النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

هزيمة داعش في تونس..

سقوط التوحش في مواجهة الدولة المدنية الموحدة

رابط مختصر
العدد 9838 الأربعاء 16 مارس 2016 الموافق 7 جمادى الأخرى 1437

تونس بلد متواضع الإمكانات على الصعيد الاقتصادي والمالي، ولا تمتلك أقوى جيش، ولا اقوى جهاز أمن، ونسبة البطالة بين الخريجين الجامعيين فيها تصل إلى أكثر من 15%، وبالرغم من الاهتزازات التي تعرضت إليها خلال السنوات الخمس الماضية، استطاعت سياسيا ان تعبر بسلام إلى «الوسط السعيد»، ولكنها لاتزل تعاني من الإرهاب الذي نجم في غالبيته العظمى عن الوضع الليبي المجاور، ولكن اللافت حقيقة أن هذا البلد العربي الصغير، بإمكانياته المتواضعة، استطاع أن يهزم مشروع الدواعش في منطقة بن قردان الحدودية، فقد نجح الجيش التونسي والحرس الوطني وقوات الأمن المواطنون العزل من هزيمة مشروع الدواعش في إعادة إنتاج «الإمارة» التي أعلنوها في الرقة أو في الموصل، بالرغم من كلا من سوريا والعراق يمتلكان مقدرات مادية وعسكرية وبشرية ضخمة.
السؤال هو لماذا انهزم الدواعش في أول مواجهة مباشرة لهم في تونس، بالرغم من الإمكانيات الهائلة العسكرية واللوجستية والمالية والبشرية التي وظفوها، في حين نجح هؤلاء بكل يسر في سوريا وفي العراق وفي ليبيا؟
صحيح أن هذه هي اكبر مواجهة مباشرة بين الجيش التونسي والقوى الإرهابية الداعشية داخل الفضاء العمراني في مدينة تونسية، وأن المستقبل قد يحمل المزيد من هذه الهجمات الإرهابية، إلا أن هنالك عدة نقاط تحتاج إلى التوقف عندها بقدر من الاختزال للإجابة على هذا السؤال:
- أولاً: أن هذه أول هزيمة حقيقية لداعش أمام جيش نظامي عربي (حوالي 60 من هؤلاء الإرهابيين تمت تصفيتهم بالكامل في ملحمة حقيقية بالنظر إلى أعداد أفراد القوة الغازية والإمكانيات التي سخروها) بما يعني عملياً سقوط هالة داعش وتكتيكاتها القائمة على الإرهاب والترهيب والتوحش والتخويف، حيث وجدت هذه القوة الغازية دولة مدنية متماسكة سياسياً، وقوة نظامية لها عقيدة قتالية وطنية لا تخترق، بعكس ما حدث في سوريا والعراق وليبيا (فلا دولة بالمعنى الكامل بعد تمكن المليشيات من البلاد، ولا جيش بالمعنى الكامل بعد إسقاطه أو تسقيطه ضمن موجهة الفوضى الخلاقة التي يقودها الأمريكان).
- ثانيًا: من الواضح جداً -وهذا هو الأهم في تقديري- عدم وجود أي حاضنة شعبية للإرهاب في هذه المنطقة -بعكس ما اعتقد الدواعش- والدليل على ذلك أن أفراد الشعب العزل -نساءً ورجالاً- كانوا أول من هب لمقاومة الإرهابيين بالإمكانيات البسيطة المتاحة، بل، حيث التحم المواطنون بقوات الجيش الوطني والقوى الأمنية بكافة أسلاكها، مما يعني أن عملية غسل الدماغ الواسعة التي قام بها الإسلام السياسي - بكافة تشكيلاته - في السنوات الماضية لم تمس جوهر الوطنية التونسية، إذ بقي الوطن كقيمة مقدساً، وحرمة التراب الوطني خطاً احمر ثابتاً لا يتزعزع.
- ثالثًا: أن الوحدة الوطنية في تونس -بالرغم من الاختلافات الموجودة في المجتمع السياسي من اليمين إلى الوسط واليسار- ظلت الثابت الأساسي في مواجهة النزعات الطائفية واللامدنية وفي مواجهة العدوان الخارجي، مهما كان شكله، كما بقيت هذه الوحدة كإطار للمساهمة في حماية الوطن والدفاع عن حياضه، كما أن الحياة الجمعياتية (سياسية أو ثقافية أو اجتماعية أو مهنية) لم تكن موالية للأجنبي أو للغير، بل كانت أحد أهم فضاءات المقاومة الثقافية وحصناً من حصون الهوية الوطنية والقومية، ومدرسة لتربية المواطنين وخاصة الشباب وتنشئتهم على حب الوطن والدفاع عنه، وزرع قيم الوطنية بين كافة شرائح المجتمع، فكانت الجمعيات خير رافد للحركة الوطنية، وخير سند للمقاومة في تصديها للمستعمر في السابق وفي تصديها للإرهاب على الصعيد الوطني، وتصديها للصهيونية ولأعداء الأمة العربية على الصعيد العربي.
- رابعًا: أن الوفاق الوطني الذي تحقق في تونس بعيد الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة التي جرت في العام 2014م قد سحب البساط من تحت أقدام القوى الدينية المتطرفة التي انتشرت واتسع نطاق تأثيرها بعيد انتفاضة 2011م، وبخاصة بعد التصالح بين العلمانيين وبين الإسلام السياسي المعتدل الذي وافق على دستور يكرس مدنية الدولة، ويكرس الحقوق المدنية والحريات العامة والخاصة، وحرية الضمير والمعتقد، وحرية المرأة ويقر بالمكتسبات التي تحققت لها في الفترات السابقة، حيث وجد المتطرفون الإرهابيون أنفسهم نتيجة لذلك معزولين، وفي مواجهة مع الجميع، وتلك العزلة هي أول مدارج الهزيمة.
- خامسًا: إن نجاح التجربة الديمقراطية الجديدة قد كرس الدولة الديمقراطية التي في أساسها دولة قانون، مما يؤدي في النهاية إلى تكريس السلم النهائي، وتونس هي في الأساس دولة قانون، لكن كلما تمسكت بقيم قانونية، تحررت سياسيا.. كما أنها كلما عززت الإصلاحات السياسية، تجذرت لديها مبادئ احترام القانون. والتاريخ شاهد على ذلك، إذ أنها رسخت فكرة سلطان القانون منذ أول دستور لها قبل ثلاثة آلاف سنة (وهو دستور قرطاج الشهير).. مرورًا بدستور عهد الأمان الصادر في 1857 والذي اعتبر آنذاك إعلانا لحقوق الإنسان، ثم الدستور الذي تجسد في 1861، وهو أول دستور عربي إفريقي مكتوب بالمعنى الحديث. ثم تواصل المد الإصلاحي والتعلق بفكرة الدستور والقانون مع الاستقلال، فوضعت تونس لنفسها دستورا جديدا في 1959م، ثم جاء التحول الأخير بعد 2011م بإعلان دستور يكرس جل المكتسبات السابقة ويزيد عليها.
ولذلك أعتقد أنه وبالرغم من الصعوبات الاقتصادية والمالية الجمة وبالرغم من اهتزاز الوضع الإقليمي وتأثيراته السلبية على تونس، فإن لا خوف على هذا البلد العربي مادام هنالك دولة وجيش وطني وشعب يرفض الإرهاب والتدخل الخارجي.
درجة فوق الهمس:
نحب البلاد كما لا يحب البلاد أحد.
نحج إليها مع المفردين
عند الصباح وبعد المساء ويوم الأحد.
ولو قتلونا كما قتلونا،
ولو شردونا كما شردونا،
ولو أبعدونا لبرك الغماد،
لعدنا غزاة لهذا البلد.
وأقسم بربي الذي أقام السماء
بدون عمد، لو أن في الأرض
ركنا يشد إليه، دون الذي
في الحجاز، ليممت وجهي لهذا البلد.
الشاعر التونسي الصغير أولاد حمد

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها