النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11695 الخميس  15 ابريل 2021 الموافق 3 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:53AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:01PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

شاعر «البنات» وصاحب «زمان المسخرة»

رابط مختصر
العدد 9840 الجمعة 18 مارس 2016 الموافق 9 جمادى الأخرى 1437

في مثل هذه الأيام من العام الماضي، وتحديدًا في يوم الثلاثاء الحادي عشر من مارس 2015، غيب الموت عن عمر ناهز 79 عامًا قامة أدبية وثقافية كبيرة على المستوى البحريني والخليجي والعربي، وذلك من بعد إصابته بعارض صحي في ديسمبر 2014 دخل على إثره في غيبوبة طويلة في المستشفى العسكري.
لم يكن الشاعر الكبير عبدالرحمن رفيع مجرد شاعر بحريني موهوب، وإنما سطع نجمه في دنيا الشعر الشعبي، مقدمًا شعرًا يمتزج بلوحات كاريكاتيرية مضحكة تتعمد نقد مختلف الظواهر الاجتماعية بأسلوب سهل يسحر ألباب المتلقي. كما كان لطريقة إلقائه المسرحية المتميزة المعطوفة على لهجته البحرينية الأصيلة وقع السحر على المستمع، سواء في الأمسيات الشعرية المحلية أو في الفعاليات الثقافية الخليجية التي كان دومًا في طليعة مدعوويها، بل كان نجمها المتألق.
وأعتقد جازما أنه لم يمر في تاريخ الشعر الشعبي الخليجي من استطاع أن ينتزع الضحكة من قلوب الجمهور، نساءً ورجالاً، كبارًا وصغارًا، عامة ومثقفين، وأن يجعل من بعض أبياته أمثلة متداولة بين الناس، كما فعل رفيع في صولاته وجولاته الشعرية. فمن يستطيع يا ترى أن يحبس قهقهته حينما تطرق مسامعه قصائد شعبية من نوع: «الله يجازيك يا زمان»، و«زمان المسخرة»، و«أمي العودة» و«الموبايل»، و«لولا البنات»، و«دنيا جدامك طماشة»، و«تذكرين»، و«ياني مستانس»، و«يوم من الأيام خذ عمي مره»، و«ياني صديق يشتكي»، و«أمس العصر شفت عيوز»، و«الكنديشن العظيم» وغيرها. بل من يستطيع إنكار ريادته أيضا في الشعر البحريني الفصيح الذي ضمه في أعماله الشعرية المطبوعة ومنها: «أغاني البحار الأربعة» (1971)، و«الدوران حول البعيد» (1979)، و«يسألني» (1981)، و«ديوان الشعر الشعبي» (1981)، و«لها ضحك الورد» (1981) و«ديوان الشعر العربي» (1991)، و«أولها كلام» (1991). وطالما أتينا على ذكر شعره الفصيح فإن من أكثر قصائده الفصحى التي اعتز بها قصيدته المعنونة بـ «من هنا الخليج»، وفيها يقول:
من حقبة النفط يصحو مرة أخرى
يثري الحياة كما من نفطه أثـــرى
قفوا جميعا له، إنه الخليـــــــج بدا
من الجهالة، من أسمالها يعـــــرى
خمســــــــــون عاما مضت
شاد الأســــــاس بها
واليوم ينهض، حتى يدخل العصرا
ومن قصائده الفصحى الأخرى الجديرة بالذكر، تلك التي كتبها في الرباط في أغسطس 1993 وتحدى بها صديقه وزميله الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي حينما أعيتْ الحيلة الأخير (كما قال رفيع نفسه) عن الاتيان بقصيدة تنتهي بتاء مفتوحة. من أبيات هذه القصيدة:
أحــــورًا ما أراه أم بناتـــــــا
فلم أرَ قبل حسنــــهم فتاتــا
إذا قاموا لمشي أو لــــرقص
تفتت قلبي منهــــم فتاتـــــا
وبات الليل يشكو من هواهم
ولم يـــك قبل ذلك باتــــــــا
لقد ذبحوا فؤادي ذبح شـــاة
فرفقا بي فقلبي ليس شاتـــا
رأيتهمو فنحت على شبابــي
وسيف في قد عشق السباتا
وقلت من التحسر ليت شعري
لقد ذهب الزمان بنا وفاتـــا
أطلعهم فأدعوهم بكفـــــــــي
كما يدعو الكبار الطفل (تاتا)
ألا ليت الشباب يعود يــــــوما
ولكن الشباب اليوم ماتــــــا
وهناك أيضا قصيدته الفصحى «الدوران حول البعيد» التي لا يمكن أنْ نمر عليها مرور الكرام دون أن نستعرض أبياتها الجميلة:
في آخر الليل البهيم
إذا أصاخ الساهرون
يتكلم الصمت البعيد ويصمت المتكلمون
رباه من أي المغاور والمكامن والحزون؟
هذي المشاعر هل أحس
ببعضهن الشاعرون؟
سيل من الأطياف والأفكار ليس له مدى
شيء بلا شيء يلوح وهمهمات كالصدى!
ووراء أعماقي هنالك حيث تشتعل البروق
تتفجر النبضات، نبضا بعد نبض..
في العروق
وأظل مشدوها..
إلهي كل هذا في دمي!!
يا ليتني.. ويموت في فمي الكلام..
هذي الأعاصير الكظيمة كيف.
يعروها الفتور!؟
ربما لم يلقَ الراحل المكانة الشعرية اللائقة التي يستحقها على الصعيد العربي بسبب الطبيعة الحكواتية لشعره العامي الموجه أساسا للجمهور الخليجي، والمستحضرة لهمومه وزمنه القديم (عصر ما قبل النفط ببساطته وتلقائيته وبدائية وسائله وعبق فرجانه). وفي هذا السياق قال في مقابلة قديمة مع الصحفي ميرزا الخويلدي من صحيفة الشرق الأوسط، أعاد الأخير التذكير بها في مقالة كتبها في الصحيفة نفسها بمناسبة رحيله (12/‏3/‏2015): «مشكلة شعري انه مسموع أكثر منه مقروء.. وهذه مشكلة العامية، فشعري يعتمد على الإذن على طريقة الشعر القديم عند العرب في الجاهلية، حيث كانت الإذن سامعة والكتــّاب كانوا يُعدون على الأصابع، فكان الإنسان العربي يعتمد على حاسة السمع».
ولد رفيع في عام 1936 بفريج الفاضل في العاصمة المنامة لعائلة محافظة وملتزمة دينيا. ولهذا التحق على مدى أربع سنوات بكتــّاب كانت تديره امرأة من نساء الحي (مطوعة)، حيث تعلم القراءة والكتابة والقرآن الكريم، قبل أن يلتحق بالمدارس النظامية. وطبقًا لما ذكره الخويلدي (مصدر سابق) فإن الصدفة وحدها لعبت دورا في مسيرة رفيع الأدبية، حيث أهداه أحد جيرانه العائدين من الدراسة في جامعة بيروت الأمريكية في منتصف الخمسينات حزمة من الكتب الأدبية التراثية، كان من بينها «الأغاني» لأبي الفرج الإصفهاني، و«العقد الفريد» لابن عبدربه وكتابي «البخلاء» و«البيان والتبيين» للجاحظ، فقرأها كلها بلهفة، الأمر الذي تفتحت معه مداركه على التراث العربي ومخزونه اللغوي والشعري الغزير. غير أن الرجل طلق التراث لاحقًا في مرحلته الثانوية وإنساق نحو الاهتمام بعصر النهضة الفكرية الحديثة، وذلك بعد أن اطلع على كتاب أهداه له مدير مدرسته ومعلم اللغة العربية فيها الأستاذ جواد الجشي. ولم يكن هذا الكتاب الذي ساق شاعرنا بعد ذلك نحو الاطلاع على مسرحيات شكسبير وغيرها من روائع المسرح الغربي سوى كتاب «حديث الأربعاء» لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين.
من بعد تخرجه من الثانوية ذهب رفيع إلى القاهرة في منتصف الخمسينات لإكمال تعليمه الجامعي، لكن كان عليه قبل ذلك الحصول على شهادة التوجيهية التي نالها من «المدرسة السعيدية» بتفوق لافت بدليل حصوله على نسبة 85 بالمائة. في تلك المدرسة العريقة زامل رفيع الشاعر الدكتور غازي القصيبي، وتوطدت بينهما عرى الصداقة التي كان عاملها المشترك ليس قدومهما من بلد واحد فقط وإنما أيضا شغفهما بالأدب والشعر وكتابة القصص القصيرة. ومن هذه المدرسة انطلقا ملتحقين بجامعة القاهرة لدراسة الحقوق.
ويجمع كثيرون أن رفيع هو عبدالرؤوف الذي وصفه القصيبي في روايته «شقـــة الحرية» (ص 72 ـ 78) بالطالب الخجول ذي الإمكانيات المادية المتواضعة إلى درجة أنه كان يعيش بأربعة جنيهات في الشهر (جنيه لايجار الغرفة والباقي للأكل ولا شيء للمواصلات لأنه كان يذهب الى المدرسة ويعود منها ماشيا)، بل إلى درجة أنه كان يملك بدلة واحدة (من غير كرافتة)، ولا يملك ساعة إلى أن أهداه القصيبي ساعته الاحتياطية من نوع «ميدو».
ويقال إن رفيع، بسبب نشأته الدينية الأولى، كاد أن ينضم إلى جماعة الإخوان المسلمين. وإذا ما صدقنا أنه هو عبدالرؤوف المذكور في رواية «شقة الحرية» فإن الأدلة على ذلك كثيرة. ففي سنوات دراسته في القاهرة كان صريحًا -طبقًا للسرد الروائي للدكتور غازي القصيبي- في معاداته للاشتراكية وكل ما عداها من الأفكار والتيارات والأيديولوجيات السياسية التي كانت تموج بها الساحة المصرية في تلك الأيام ما عدا الأفكار الإخوانية. وآية ذلك أن عبدالرؤوف دخل في نقاش مع فؤاد الطارف (يعتقد أنه غازي القصيبي نفسه) حول الاشتراكية فما كان من الأول أن قال للثاني: «لا أؤمن بالاشتراكية لأني أؤمن بالإسلام». وحينما رد عليه فؤاد متسائلاً: «ما علاقة هذا بذلك؟ الاسلام دين والاشتراكية مذهب اقتصادي» كانت إجابة عبدالرؤوف هي: «الاسلام منهج متكامل. رؤية شاملة تنظم كل شيء. شؤون الاقتصاد وشؤون السياسة والسلوك الشخصي والعبادات. لا يمكن أن تنتقي من هنا وهناك مبادئ ونظريات. إما أن تكون مسلمًا أو تكون اشتراكيًا». (شقة الحرية ص104 وص105). أما حينما سأله فؤاد «هل تتعاطف مع الإخوان المسلمين»، فقد احمــّر وجهه ولم يجب (ص 105).
وتتكرر مثل هذه الحوارات بين الرجلين في الصفحات 284 ـ 289 بل تتطور إلى حد اتهام عبدالرؤوف لفؤاد بأنه مخدر بدعاية جمال عبدالناصر وأن مصر ليست بلدا مسلما، وأن نظامه الناصري يحارب الإسلام، الأمر الذي يرد عليه فؤاد بالقول: «وانت مخدر بدعاية حسن البنا... وكلامك رجعي».
على أنه لا يوجد ما يثبت أن رفيع انضم رسميا إلى تنظيم الإخوان المسلمين بدافع من التزامه الديني، مثلما لا يوجد ما يدلل على التحاقه بحزب البعث أو حركة القوميين العرب من خلال زمالته لغازي القصيبي وشركاء الأخير الثلاث في «شقة الحرية»، يعقوب وعبدالكريم وقاسم، الذين كانت تتجاذبهم التيارات السياسية المختلفة أثناء دراستهم في مصر. وفي اعتقادي أن ما مر به رفيع في تلك الفترة لم يكن سوى مراهقة سياسية شبيهة بما مر به غازي القصيبي في الفترة نفسها من انحياز للناصرية تارة وتعلق بالبعث تارة أخرى ونفور من الاثنين إلى حركة القوميين العرب تارة ثالثة. وهكذا صدق «ميرزا الخويلدي» حينما عنون حديثه عن رفيع بعبارة «الشاعر البحريني الذي فرّ من مصيدة الإخوان وحزب البعث معًا».
والمعروف أن رفيع، على خلاف زملائه المذكورين، لم يكمل تعليمه الجامعي في القاهرة. إذ قطع دراسته وهو في السنة الثالثة بكلية الحقوق، وقفل راجعا إلى البحرين، حيث بدأ حياته المهنية كمعلم للغة العربية. وبعد سبع سنوات في حقل التعليم، حيث يتذكر من علـّمهم أنه كان من المدرسين المتسامحين غير القساة، انتقل إلى وزارة الدولة للشؤون القانونية التي كانت ضمن وزارات ما بعد الاستقلال. ومن الأخيرة، التي قضى فيها نحو خمس سنوات، انتقل إلى إدارة الإعلام والفنون بوزارة الإعلام ليعمل مراقبًا للشؤون الثقافية إلى أن أحيل على التقاعد سنة 2003. لكن التقاعد الوظيفي لم يحل دون أن يزخرف رفيع حياته بأنشطة متقدة وحراك لا يتوقف. فقد راح يشارك بهمة الشباب في معظم الأمسيات الشعرية في البحرين والسعودية والإمارات ومصر، إضافة إلى مهرجانات «هلا فبراير» في الكويت، ومهرجانات الجنادرية في الرياض، وأمسيات الاتحاد الوطني لطلبة الكويت في الولايات المتحدة الأمريكية، والسهرات والمقابلات التلفزيونية والإذاعية.
من الألقاب التي تم إطلاقها على رفيع لقب «شاعر البنات»، وذلك في إشارة إلى قصيدة «لولا البنات» التي نظمها وساعدت في توسيع قاعدته الجماهيرية بين الجنسين بسبب طرافتها ومفرداتها الشعبية المتميزة. يقول فيها الشاعر:

غمَض عيونك تصور.. بلده ما فيها بنات
الشواطئ.. خاليات
الشوارع.. خاليات
المجالس.. خاليات
فتح عيونك وقلُ لي مثل شنهو هالحياة
وشكثر ثم شكثر ثم شكثر.. لولا البنات
شكثر كانت.. كريهة هالحياة
من حكيهم من ضحكهم.. يضحك اللولو يتناثر بالمئات
من سحرهم.. تنسحر دنيا بكبرها
تنزل نجوم السما.. تمطر ورود معطرات
وهناك قصيدة «تذكرين» وهي ليست ببعيدة عن أختها «البنات» لجهة المضمون الغزلي. ويقول مطلعها:
تذكرين يوم وقفتْ تحت الدريشة
وانتي من تحت الدريشة تبصبصين
آنه من يومها على بيتكم آدور
أحسد الطالع واللي يزور
واشكثر خليت أخوج يلعب معاي
حتى إنه يوم سألني
إنت ليش رايح وياي
وهوما يدري، يقول لي تبّي مين؟
إنت ليش في السكة كل ساعة تبين!
تذكرين
تذكرين يوم ما لقيتج في طريج
وآنه واقف في كثر
وياي صديج
حتى يوم تقابلنه ابتسمتي
بسمة فيها كل الأشواق والحنين
قلنا إن علاقة صداقة قوية نشأت بين رفيع والقصيبي، لكنها لم تنشأ في القاهرة كما قد يعتقد البعض وإنما نشأت ابتداء في البحرين في خمسينات القرن الماضي عندما كان القصيبي مقيما مع أسرته في المنامة وكان الرجلان زميلين في المدرسة الثانوية. وقد استمرت هذه العلاقة حتى وفاة القصيبي الذي رثاه الشاعر بقصيدة جاء فيها:
سأكتب عنه اليوم كي أظهر الفضــلا
ومن ذا الذي في فضله يدعي الجهلا
سأكتب عن غازي فتى الشعر هائــما
بحب (أوال) ينشد البحر والنخــــــلا
ستبقى على ثغر الزمان روايـــــــــة
وتبلى الليالي الفانيات ولا تبلــــــــى
والمعروف أن رفيع كثيرًا ما تحدث في أمسياته الشعرية ومقابلاته التلفزيونية والصحفية عن تلك العلاقة مع غازي القصيبي، عارجًا على ما كان بينهما من مساجلات شعرية وطرائف أثناء زمالتهما في الثانوية السعيدية ثم في جامعة القاهرة. من هذه الطرائف قوله في أمسية أقيمت في صالون عبدالمقصود خوجة بجدة: «في أوائل أيام التحاقنا أقبلت فتاتان وجلستا أمامنا، فتساءلتُ لماذا اختارت هاتان البنتان هذا المكان؟ وكانت إحداهما كالحصان والأخرى صديقتها.. وكان غازي يكتب ما يعن له من الأبيات الشعرية خلال إلقاء الدكتور المحاضرة، ثم يعطيني إياها لقراءتها، وأقوم أنا بعد ذلك بالرد عليه. ومن تلك المحاورات هذه المقطوعات. كتب غازي:
إيه يا تافهة مغرورة
أي شَيْءٍ فيك يَدْعُو للغرورِ
أَتُراه الْوجه إذ غطيته
بدثار من صباغٍ وعطورِ
أم تراهُ الشَعر يا آنستي
إذ جعلتِ منه أذناب الحميرِ
فرددتُ عليه:
تلكَ حسناءُ على أهدابِها
يرقصُ الشوقُ وإعلاءُ الصُقورِ
تركَتْ عقلك يهذي عندما
تتراءى مثل شَمسٍ في بدورِ
أنت مهما قُلتَ في تقبيحها
إنها تسْطَع كالبدر المنيرِ».
وفي سياق ما كان بين الشاعرين الصديقين، لا بد أن نعرج أيضا على قصيدة كتبها رفيع في عام 2003 للقصيبي، مهنئا إياه بتعيينه وزيرا للكهرباء والمياه في المملكة العربية السعودية. من أبياتها:
وزير الماء عشت أبا سهيل
كي تروي لنا القفر الفقيــرا
أراني لست أدري هل أهني
أم أني أسكب الدمع الغزيـرا
أو يجدي البكاء على عذاري
ويرجع ماؤها عذبًا نميــــرا
ولم يبقَ بجوف الأرض ماء
لكي تمسي على ماء وزيـرا
ولرفيع الكثير من المواقف الطريفة، لعل قصته مع المطربة اللبنانية احدها. فقد تفاجأ وهو عائد إلى البحرين من بيروت على متن إحدى الرحلات الجوية المنتهية في أبوظبي بوجود المطربة على الرحلة نفسها فكتب يحييها بأبيات من الغزل جاء فيها:
أنت صوت ونغم
وشميم والشمــم
أنت إن غنيتي نعلو فوق هامات القمم
أنت يا نجوى كرم
وحينما علم لاحقًا أن ذلك اليوم يصادف عيد ميلادها، قرر أن يبعث لها، بعد أن احتفل بها الحاضرون في الطائرة، بهدية شعرية نصها:
عيد ميلادك.. ميلاد الحياة
هو يوم لا نهائي الصفات
آه لو أقدر لاخترت له بيدي أحلى النجوم الزاهرات
وشككت العقد عقدًا باهرًا لك تزهين به بين البنات
أنت من أنت!؟ من الشرق أم الغرب.. أم هل أنت من كل الجهات؟
حينما صافحتني خلتُ يدي ملكتْ في كفها أغلى الهبات
هل أصابعك إلا نعمة وأحاديثك إلا أغنيات
وأخيرًا فكما جرت العادة في عالمنا العربي، الذي لا يستشعر بمبدعيه ولا يكرّمهم في حياتهم، فقد رحل رفيع إلى جوار ربه دون تكريم، وكان نصيبه يوم رحيله مجرد عبارات حزن وأسى تقليدية أغدقها على روحه زملاؤه في الساحة الشعرية. فقد سجل عن الشاعر القدير علي عبدالله خليفة قوله: «إن البحرين فقدت شاعرًا يعتبر من أهم رواد الحركة الشعرية الفكاهية في مملكة البحرين والوطن العربي» مضيفًا: «سوف نفتقد جديد شعر التيار الفكاهي الذي تميز به، وقد استطاع الشاعر رفيع تكوين قاعدة جماهيرية كبيرة جدا من خلال روح الفكاهة التي كانت تحتويها أبياته الشعرية باللهجة العامية». بينما قال الشاعر حسن كمال وهو في طريقه لوداع رفيع إلى مثواه الأخير: «أعجز عن رثائك، فأنت المداوي عن شقائك، هنا الأحباب قد ناموا، فنم معهم بشوق أشعارك لتنعشهم، لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى».
ومن الذين كتبوا حول شخصية رفيع ونتاجه الشعري فاتن حمزة في البلاد البحرينية (12/‏3/‏2015)، حيث قالت: «تميز عبدالرحمن رفيع بخفة دمه وعفويته وصدق إحساسه، حيث انعكست على شعره فمنحته سرًا غريبًا استطاع أن يخترق القلوب دون استئذان. وتميز بقوة العبارة وجزالة الكلمة، وبأسلوب عاطفي شيق استثمر فيه اللغة البحرينية وصياغتها ضمن قالب شعبي فني غزلي تفاؤلي محبب.. أسلوب أفرد خلاله مساحات خاطبت الشريحة الأوسع بجميع فئاتها العمرية».
أما الشاعر الكويتي الشعبي الدكتور وليد ضاحي فقد رثاه بالأبيات التالية:
دار الشعر أظلمتْ من طفى نجمن رفيع
كان بسمانا يرتهش يطرب بصوته رفيع
ما ظنتي ننسى ابد شاعرنا بن رفيع
شعرك أصبح عندنا يبني بيوت رفاع
تبدي بحلو الحكي وتوصل مقامات رفاع
يا من أرضه المنامه وستره وأل رفاع
ندعيلك رب سخي يحطك بالجنة رفيع
ملاحظة: أكاد لا أصدق أن الذكرى الأولى لرحيل رجل أبهج الناس ردحا من الزمن، وكان صلة الوصل بين قديمهم الجميل وحاضرهم الزاهر، تمر دون أن يتذكره أحد في الصحافة أو المنتديات الثقافية أو أسرة أدباء وكتاب البحرين أو جمعية الشعر الشعبي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها