النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

الجديد الذي لا يستطيع أحد أن يقاومه أو يرفضه

رابط مختصر
العدد 9839 الخميس 17 مارس 2016 الموافق 8 جمادى الأخرى 1437

احتل سائقو التاكسي في القاهرة، أحد الميادين العامة وكوبري أكتوبر في أحد أيام الأسبوع الماضي لعدة ساعات، فأحدثوا ارتباكاً شديداً في مدينة من أكثر مدن العالم ازدحاما بالسكان وبوسائل المواصلات، احتجاجاً على صمت الحكومة على شركات تنافسهم في أكل عيشهم، وتتولى تنظيم ممارسة أصحاب السيارات الخاصة للعمل الذين يقومون به عبر الاتصالات الإلكترونية، حتى ارتفع عدد هذه السيارات - في العام الأخير - إلى عشرة آلاف سيارة.
وكان المنطق الذي استند إليه المحتجون، هو أن القانون يعطيهم حق احتكار العمل في مجال نقل الركاب بأجر، ويفرض عليهم مقابل ذلك الضرائب ويعفى منها أصحاب السيارات الخاصة، التي يحظر القانون عليها أن تقوم بهذا العمل، وإن صمت الحكومة على هذه الشركات، قد أعطاها ميزة تنافسية، مكّنتها من اجتذاب الذين يحتاجون إلى هذه الخدمة، فأحدث ذلك ركوداً ملحوظاً في إقبالهم على استخدام التاكسي.
ولم يجد سائقو التاكسي من يتعاطف معهم من الركاب، الذين أجمعوا على أنهم أساءوا استغلال الاحتكار الذي منحه لهم القانون، في إهدار حقوق الذين يستخدمونه بصورة بشعة ومنقطعة النظير، فهم يقومون بتعطيل أجهزة التكييف في سياراتهم، ويتعمدون تعطيل العدادات التي تحدد سعر المسافة، بحيث تضاعف الأجر القانونى لها، ويرفضون الذهاب إلى أماكن بعينها، ويجبرون الراكب على الاستماع إلى ما يفضلون هم سماعه من برامج الراديو أو أشرطة الأغاني، ولا يكفون عن الثرثرة مع الراكب، ولا يرتدون أزياء مناسبة أو نظيفة.. إلخ، وبرروا إقبالهم على الخدمة الجديدة، بأنها خدمة عصرية، بدأت تغزو العالم كله، إذ يستطيع كل من يحتاج إلى تاكسي أن يتصل بالشركة هاتفياً أو عبر البريد الإلكتروني ليطلبه، فيصل إليه حيث يقيم أو يقف، وينقله إلى المكان الذي يريد، بعد أن تسجل لديه كل البيانات التي تتعلق بالسيارة، من رقمها إلى اسم السائق وصورته إلى خط سيرها، وتستطيع أسرته أن تتابع حركة السيارة حتى تصل به إلى المكان الذي يقصده ليدفع الأجر عبر «الفيزا كارد» ويحصل على فاتورة بذلك، فضلا عن أن السائق يقضي فترة تدريب يتلقى خلالها دروساً في معاملة الركاب.
وفي المناظرات التليفزيونية الكثيرة التي دارت خلال الأسبوع الماضي حول الأزمة، أنكر كل المتحدثين باسم نقابة سائقي التاكسي، كل الانتقادات التي وجهها الركاب إلى أعضائها، واعتبروها حملة تشهير إعلامية منظمة، تشنها الشركات المنافسة، وتمسكوا بحقهم في احتكار الخدمة، دون أن يعدوا بتحسينها أو يتقبلوا الاقتراحات التي قدمت لهم، بأن يطوروا الخدمة ويؤسسوا شركات أو جمعيات تعاونية لتطوير ما يقومون به من خدمات، على نحو يجعلها تصمد أمام المنافسة.
ولا يختلف ما فعله سائقو التاكسي في الأسبوع الماضي عما فعله الحمارون والعربجية في مناسبات تاريخية سابقة إذ كان الحمار هو تاكسي العاصمة حتى العقود الأولى من القرن العشرين، وكانت له مواقف محددة في الميادين العامة، يتجه إليها الركاب الذين يبحثون عن وسيلة نقل داخل المدينة، وكانت «العربية الكارو» هي وسيلة النقل الجماعي للبشر والبضائع.. ثم بدأت وسائل العصر الحديث في النقل تزحف على العاصمة، فعرفت «عربات سوارس» التي أسسها مليونير سويسري يقيم في مصر ويحمل هذا الاسم، وهي عربات خشبية تسير على قضبان في خطوط منتظمة، وتجرها البغال أو الخيول، ثم السيارات التي كانت تسمى بـ «الأوتومبيل» ثم أتوبيسات النقل الجماعي ثم التاكسي.
 وفي كل مرحلة من هذه المراحل، كان الجديد يجاور القديم لفترة، ثم يبدأ في منافسته تدريجياً، إلى أن يسحب البساط تماماً من تحت قدميه، فيحتج الذين يأكلون عيشهم من القديم، ويقدمون العرائض والالتماسات وينظمون المظاهرات، يطالبون فيها بحمايتهم من الجديد الزاحف باعتبارهم أصحاب حق تاريخي في احتكار المهنة ثم يستسلمون في النهاية للأمر الواقع.. فيؤهلون أنفسهم للعمل بالجديد، أو يبحثون لأنفسهم عن مهنة أخرى.
وحتى منتصف القرن العشرين، كان الطربوش هو الغطاء القومي لرؤوس الرجال المصريين والعرب، مع أنه في الأصل زي يوناني انتقل إلى الأتراك، وشاع في البلاد العربية التي احتلوها، وكانت التقاليد تلزم موظفي الحكومة وطلاب المدارس بألا يذهبوا إلى مكاتبهم أو مدارسهم، إلا وهم يضعون الطرابيش على رؤوسهم ولا يدخلوا على رؤسائهم برؤوس عارية، ولم يكن هناك شارع في القاهرة يخلو من محل طرابيش يعمل في غسل وكي وإصلاح الطرابيش.
وحين فكر عدد من الشباب المصريين في ثلاثينات القرن الماضي أن يحققوا استقلال مصر الاقتصادي، وينافسوا الصناعات التي يسيطر عليها الأجانب، أسسوا «جمعية القرش» التي قامت بجمع قرش من كل مصري، لتأسيس مصنع وطني، اختاروا أن يكون مصنعاً للطرابيش، إذ وجدوا أنه من العار أن يستورد المصريون غطاء رؤوسهم، وهو شعارهم القومي من بلد أوروبي هو النمسا.
وبعد أقل من عشرين عاماً على إنشاء هذا المصنع، توقف خلالها عن الإنتاج، قامت ثورة 23 يوليو 1952، وكان قادة الثورة الجديدة، وهم من العسكريين، قد استبدلوا الكاب بالطرابيش ثم بدأوا يظهرون في المناسبات العامة برؤوس عارية، وفى خلال شهور قليلة، اختفت التقاليد التي كانت تفرض على المصريين أن يذهبوا إلى أعمالهم ومدارسهم وهم يرتدون الطرابيش، وبعد أقل من عام على الثورة، اختفى الطربوش تماماً، وغضب الذين يعملون بالمهنة؛ لأن الجديد قطع عيشهم وأرسلوا العرائض وهددوا بالتظاهر إذا لم يعد الطربوش، ثم استسلموا مع الأمر الواقع، وحولوا متاجرهم إلى محلات لكي الملابس، أو لتجارة البقالة والخردوات.. ولم تعد الطرابيش تظهر إلا في أفلام السينما ومسلسلات التليفزيون التي تروي وقائع زمن الطرابيش والبراقع.
ذلك هو الدرس الذي ينبغي أن يتذكره ويتعلمه سائقو التاكسي وغيرهم من الساسة والمفكرين الذين يتوهمون أن أحداً يستطيع أن يتجاهل الجديد الزاحف أو يتصدى له أو ينتصر عليه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها