النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10974 الجمعة 26 أبريل 2019 الموافق 21 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:06AM
  • المغرب
    6:07AM
  • العشاء
    6:37AM

كتاب الايام

مكتسبات بوتين وخسائر أوباما

رابط مختصر
العدد 9848 السبت 26 مارس 2016 الموافق 17 جمادى الأخرى 1437

تحدثنا الأسبوع المنصرم بعجالة عن قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بانسحاب قواته جزئياً من سوريا، ولم يسعفنا الوقت والمساحة آنذاك في التطرق الى دوافع هذا القرار الذي وصفه الكثيرون بأنه مفاجئ، في حين أن من ينظر الى تطورات الأوضاع في سوريا على الأرض خاصة من الناحية العسكرية والجغرافية، يكتشف أن القوات الروسية حققت للرئيس السوري بشار الأسد منافع كثيرة ليس أقلها تمكينه عسكرياً ولوجستياً من الموافقة على قرار الهدنة الدولي وكذلك المشاركة في مباحثات جنيف الأخيرة. فالأسد تسلح بما حققه على الأرض بدعم عسكري كامل من القوات الروسية التي بدأت العمل منذ سبتمبر الماضي.
فقط نذكر بأن بوتين عندما أعلن فجأة ارسال قوات لسوريا ادعى وقتها أنها ستحارب التنظيمات الإسلامية المتشددة في إشارة رئيسية الى «داعش» و«جبهة النصرة» وغيرهما، ولكن واقع الحال أن القوات الروسية ضربت معاقل المعارضة المدنية ولم تقترب من الإرهابيين. فالهدف إذن لم يكن دعم القوات الحكومية السورية في مواجهة التنظيمات المتشددة، وإنما ضرب مواقع المعارضة وتمكين قوات بشار الأسد من استعادة أجزاء ليست بالهينة من الأراضي التي فقدها الجيش.
ولنتذكر معاً أن بوتين لم يحدد موعداً زمنياً للعمليات العسكرية الروسية، بل اكتفى بالتنبيه الى أن العمليات الروسية مرتبطة بمدى حاجة الجيش السوري.
وسياسياً، يعني لنا القول إن نتائج ما تحقق عسكرياً بالدعم الروسي للجيش السوري وبشار الأسد أسهم فعلياً في تدشين المفاوضات السياسية بمشاركة كافة الأطراف السورية باستنثاء الإسلامية منها، ومن ثم وبالتزامن مع بداية مفاوضات جنيف، قرر بوتين سحب قواته جزئياً من الأراضى السورية، استغلالاً لعنصر الوقت، وليعلن للداخل الروسي نجاحه وأن تدخله لم يكن المقصود به مجرد إظهار القوة كما صوره الغرب والولايات المتحدة.
وسياسياً أيضاً، اكتشف بوتين وقياداته من المؤسستين العسكرية والدبلوماسية، أن الرئيس السوري استغل استعادة بعض الأجزاء من الأراضي المفقودة ليبالغ في تصريحاته المتشددة ومنها أنه متمسك بالاستمرار في العمليات العسكرية حتى تحرير كامل الأرض السورية، مما أصاب موسكو بالإحباط، لأن الأسد تجاوز الاتفاقيات الضمنية ومفادها أن دعم القوات الروسية ليس معناه استعادة كافة الأراضي وإنما جزء منها لتمكينه من الدخول في العملية السياسية وفي جعبته انتصار جزئي. ويبدو أن موسكو أبلغت دمشق بصورة واضحة ما كان عليه وضع بشار الأسد ومؤسساته المدنية والعسكرية قبل التدخل الروسي، وأن هذا التدخل أسهم بشكل رئيسي في دعم المؤسسات السورية الشرعية وفي مقدمتها الجيش والحكومة.
وفي حديث للداخل الروسي، بإمكان فلاديمير بوتين أن يطمئن شعبه، بنجاح قواته وعسكرييه في تحقيق انجازات لا حد لها، منها على سبيل المثال – وهو ما ذكرته مصادر عسكرية روسية – الاستخدام الناجح للمنظومات الصاروخية الاستراتيجية بعيدة المدى من البوارج الحربية والغواصات الموجودة جنوب غربي بحر قزوين، وهو الاستخدام الأول لتلك المنظومات الصاروخية في تاريخ العمليات القتالية الروسية. أي أن البحرية الروسية استغلت مواقع القتال السورية لتجريب أسلحتها مجاناً وبصورة عملية بعيداً عن مجال المناورات الميدانية المكلفة.. هذا الى جانب ما ذكره بوتين نفسه بأن العمليات العسكرية الروسية في سوريا كلفت بلاده فقط نحو نصف مليار دولار، وكان هذا المبلغ مدرجاً للتدريبات ضمن ميزانية القوات الروسية.
واستكمالاً للنجاحات العسكرية والسياسية والمعنوية للجيش الروسي والشعب أيضا بتجاوز محنة ومستنقع أفغانستان، فإن روسيا كرست مواقعها في البحر المتوسط، حيث حجزت القوات الروسية مكاناً لها حتي لو ذهب الأسد الى الجحيم، في قاعدتي «حميميم» الجوية على مقربة من اللاذقية و«قاعدة طرطوس» البحرية، مع الابقاء على أحدث المنظومات الصاروخية «اس-400»، وكذلك أحدث البوارج والقطع البحرية شرقي المتوسط.
ولا ننسى هنا أن من أهم مكتسبات القوات الروسية بغض النظر عن فقد مقاتلتين في أثناء المعارك، أن روسيا تجاوزت للأبد كما أسلفنا عقدة خسارتها الحرب في أفغانستان وهزيمتها شر هزيمة في خسارة عسكرية مدوية ساهمت لاحقاً في القضاء على الاتحاد السوفيتي كقوى عظمى وانتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة على غريمتها اللدودة، لتنفرد واشنطن بادارة القرار العالمي لفترة طويلة من الوقت الى أن عادت روسيا قوية مرة أخرى في عهد بوتين، ولتعود موسكو الى مكانتها الأولى رقماً صعباً في إدارة شؤون العالم، ولتعوض خسارتها قبل سنوات عندما تدخل حلف الأطلنطي في القضاء على الرئيس الليبي معمر القذافي بدون استئذان روسيا لتخسر بذلك مشتريا مهما لأسلحتها القديمة البالية.
ولا ننسى هنا ما أدركه الروس بأن مفاوضات جنيف لن تحل الأزمة السورية بصورة نهائية، حتى وإن كان بشار الأسد قد استغل دعم موسكو وقال إنه يريد استعادة سورية كلها، وكلامه هذا لم يحقق هدفه حتى وإن كان الروس استوعبوا معناه بأن بشار يريد استمرار دعمهم الى ما لا نهاية، ولكنهم – أي الروس – اكتفوا بما حققوه لأنفسهم أولاً وله ثانياً ودعمه لحين انطلاق العملية السياسية التي وقفت موسكو وراءها بقوة حتى تسرع بسحب قواتها من سوريا جزئياً، وبذلك ترد الصاع للولايات المتحدة وتبلغها عملياً بأنها لن تواجه مصيرها الفاشل بعد احتلال العراق وحربها في افغانستان، ومن هنا كانت مفاوضات جنيف الوسيلة المثلى لموسكو لتحقيق طموحاتها ومكاسبها في سوريا. فروسيا حققت نصراً عسكرياً ملموساً، ثم أن الروس تركوا الشطر الشرقي من سوريا تحت سيطرة «داعش» ليواصل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة حربه هناك وربما لتكون هذه الحرب محرقة لطيران التحالف والأمريكي ومستنقعاً جديداً للغرب. فقد نجح الرئيس الروسي في تحقيق مكاسبه السياسية والعسكرية، إذ حقق لبشار الأسد القوة اللازمة لابقائه فترة من الوقت على الأقل وينقذه من هزيمة كادت تلحق به وبقواته وتخلعه من الحكم. وثمة نصر سياسي عالمي آخر لبوتين ولبلاده، يتمثل في لجوء كل الأنظمة الفاشلة لموسكو في حال تعرضها لمخاطر سياسية في بلادها.
وروسيا لا تكترث هنا بما يردده المحللون السياسيون والعسكريون الأمريكيون بأن الانسحاب الجزئي الروسي ليس سوى محاولة إعلامية لحفظ ماء الوجه، وأن ادعاء بوتين بتحقيق أهدافه في سوريا لأمر كاذب ووهمي، وأن القوات الروسية انسحبت قبل أن تمني بهزيمة ساحقة هناك.

أوباما... شعوب المنطقة اكتشفت حقيقتكم العدائية
يبدو أن البيت الأبيض استعجل بإعلانه أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما سيزور المنطقة في أبريل المقبل للمشاركة في القمة الخليجية التي تستضيفها الرياض، ويبدو أيضا أن الترتيب للزيارة جاء على عجل ودون التمهيد مع دول المنطقة التي باتت في خصومة مع الرئيس الأمريكي إثر تصريحاته الأخيرة البعيدة تماماً عن الواقع وعن الدبلوماسية، ومن الواضح أن الرئيس الأمريكي يطبق المثل القائل «يا رايح كثر من الفضائح».. وهو يهم بالخروج من البيت الأبيض يورط خلفه الجديد أيا كان موقعه السياسي، جمهورياً أم ديمقراطياً، فالوضع واحد لكلاهما.
ومهما قيل أن زيارة أوباما بهدف ترميم تصريحاته المستفزة بحق السعودية والخليج، فهو لن يفلح في إعادة الأمور لنصابها، ويكفي ما أشرنا إليه الأسبوع الماضي من رد الأمير تركي الفيصل عليه وقوله له بصراحة شديدة إن قادة المنطقة لا يمتطون غيرهم للدفاع عن مصالحهم وأن لولا الدعم السعودي السياسي والاستخباري والمالي للولايات المتحدة لتأثرت واشنطن كثيراً على أكثر من مستوى.
ونحن أهل المنطقة في غنى تام عن مشاركته في القمة الخليجية، ولا نريد منه اصلاحاً لما أفسده، فالنوايا واضحة، فقد كنا في بداية حكمه نصفه بأنه متكلم جيد وفاعل فاشل، ولكنه فشل حتى في صفة المتكلم الجيد، فأصبح يهذي بتصريحات سخيفة تنم عن ضعفه العام سياسياً ومعنوياً وأخلاقياً.
ومهما حاول المتحدث باسم البيت الأبيض جوش آرنست خلال الأيام الماضية التخفيف من وقع انتقادات أوباما للرياض٬ وشدد على أن «أوباما يقدر العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية خاصة في الحرب ضد تنظيم داعش»، فواقع الحال يقول عكس ذلك، لأننا لم نفهم تصريحات هذا المدعو خطأ ولكننا استوعبنا الدرس جيداً، فأمريكا التي يتحدث عنها أوباما لا تسير بعقله وإنما بعقلية وهوى «المؤسسات العميقة والمركزية» التي تسير كل الأمور هناك وأن الرئيس مجرد واجهة لها، فأمريكا تكشف وجهها الحقيقي.
ويبدو أن عصر كتم المشكلات بين السعودية والخليج من جهة وأمريكا من جهة أخرى، قد انتهى للأبد، فالأزمات باتت تخرج للسطح مباشرة بلا مواربة بعد أن تجاهل أوباما التحالف التاريخي على الأقل بين السعودية وبلاده، ومن ثم لم يدرك أن الذي صدر الإرهاب للعالم هي بلاده بتصرفاتها ونكوصها بكافة وعودها للدول التي تقف بجانبها. كما تناسى المدعو أوباما كافة الجهود السعودية لدعم بلاده سياسياً وعسكرياً. وننقل عن مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية المرموقة والتي لا يبدو أن أوباما يقرأها، أمثلة عديدة للدعم السعودي للولايات المتحدة الأمريكية تفوق ما ذكره الأمير تركي الفيصل، ومن هذا الدعم تأييد السياسات الأمريكية المعادية للسوفييت خلال الحرب الباردة، وتوفير الدعم المالي لحلفاء الولايات المتحدة المتعثرين اقتصادياً مثل الأردن والمغرب، إضافة إلى تنسيق الجهود مع الولايات المتحدة لتخليص أفغانستان من السوفييت. كما تشمل قائمة التعاون بين البلدين أيضا عملية عاصفة الصحراء التى حررت الكويت من قبضة «صدام حسين» في عام 1991. كما استضافت المملكة العربية السعودية القوات الأمريكية منذ تسعينيات القرن الماضي، كما أخذت زمام المبادرة في دفع السلام مع (إسرائيل) من خلال مبادرة السلام العربية التي لم تعرها (إسرائيل) الانتباه، مع الأسف، إضافة إلى تمويل المعارضة ضد بشار الأسد وضد تنظيم «داعش» على حد سواء.
ثم والأهم في رسالة المدعو أوباما، هو دعوته السعودية لتقاسم النفوذ في الخليج مع إيران، رغم أن الأخيرة تدعم كل الفصائل والمنظمات حتى التي تراها الولايات المتحدة إرهابية، مثل «حزب الله» والحوثيين، وأولئك الذين ينشطون هنا في البحرين وواشنطن على علم تام بعملياتهم القذرة.. وفي النهاية ألا يطأ قدم أوباما منطقة الخليج، فنحن في غنى عن زيارته وليوفر مجهوده في زيارة منطقة أخرى.. ويا ليت الرئيس الأمريكي امتلك عقلية نظيره الروسي فلاديمير بوتين في تسيير الأمور دولياً، فثمة نجاح روسي يقابله فشل أمريكي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها