النسخة الورقية
العدد 11176 الخميس 14 نوفمبر 2019 الموافق 17 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

مطارحات

الإنسان والزمان والمكان.. حكاية من البيت الذي هجره أهله!

رابط مختصر
العدد 9843 الإثنين 21 مارس 2016 الموافق 12 جمادى الأخرى 1437

كتب الكثيرون عن تاريخ الصحافة في البحرين الحديثة والمعاصرة، وقد اطلعت على اغلب تلك الجهود التي بذلت في هذا المجال، بما في ذلك ما كتبه الراحل خالد البسام والدكتور منصور سرحان، قد بلغ عدد الصحف الصادرة في البحرين منذ العام 1939 أكثر من 115 جريدة ومجلة متنوعة الاهتمامات كان لها دور حيوي بارز في اثراء الحركة الفكرية والثقافية والسياسية في المجتمع وتعزيز القيم الوطنية، غير ان اغلبها اختفى بسرعة، قبل ان يشكل قوة مؤثرة، او تتحول الى بيوت صحفية أو تترك أثراً ملموساً في الحياة البحرينية وفي توجهات الإعلام في تلك المرحلة مثل صدى الأسبوع لعلي سيار والأضواء لمحمود المردي والمواقف لعبدالله المدني، إلا أن صدى السبوع بوجه خاص قد شكلت بمداها الزمني (أكثر من 3 عقود من الزمن) وبتوجهها الفكري والسياسي وبلغتها الصحفية الفريدة، توجها او مدرسة صحفية حقيقية تخرج منها العديد من الصحفيين المبرزين في الصحافة الأسبوع خلال الفترة من 1969 وحتى أواسط تسعينيات القرن الماضي، وقد كنت احد الصحفيين العاملين فيها حوالي عقد من الزمن، (1987- 1996) عندما طوت أوراقها الاخيرة، وضعت حداً لتاريخها الحافل في الصحافة البحرينية، وتقديرا للدور الريادي للأستاذ علي سيار في الصحافة المحلية، ووفاء لتاريخه ودوره التنويري ليس ضمن الحركة الصحفية فحسب، بل وضمن الحركة الثقافية في البحرين وفي الخليج العربي أيضا، حاولت منذ ذلك الحين اعداد كتاب عن تجربة صدى الأسبوع من خلال ذاكرة علي سيار التي تختزل عطاءً كبيراً، وقد واجهتني صعوبة كبيرة في البداية تمثلت في زهد سيار عن الحديث عن (ذاته) وقناعته التامة بان الصحفي الحقيقي يجب ان يتحدث عن الناس وليس عن نفسه، ومع ذلك حاول الرجل ان ينشر سلسلة من المقالات عن حياته إلا انه لم يتمكن من تجاوز مرحلة الطفولة الأولى في تلك الكتابات النادرة الرائعة في سردها وقوتها، وتمكنت بعد ذلك من اقناعه بضرورة نشر او لإصدار متضمنا افضل مقالاته ومعاركه الصحفية بعنوان (رحلة قلم.. الأحلام والأوجاع.)، أصدرته إدارة الثقافة، بمناسبة افتتاح مركز عبدالله الزايد للتراث الصحفي في يونيو 2003م. وإبان جلساتي المطولة مع الأستاذ علي سيار، والتي كنت خلالها استنطق ذاكرته حول تجربته في الكتابة، اقترحت عليه تدوين تجربته الإعلامية اللامعة عسى أن يكون ذلك مقدمة لكتاب عن سيرته الصحفية، فكان لي ذلك، حيث تمكنت من تسجيل بعض اهم ملامح هذه التجربة الثرية، في حديث جرى من دون قيود، وكان الرجل يعول على خبرتي مع (الرقابة) بحكم المعاشرة الطويلة في صدى الأسبوع، للتمييز بداهة بين ما يمكن نشره، وما لا يمكن نشره من تلك الدردشة المتشعبة والغنية بالحكايا التي لا تنقصها القيمة والطرافة، فكانت الأحاديث تجري صعوداً وهبوطاً، تتداخل فيها الأحداث.
ويجب ان اعترف هنا بان الأستاذ علي سيار كان شديد التردد في الكتابة عن ذاته، ولذلك كان يعاني ككاتب عندما يحاول أن يكتب عن نفسه، بالرغم من براعته العجيبة وقدرته اللامحدود في كتابة أي موضوع صحفي خلال دقائق معدودات، ولذلك حاولت ان من خلال تلك اللقاءات التي جمعتني به أن انسج ملامح تلك القصة التي تروي في تشابك واضح تقاطعات التجربة الصحيفة لهذا الرجل الفريد وجوانب من سيرته الذاتية، وحرصت قدر الامكان على أن أكون أميناً في استنطاق ذاكرته، في سياق ما تمليه متطلبات النشر الصحفي، دون تحريف أو تأويل أو زيادة، آملاً ان تكون ما أنجزته ونشرته في هذا الكتاب أقرب ما يكون إلى الحقيقة، كما سجلتها في لحظتها، وكما فهمتها في وقتها، ولكن يجب أن اعترف ايضا أنه في حديثي عن (علي سيار) الإنسان والصحفي والأستاذ والكاتب المبدع قد وجدت صعوبة في الفصل بين ما هو ذاتي في علاقتي به، وبين ما هو موضوعي، فقد عشت متعلماً في مدرسته الصحفية، ضمن رحلة تعلمت خلالها جل ما أعرفه في الصحافة، لقد تعلمت معه كيف أكتب الخبر وكيف أجرى التحقيق واللقاء الصحفي والاستطلاع، وكيف أضع العنوان وكيف (أملأ الفراغ) عند الضرورة، وكيف أكسب المصادر وكيف أقرأ ما بين السطور، بل تعلمت كيف أرسم صفحة في جريدة وكيف أوزع الصور وكيف أصمم غلافاً، وكيف أواجه (الرقيب) وكيف أهادنه، وكيف أتحايل عليه، وكيف أتفاوض معه للوصول إلى حلول وسطى...
وهكذا، وبعد تأخر دام عشر سنوات صدر أخيراً هذا الكتاب - عن وزارة شؤون الاعلام - والذي اقتبست عنوانه من إحدى مقالات الكاتب الأديب المتميز الصديق عقيل سوار، كتبه بمناسبة الاحتفال بمرور 25 سنة على اول صدور لصدى الأسبوع (البيت الذي هجره اهله)، راجياً أن أكون من خلاله أرد بعض الجميل لهذا الرجل الذي طالما أحببته وأعجبت بفكره وإبداعه وعبقريته الصحفية، وأن أسهم، أيضا، ولو بهامش صغير، في تسليط الضوء على جانب مهم من التاريخ الثقافي والاجتماعي والسياسي لهذا البلد الطيب.
وفي الخلاصة فإن هذا الحديث يشمل الانسان والزمان والمكان في حقبة هي من أهم حقب التحولات في تاريخ هذا البلد، بدأت في الخمسينات من القرن الماضي مع «القافلة» فـ «الوطن» وصولاً إلى «صدى الأسبوع» في أواخر الستينات القرن الماضي، وتلك الحقبة تشكل المرحلة التمهيدية للإصلاحات التي قادت إلى ما نعيش على وقعه اليوم من حرية إعلامية واسعة، سنظل نعيشها بإذن الله في ظل التجربة الديمقراطية التي تعيشها البحرين، ولذلك يمكن القول ان تلك الجهود والنضالات الصحفية التي بدأت في 1939م وتواصلت الى نهاية القرن العشرين لتكن صرخة في وادٍ، بل كانت جزءاً لا يتجزأ من العمل التنويري السياسي والاجتماعي والثقافي عبر العقود الماضية في خدمة هذا الوطن وأهله.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها