النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

ثورات «دمر نفسك بنفسك»... خريطة كيري ـ لافروف بديلاً عن سايس بيكو

رابط مختصر
العدد 9852 الأربعاء 30 مارس 2016 الموافق 21 جمادى الأخرى 1437

عندما قال الراحل محمد حسنين هيكل إن ما يشهده العالم العربي ليس «ربيعاً عربياً» وإنما هو «سايكس بيكو» جديد لتقسيم العالم العربي وتقاسم موارده ومواقعه ضمن 3 مشاريع، الأول غربي «أوروبي- امريكي» والثاني إيراني والثالث تركي، إضافة إلى نصف مشروع اسرائيلي لإجهاض القضية الفلسطينية، قيل وقتها إن هيكل يحقر من شأن الثورات العربية ومن شأن (الإرادة الشعبية) ومن التقليل من شأن دور(الشباب العربي) الذي نهض وثار ضد الاستبداد إلى آخر تلك الاتهامات التي (سفهت) تحليلات هيكل آنذاك واعتبرتها (تهويمات) وأوهاماً، بل كان عدد من رموز الإسلام السياسي المتبجحين الفخورين آنذاك بما حدث، مستعدين لتدمير الوطن إذا كان ذلك شرطاً لأسقاط الأنظمة السياسية الاستبدادية، وكان عدد من قنوات الإسلام السياسي الفضائية وصحفه الالكترونية قد عملت على تغييب تلك الأطروحات التي أعلنها هيكل منذ الأيام الأولى لما سمي بالربيع العربي، او تناولتها بالسخرية الشديدة في محاولة للإيهام بأن ما جرى هو مجرد تعبير عن «إرادة شعبية داخلية مستقلة وحرة ضد حكام مستبدين ظالمين»، هكذا بكل بساطة ودون عناء في التحليل.
واليوم، وبعد مضي خمس سنوات على الربيع المذكور، تأكد لدى الجميع بأن الثورات لا تصنع ويستحيل أن تنجح بهذا الأسلوب باعتبارها فعلاً لا يتم بطريقة تسليم المفاتيح من قوى خارجية تطلب السيطرة، ولا تريد إلا مصالحها فقط على حساب الأوطان، ولا يصح أن يتصور أحد أنها بعد مصالحها المعلنة وغير المعلنة، لن يكون في جعبة أهدافها عنوان اسمه (تحرير شعب) أو بناء الديمقراطية او تحقيق التقدم والتنمية والازدهار، وحتى الاعتراف الأمريكي - الغربي الغريب والمدهش بجماعات الإسلام السياسي بصيغها الطائفية الاصولية المختلفة، لم يأتِ نتيجة قبول لهم ولا اعجاب بهم ولا قناعة بحكمتهم، لكنه قد جاء قبولاً بنصيحة عدد من الاستراتيجيين بتوظيف ذلك في تأجيج الصراعات والفتن وتفجير الوضع، ولذلك كان من السذاجة السياسية وقلة العقل اعتقاد عدد من قادة الإسلام السياسي في العالم العربي بأن الاعتراف الأمريكي - الغربي بهم سياسياً، هو موقف «انساني وديمقراطي لتمكينهم من بناء دولة دمقراطية جديدة»، ولعل لحظة الغرور والانتشاء لم تعطهم فرصة كافية لدراسة دواعي هذا الاعتراف وهذا التشجيع على «الثورة»، لأن حقيقة ما مر على المنطقة ليس ربيعاً هبت نسماته علينا، وإنما كان سعياً واضحاً لتغيير اقليمي ودولي وسياسي يتحرك بسرعة كاسحة على جبهة عريضة، ويحدث آثاراً عميقة، في ظل الانهيار الكارثي للمشروع العربي القومي الذي بدا يتهاوى منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، وبقاياه تجري إزاحتها اليوم، ومشروعات أخرى تتسابق لملء الفراغ الذي أحدثه سقوط العراق العربي الكبير، وسقوط سوريا وتضعضع وضع مصر العروبة، وخروج ليبيا من فعل التأثير العربي، وانكفاء الجزائر على شأنها الداخلي، وانشغال الخليج العربي بإطفاء الحرائق في اليمن والتصدي للمؤامرة الإيرانية لمحاصرة دوله.
ونتذكر في هذا السياق كلمة تحوصل هذا الوضع بدقة للكاتب الراحل محمد حسنين هيكل عندما قال: «أكاد أرى الآن خرائط كانت معلقة على الجدران ترفع الآن وتطوى، لأن المشاهد اختلفت، فالمواقع العصية تأدبت أو يجري تأديبها والمواقع الضائعة استعيدت أو انها تستعاد الآن، وكل ذلك تمهيد لفصل في شرق أوسط يعاد الآن تخطيطه وترتيبه وتأمينه، حتى لا يفلت مرة أخرى كما حدث عندما راود العرب حلم مشروعهم القومي، وتبدى لسنوات كأن هذا المشروع القومي العربي هو شكل المستقبل».
إن الذين لا يصدقون ذلك عليهم ان يسترجعوا فقط ذاكرة الأخبار في السنوات الخمس الأخيرة، وعلى مدار الساعة، ليتأكدوا بان اغلبها ملأى بذاكرة الآلام العربية، فخلال الربيع أصبح جزء من العرب بدون دول ومن دون حكومات ومن دون جيوش ومن دون كهرباء وماء وغذاء، بل وأصبح جزء كبير من أبناء العرب مجرد لاجئين، لينضموا إلى لاجئي العراق الذي دمره الأمريكان وسلموه للمليشيات الدائرة في الفلك الإيراني، ولينظم الجميع الى قائمة لاجئي فلسطين من 1948 من 1967م، وليتحول الجميع كالأيتام على مأدبة اللئام.
الحقيقة التي تنبه اليها العقلاء منا منذ اللحظة الأولى ان المشروع الأمريكي - الغربي يبدو مصمماً على إعادة رسم خرائطنا وتغييرها، ولديه من أدوات الفعل والتأثير والعملاء في الداخل والخارج ما يجعله فاعلاً وقادراً على الاختراق. دون ان ننسى المشروع التركي الذي يعمل لحسابه ولمصالحه القومية والاقتصادية والمشروع الإيراني الذي حقق إلى حد الآن أهم هدف بالنسبة اليه وهو اضعاف العراق واخراجه من المعادلة العروبية وتهجير سكانه وتمزيق أوصاله، دون ان ننسى الصهيوني القائم على رقابنا منذ 1948م.
إن المشروع الغربي - الأمريكي يزحف في اتجاه إغراق المنطقة في صراع طائفي (سني شيعي)، وقد بدأ زحف هذا الخط من عدة سنوات، عندما سقط النظام الامبراطوري في إيران، وحل محله نظام ولاية الفقيه، مع العمل في ذات الوقت بخط موازٍ مع خط الفتنة على تقسيم المنطقة وتعديل الخارطة بما تقتضيه المصالح الأمريكية الغربية.
وإذا كانت سايس - بيكو قد تم رسم خرائطها الجغرو - سياسية على انقاض الامبراطورية العثمانية في 1915م، فإن خارطة كيري - لافروف ستقوم على الأرجح على أنقاض الدولة الوطنية العربية المستقرة وعلى إرث المشروع القومي العربي الذي لم يستطع أن يحمي نفسه ولذلك يعمل الروس والامريكان اليوم على تقاسم إرثه، واذا كان التقسيم في اتفاقية سايس بيكو قد انتهى إلى تقسيم جغرافي فإن التقسيم هذه المرة يقوم على أساس توزيع موارد (النفط والغاز): نفط ليبيا والعراق وسوريا.

همس

يقول الراحل محمد حسنين هيكل في أحد لقاءاته التي تعود الى 2011:
«إن نفط ليبيا جرى توزيع امتيازاته فعلاً، وبنسب أذيعت على الملأ، كانت 30% لفرنسا (شركة توتال) و20% لبريطانيا (شركة بريتش بتروليم)، والحصة أقل لأن بريطانيا أخذت أكثر في نفط العراق. وليست أمامي الآن نسب التوزيع فيما بقي، لكن ايطاليا تطالب بحق مكتسب (شركة إيني)، ثم ان الشركات الامريكية تلح على دخول قائمة الوارثين».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها