العمانية مثل مسقط ومطرح، كما مرت بمحاذاة عدد من المرافيء الفارسية مثل كنج ولنجة وهنجام وقشم، قبل أن تتجه نحو المنامة، بدلا من الكويت، اضطراراً بسبب هبوب الرياح الشمالية فجأة. تلك الرياح التي أجبرت مجموعة أخرى من السفن الكويتية والإيرانية على الشيء نفسه.
ويشاء الله أن تكون تلك الرياح نعمة على النجدى وسفينته لا نقمة! وتفسير ذلك هو ما أورده فالترز في (ص 455) ونصه: «لم يمضِ على وصولنا (إلى البحرين) إلا ساعات قلائل، حتى كنا قد بعنا جميع حمولتنا من خشب البناء، كما لم تجد المراكب الأخرى أية صعوبة في التخلص من حمولاتها أيضا، وذلك لأن عبدالعزيز بن سعود ملك المملكة العربية السعودية كان قد زار المنامة قبل مدة وجيزة وترك تعليمات مع أحد الوسطاء المحليين بأن يشترى حمولة عشرين مركباً من الأخشاب الصالحة للبناء. فقد كان الملك قد بدأ برنامجاً لإعمار مدينة الرياض ومدن أخرى في مملكته، بعد أن زادت موارده زيادة محسوسة من بيع النفط».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها