النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

فلتات اللسان بين السيكولوجيا والبولوتيكا

رابط مختصر
العدد 9851 الثلاثاء 29 مارس 2016 الموافق 20 جمادى الأخرى 1437

خلال شهور قليلة، فقد وزيران للعدل في مصر الحقيبة الوزارية، لسبب يبدو باعثاً على الدهشة والتأمل.. الأول -وهو المستشار «محفوظ صابر»- لأنه اعترف -في رد له على سؤال صحفي- بأن التقاليد القضائية المصرية لا تجيز أن يجلس ابن جامع القمامة مجلس القضاء، والثاني -وهو المستشار «أحمد الزند»- لأنه قال -رداً على سؤال تليفزيوني- إنه مستعد لأن يحبس أي إنسان يتطاول على أسرته حتى لو كان نبياً.. وما كادت العبارة التي فاه بها كل منهما تنشر أو تبث، حتى أثارت موجة من الاحتجاجات والاعتراضات، قادتها -كالعادة- مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت، انتهت بأن طلب رئيس الوزراء من كل منهما أن يقدم استقالته من منصبه، فاستجاب الأول دون مقاومة، ورفض الثاني فتمت إقالته.. وفي الحالتين أضيفت زلات اللسان -لأول مرة في التاريخ الوزاري- لأسباب استقالة أو إقالة الوزراء، ودخلت مصر مدونة جينيس للأرقام القياسية باعتبارها أكثر الدول إقالة للوزراء لهذا السبب.
وحتى ذلك الحين، كانت زلات -أو فلتات- اللسان تعامل باعتبارها إحدى أدوات مدرسة التحليل النفسي منذ أن أسسها «سيجموند فرويد» وهي تذهب إلى أن عقل الإنسان ينقسم إلى ثلاث مناطق، تتوسطها «الأنا»، وهي المنطقة التي يشغلها «العقل الواعي» الذى يتعامل به الإنسان مع المجتمع الذي يعيش فيه، طبقاً لتقاليده وعاداته وأنماط سلوكه، وهو عقل براجماتي يسعى إلى تحقيق مصالحه، ويحرص على أن يبدو صاحبه بالصورة التي تيسر له اكتساب ثقة واحترام من يتعامل معه، تعلوها منطقة «الأنا العليا»، التي تضم الضمير ويختزن فيها الإنسان المثل العليا والأخلاقيات التي تربى عليها أو اكتسبها، بينما تحتل «الأنا السفلى» المرتبة الدنيا من مناطق العقل الإنساني وتضم الغرائز والشهوات والنوازع الفطرية والشريرة التي يحرص الإنسان على ألا يعرفها عنه أحد سواه، حتى لا تهتز صورته في المجتمع، لذلك يسعى لكبتها وكبح جماحها، حتى ينتهي به ذلك إلى أن ينساها هو نفسه، فتعبر عن نفسها في الأحلام التى يراها حين ينام العقل الواعي، أو في فلتات اللسان التي تبدر منه في لحظات الغضب أو السهو.. وأحياناً المزاح ليكون بعضها من الأدوات التي يستعين بها المحللون النفسيون في فهم شخصيته..
من الناحية السيكولوجية، ذهب الذين طالبوا بإقالة الوزيرين أو دفعهما للاستقالة، إلى أن الوزير -ورجل الدولة بشكل عام- ينبغي أن يتصف بدرجة من الاتزان الانفعالي، بحيث يسيطر على انفعالاته وأنه حين يفقد هذه السيطرة يثير الشك في مدى أهليته للقيام بدوره، ومدى صواب ما قد يتخذه من قرارات أو يطبقه من سياسات، وأنه إذا كان من حق الإنسان العادى أن يخضع لانفعالاته في يعض المواقف، فليس من حق الوزير أن يفعل ذلك، إذ عليه أن يضع في اعتباره دائماً أنه يمثل حكومة ودولة وشعباً، وهو ما يعرض عليه أن يختار عباراته بدقة وأن يضبط انفعالاته.. وأن يعقل لسانه قبل أن يتكلم.
من الناحية السياسية -التي تعرف في العامية المصرية بـ «البولوتيكا»- يبدو وكأن العقاب الذي لحق بالوزيرين قد استهدف إقرار قاعدة أن يصون الوزراء ألسنتهم، وألا يستسلموا لانفعالاتهم، وأن يرعوا مشاعر الرأي العام أكثر مما كان جزاء عادلاً على خطأ وقع كل منهما فيه، ففي تبرير دفع الوزير الأول للاستقالة، قيل إنه بتصريحه عن أن ابن جامع القمامة لا يجوز أن يتولى مناصب القضاء، بدا كما لو كان يقر قاعدة تخالف الدستور المصري، الذي يساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات العامة، ويحظر التمييز بينهم لأي سبب بما في ذلك المستوى الاجتماعي، ومع أن الذين ساقوا هذا التبرير، سلموا بأن «اللياقة الاجتماعية» لا تزال شرطاً لتولي بعض المواقع الحساسة في جهاز الدولة، ومن بينها القضاء، إلا أن التسليم بذلك لم يكن يعني -في رأيهم- أن يقر الوزير في تصريحه بأن التمييز على أساس المستوى الاجتماعي هو الأساس الذي يقوم عليه الحكم..
وعلى عكس ما ذهب إليه الذين شنوا الغارة على المستشار أحمد الزند، بتهمة المساس بالرسول، فقد فهمت ما قاله بشكل مختلف تماماً، طبقاً للسياق الذي ورد فيه، إذ كان يرد على سؤال بشأن قضايا قذف وسب أقامها ضد بعض الصحفيين، الذين نسبوا إليه أنه -حينما كان رئيساً لنادي القضاة- باع قطعة أرض يملكها النادي لابن عم زوجته بثمن يقل عن ثمن المثل، مع أن زوجته ليس لها عم، ولم يكتفوا بذلك، بل استغلوا تشابها في الأسماء ليدللوا على صحة ادعائهم الكاذب، فنشروا صورة شهادة ميلاد زوجته التي تتضمن اسمها واسم والدتها وتاريخ ميلاد كل منهما، وهو ما أغضب المستشار «الزند» واعتبره انتهاكاً لحقه في الخصوصية، وحين سأله المحاور مستنكراً: هل تحبس صحفيين لهذا السبب؟! قال: أحبس أي حد حتى لو كان «نبي».. وهي فلتة لسان تنطوي على مبالغة لا صلة لها بالواقع، إذ لا يوجد في هذا الزمن أنبياء ليقيم المستشار «الزند» دعوى تطالب بحبسهم، ولو كانوا لا يزالون على قيد الحياة، لما ارتكبوا جريمة السب والقذف.
ما توقفت أمامه بدهشة، أن فلتة اللسان التي ندت عن المستشار الزند، تعكس -طبقاً لمدرسة التحليل النفسي التي ابتكرها فرويد- أنه لايزال يحتفظ في الأنا السفلى من عقله بتقاليد الريف المصري العريقة التي تعتبر ذكر اسم الزوجة أو الأم قذفاً وسباً يتطلب الحبس، وهذه هي الجريمة التي عوقب عليها بالإقالة.. لأن تلك هي السياسة التي تعرف في العامية المصرية بـ «البولوتيكا»!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها