النسخة الورقية
العدد 11058 الجمعة 19 يوليو 2019 الموافق 16 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:26AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

حركة القوميين العرب وعقد من الانبعاث والتلاشي (45)

رابط مختصر
العدد 9839 الخميس 17 مارس 2016 الموافق 8 جمادى الأخرى 1437

بعد يونيو65 وإغلاق المدارس فقدت الحركة زخمها ومراكزها التحريضية كالمدارس وحتى ازقة الاسواق والاحياء القريبة من السوق، وغادرت مجموعات طلابية كثيرة لدول الجوار، إذ ستكون الحركة بكاملها أما في السجن بمستوياتها الاربعة القيادة والروابط والخلايا والحلقات، فيما سافرت اغلب الحلقات من مستويات دنيا في التنظيم للمنفى القسري لتعود في مجملها مع بداية العام الدراسي، فما كان من الامن إلا التحقيق مع بعضها واعتقال بعضهم لفترة شهر وشهرين وتجاهل البعض منهم، لنجد انفسنا في النصف الثاني من عام 1965، من يونيو لغاية ديسمبر نعيش حالة جمود مطبق على تنظيم حركة القوميين العرب، الذي كانت حلقاته في خارج السجن في حالة كمون وتفتت وانتظار.
ومن الطبيعي أن تكون بعد كل عاصفة شعبية وخسائر وجرحى من معركة الانتفاضة، ان تدخل التنظيمات السياسية والبلاد في مرحلة مراجعة وتساؤل واستفسارات حول كل ما حدث، والبحث عن إجابات شافية وجوهرية ونقدية لكل ما جرى دون الحاجة لبكائيات التوبيخ وجلد الذات.
بدا قارب حركة القوميين العرب على ضفاف السواحل البحرينية مهشماً، كان جزءاً منه يداعب خشبه الموج الحزين وجزءاً منه على اليابسة كغريق يلتقط أنفاسه، يومها كانت المدارس التي فتحت ابوابها في عام دراسي 65-66 متوتر وحذر، تتجاذبه همسات الطلبة المشاغبين، الذين لا يرون أن بامكانهم فعل أي حركة استفزازية للسلطات كما ان لا احد من عناصر الحركة ولا التجمعات الشبابية والطلابية في المدارس ترغب في مقارعة نظام استعماري شرس ومتمكن وقوي وسلطة محلية وامنية فاغرة فمها لمزيد من الاعتقالات وسط صفوف الطلبة بكل حيرتهم وترددهم ومخاوفهم، فقد انكمش الشارع السياسي مع كل احتجاجته ومزاجه المعارض، وانحسرت الحركة العمالية عن مدها العمالي بروحها الثورية والوطنية، لهذا لن يكون مزاج لا القوى والتنظيمات السياسية الوطنية الاخرى، التي تعتقد أنها كانت بعيدة عن الضربات العميقة والجذرية، ولا الحركة والقوى القومية المرتبطة مع الحركة، لديها قدرة على استعادة انفاسها في فترة وجيزة، والتقاط ادواتها الحزبية لاعادة تركيب بنية التنظيم المهشم كزجاج الكريستال.
كنا بروحنا الجماعية في السجن نشعر ان نبض الشارع اشبه بحالة «الكوما السياسية!» فلا اخبار مريحة تصل ولا احاديث سياسية ترفع من معنويات السجناء والمعتقلين.
مضت الشهور الستة الاخيرة المتبقية من عام الانتفاضة 65 ميلودرامية، وحكايات المواقيت اليومية بين جده والقلعة باتت كالروتين الممل، فمن النادر ما يطلق احد من المعتقلين، ولم يكن في صيف العطلة المدرسية من يوليو حتى اغسطس إلا زنزانة الكنارة البعيدة عن الجيل وحدها تنقل لنا مع الهواء الساخن القاسي من حر اغسطس الكريه بحة صوت الاستاذ محمد خليفات، الذي امضى بعض من اسابيع ذلك الموسم يراجع نفسه كل يوم، ليخرج نهائياً من بوابة القلعة وبوابة السياسة الحزبية للأبد، ليغلق ستارة مضيئة من النضال، تحولت الى مرارة انسان عاش في عزلة روحية مهشمة كما هي تلك القطع الكريستالية للحركة ليصبح «المعلم الثوري» رجل أعمال ناجح!. في نفس الفترة الصيفية عاد من القاهرة الاستاذ الناصري محمد يوسف من منطقة قلالي، فتم اعتقاله من المطار، وكان آخر شخص شهده سجن الجيل في القلعة فأمضى ما يزيد على الثلاثة شهور.
بعدها لم يزرنا معتقل سياسي من الخارج إلا أحمد الشيخ من المخارقة حتى خروجنا النهائي منه يونيو عام 1966، فقد نقلونا الى سجن جده مع قدوم الطاقم الامني الجديد الذي سيحل مكان بوب.
لكم كنا نخسر الكثير ونربح الكثير في تلك الحياة الحزبية، ينهض ناس من كبوتهم والعودة للنضال مرة اخرى، ويغادر السرب اخرين دون وداع، ويدخل حياتنا خريفاً سياسياً كما يمر علينا نحن حبات البذار ربيعاً تلو ربيع، لتظل الاغنيات الكبرى مع الحلم مشعلنا نحن القابعين بين زنازين سجن القلعة وجده، محتضنين الوطن والقضية بقوة كاحتضان قبضتنا لجمر النار.
ومن عادة السجن والسجناء، والسلطة والمعتقلين المواجهة المتوترة في تلك البقعة، في تحديات الصراع بين الحقوق والكبت، فتشهد عملية الشد والجذب حالة من العصيانات والاضرابات والاحتجاجات والعرائض، يدفع بسلطات السجن وإدارتها لتفهم حقوق المعتقلين، الذين يعاملون في الشهور الاولى بنوع من العقاب والعدوانية المتناهية، بل ويتم خنق السجين في محيط زنزانته بشتى وسائل المنع والحرمان.
مكثنا في الشهور الاولى وعلى مدار العام في حالة تجاذب مستمر بين قطبي الصراع، تنتهي احياناً بانتزاع مكاسب صغيرة جداً، وبمقياس السجين تشكل خطوات مهمة للغاية، كفرص الاستحمام والتنزه القصير لعشر دقائق خارج جدار الزنزانة، او السماح باستلامك حاجيات ورسائل وارسال رسائل، ولقاء العائلة حتى وان كانت بعد شهور، وتظل المطالب لامتيازات اخرى صراع حيوي مستمر كجزء من علاقة جدلية بين المعتقلين وإدارة السجن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها