النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11932 الأربعاء 8 ديسمبر 2021 الموافق 3 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    5:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

لولا العسكر لكان حالها مختلفًا

رابط مختصر
العدد 9842 الأحد 20 مارس 2016 الموافق 11 جمادى الأخرى 1437

يتفاءل الشعب البورمي اليوم بالمنعطف الجديد الذي قد ينقل بلادهم التعيسة إلى حالة جديدة تجتث ما زرعه فيها العسكر على مدى عقود من الزمن من قمع وتسيب وفساد وإخفاقات على مختلف الصعد، وترتقي بمستوياتهم المعيشية. ونقصد بالمنعطف الجديد إسدال الستار على البرلمان القديم الذي هيمن عليه العسكر، وبدء عمل البرلمان الجديد المنبثق عن الانتخابات التشريعية التي جرت في مطلع نوفمبر 2015 وحققت فيها المعارضة بقيادة السيدة «أونغ سان سو تشي» زعيمة حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» فوزًا كاسحًا.
لقد كان المأمول أن تكون بورما لحظة استقلالها عن بريطانيا في يناير 1948 أنموذجًا للديمقراطية التعددية في آسيا كما الحال في جارتها الهند. وهي لئن بدأت خطوات جادة في هذا الطريق عبر وضع دستور متقدم، وتشكيل حكومة مدنية منتخبة برئاسة «أونو» الذي برز في الخمسينات كأحد قادة آسيا المرموقين من خلال مؤتمر باندونغ، فإنها سرعان ما وقعت فريسة لطموحات العسكر السلطوية. ففي عام 1962 قام قائد الجيش ذو الأصول الصينية الجنرال «ني وين» (اسم حركي يعني الابن اللامع) باستنساخ ما قام به نظراؤه في بعض الدول «العالمثالثية» حديثة الاستقلال. وبعبارة أخرى استولى على السلطة، وشكل مجلسًا ثوريًا كبديل للحكومة المدنية وأوقف العمل بالدستور، بل قام هو ورفاقه من أصحاب البزات الكاكية بأمور أكثر استهجانا وحماقة تمثلت في تطبيق نظام اشتراكي مشوه، وإطلاق برنامج للحكم والإدارة يتسم بالمركزية الشديدة، معطوفًا على ممارسة القمع ضد الأقليات، وطرد الأجانب بعد تأميم ممتلكاتهم، وعزل البلاد عن محيطها الخارجي، الأمر الذي أدى الى توقف الاستثمارات الاجنبية، وانتشار الفقر، وانهيار الاقتصاد الذي كان يتوقع له في ذلك الزمن المبكر ان يكون ضمن الاقتصاديات الآسيوية البارزة بسبب متانة البنية التحتية والإدارية وتنوع موارد البلاد.
استمر نظام «ني وين» مذاك وحتى عام 1988، حينما قرر صاحبه تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية المتأثرة بتطورات الأحداث في الاتحاد السوفيتي السابق ودول الكتلة الشرقية التقاعد وترك مسؤوليات البلاد في يد حفنة من تلامذته الذين شكلوا ما عرف بـ «مجلس الدولة للقانون والنظام» (تغير اسمه لاحقا إلى مجلس الدولة للسلام والتنمية). غير أن التلامذة فاقوا أستاذهم لجهة القمع الوحشي، والفساد والنهب، وخرق حقوق الإنسان، وعزل البلاد عن العالم الخارجي. ولعل من أكبر جرائم الطغمة العسكرية التي خلفت «ني وين» في السلطة من عام 1988 وحتى 2011 هو تدمير الاقتصاد البورمي إلى درجة تصنيف البلاد من قبل الهيئات الأممية ضمن الدول الأشد فقرًا في العالم، على الرغم من امتلاكها لاحتياطات ضخمة من الغاز الطبيعي، إضافة إلى ثروتها الزراعية وثروتها من الأحجار الكريمة.
وقد قررت رابطة أمم جنوب شرق آسيا المعروفة باسم آسيان على مضض منح عضويتها لبورما في عام 1997 على أمل أن يستقيم سلوك قادتها العسكريين ويقدموا على شيء من الإصلاحات الاقتصادية على الأقل. بل أن الرابطة حاولت بعد ذلك إنقاذ ما يمكن إنقاذه في هذا البلد عن طريق إغداق المساعدات عليه لتأهيل اقتصاده، غير أن العبء كان كبيرًا جدًا، ثم تضاعف العبء مع انفجار الأزمة الاقتصادية الآسيوية في عام 1989.
وهكذا تأخرت الإصلاحات الاقتصادية في بورما كثيرًا ولم يلمس شعبها علاماتها إلا مؤخرًا، حينما سمحت السلطات بفتح القطاع المصرفي المحلي أمام المنافسة الأجنبية، علمًا بأن هذا القطاع الحيوي ظل مغلقا لعقود أمام الاستثمارات الخارجية مما أدى إلى تخلف البنية التحتية المالية للبلاد، وبالتالي خشية المواطنين من التعامل مع المصارف وأدواتها كالشيكات وحسابات الادخار، وتفضيلهم التعامل بالمبالغ النقدية.
هذا المشهد يبدو أنه الآن إلى تغير، بدليل أن السلطة التي ورثت حكم العسكر أعطت مؤخرًا موافقتها الأولية لأربعة مصارف أجنبية للعمل في بورما لأول مرة منذ مطلع الستينات. وهذه المصارف هي: «بنك الاستثمار والتنمية» الفيتنامي، و«ستيت بنك» الهندي، و«سينهان بنك» الكوري الجنوبي، و«البنك التجاري» التايواني. وستنضم هذه المصارف إلى مصرف «بنك أوف طوكيو» الياباني الذي كان الأول لجهة تأسيس فرع في بورما في إبريل 2015، وإلى «المؤسسة المصرفية الصينية لما وراء البحار» التي تتخذ من سنغافورة مركزًا رئيسيًا لها. ويتوقع المراقبون أن يتوسع حجم الاقتصاد البورمي أكثر من أربع أضعاف بحلول عام 2030 شريطة المحافظة على الاستقرار السياسي، والاستغلال الأمثل لموارد الطاقة والتعدين والزراعة، وخلق البنى التحتية المشجعة للمستثمرين الغربيين والآسيويين على نقل مصانع من الصين وهونغ كونغ وكوريا وسنغافورة وتايلاند إلى بورما للاستفادة من الأيدي العاملة الأرخص ومستويات المعيشة الأدنى في منطقة شرق آسيا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها