النسخة الورقية
العدد 11178 السبت 16 نوفمبر 2019 الموافق 19 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

مطارحات

ضد الحرفية والتعصب: «ربيع الثقافة» في مواجهة «خريف الركاكة»!

رابط مختصر
العدد 9836 الإثنين 14 مارس 2016 الموافق 5 جمادى الأخرى 1437

في كل مرة يعود فيها ربيع الثقافة بروحه وألوانه وحلته وبرمجته الفرائحية، وبحضوره اللافت، رغم الألوان الكالحة التي تركت الأزمة الاقتصادية - المالية بصماتها على الحياة العامة، في كل مرة يحدث ذلك، اشعر بنوع من (انتصار) الثقافة على البلادة وانتصار الفرح على الحزن، وانتصار الحياة على الموت في المحصلة النهائية. فقد أصبح الربيع ثابتاً من ثوابت الحياة الثقافية البحرينية، بل ونجح أيضًا في ان يكون له مصافحة مع الإقليم، حيث يتردد على الحفلات التي تنظم ضمن هذه البرمجة المئات من ابنا الجوار الخليجي.
أقول (انتصاراً) مع انه مؤقت ضمن المنازلات الطويلة وغير المنتهية مع (الحرفية) و(التخلف الفكري) والتعصب والمحافظة القاتلة، فبالرغم من الملاحظات المسجلة على البرمجة وبعض فقراتها، فقد انتهى على الأقل ذلك الصوت العالي المستفز المعادي للثقافة بشتى أشكالها، استنكاراً وتحريماً واستهجاناً، ولكن هل انتهى إلى غير رجعة؟؟!!
بالطبع نكون واهمين إذا ما اعتقدنا ذلك؛ لأن المنازلات مع التعصب والتصحر الثقافي سوف تظل قائمة ومستمرة، لكن المشكلة تتمثل في اهمية وضرورة التصالح مع المثقفين الذي لديهم بعض الملاحظات على المهرجان، فبالرغم من كم الفرح الذي ادخله المهرجان ببرمجته المتميزة على النفوس والعقول، تظل هنالك بعض الانتقادات بين أوساط المثقفين، وتتركز: «ما يقال عن تهميش للثقافة المحلية...» في هذه البرمجة، ولا شك أن أي رؤية موضوعية لتجربة ربيع الثقافة - تقتضي منا توضيح الجوانب وتفحصها في سياق الواقع الثقافي الوطني:
- أولاً: أن هذا المهرجان قد أثرى الفضاء الثقافي البحريني بشكل ملحوظ وأصبح يمتلك قدرة على الجذب والتأثير بين أوساط النخبة، ولكن مع ذلك يمكن تعزيز الشراكة بين قطاع الثقافة والتراث والمثقفين على أوسع نطاق ممكن. ومهما يكن الموقف والموقع، ووجاهة اعتراض المعترضين عن «تحجيم الحضور الثقافي المحلي»: فإن البديل عن ربيع الثقافة، على الأرجح وفي المدى الفوري والمنظور، هو المزيد من الكآبة العامة التي تنتجها دكاكين السياسة التعيسة، خاصة وان المعترضين والمحتجين، لا يمتلكون بديلاً واضحاً يقومون بتفعيله والنضال من أجل بلورته وطرحه للنقاش العام على مدار العام، وليس بمناسبة انطلاق فعاليات هذا المهرجان، من موقع رد الفعل، وليس من موقع بناء الفعل الايجابي.
ومهما اختلفنا على آليات تنظيم هذا المهرجان، وجدولة برنامجه الحافل او عن الأسماء والفقرات، فإننا لا يمكن إلا إن نعتبره حالة إيجابية استثنائية لطرد الكآبة التي فرضها علينا المشتغلون بالسياسة بمختلف مواقعهم، وفعالياتهم وندواتهم المليئة بالصراخ والنواح طوال العام، فضلاً عن ان المهرجان فرصة لتجسيد التواصل بين الثقافات يجعل البحرين عنواناً للذوق الرفيع، خاصة أن أصواتًا كثيرة قد باتت تعلن صراحة معاداتها للثقافة الرفيعة وللتواصل الحي مع العالم..
- ثانياً: الأمر هنا يتجاوز المهرجان إلى فكرة وشعار الاستثمار في الثقافة الذي أصبح هدف كل الدول التي تحترم شعوبها، وتسعى إلى الارتقاء بذوقها وفكرها، والدول التي استثمرت في الثقافة والعلوم هي الدول التي استطاعت أن تنتقل إلى مجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة بالفعل وليس بالشعارات، وإن الاستثمار في المعرفة ونشر الثقافة الرفيعة عبر وسائل الإعلام الجماهيرية يجعل الثقافة ذاتها جماهيرية، ويصبح الفكر فيها جماهيرياً والمعرفة ملكاً مشاعاً، والفن يسكن في خيال وضمير كل إنسان، وفي كل بيت وصف دراسي، والذين يحاربون حضور الثقافة والإبداع فإنهم في الغالب أولئك الذين يعملون على تنميط المجتمع وقولبته.
- ثالثاً: إن الثقافة اليوم ليست شكلاً من أشكال الترف الفكري، بل إنها سند للمشروع السياسي، لأن كل مشروع سياسي مشروع ثقافي إن لم يسبقه أو يبشر به، ونقصد هنا الثقافة التي تدعم الإيمان بالذات كمدخل أساسي لربط قنوات التواصل مع الآخر، لتسهم في الحضارة الإنسانية وتحتل فيها مكانة، فطوال تاريخها الممتد في الزمن حافظت البحرين - مع تعلقها بأصالتها وهويتها - على صلاتها ببلدان العالم، كما تؤكد ذلك الروابط الاقتصادية والثقافية والحضارية التي نسجت عبر القرون، حيث كانت ولا تزال مهداً للتنوير والتحديث والابتكار، ومنبتاً للعلماء والمفكرين والأدباء، بموقعها المتميز في الثقافة العربية الإسلامية، وبمكانتها المرموقة في فضاء الإبداع على المستوى الخليجي، وبتفتحها على العالم العربي وعلى الحضارات الأخرى.
وإذا كان للثقافة هذه الأهمية الحيوية في حياة البحرين، فمن الطبيعي أن يكون الاستثمار فيها أولية لا تقل أهمية عن الاستثمار في السكن والتعليم والصحة، لان الإنسان لا يحيا بالخبز وحده.. بل إن الثقافة جزء حيوي من مكونات الإنسان وحاجاته الأساسية كانسان له تاريخ ووعي ووجدان، ومن هنا يجب أن يحتل قطاع الثقافة مكاناً بارزاً في حياة المجتمع، والبحث عن مزيد من مصادر التمويل، ضمن خطة وطموحة تكون شراكة بين الدولة والقطاع الخاص، بعد أن تبين أن المتطلبات متزايدة وان المجهود الحكومي - رغم أهميته - لم يعد يكفي لوحده لتجسيد تلك الطموحات، لأنه غير قادر على تحمل كافة الأعباء بمفرده.. لذلك لا بد من فتح الباب أمام المبادرة الخاصة عن طريق الرعاية والتبني والشراكة، والاستفادة من دعم المنظمات الدولية المختصة، خاصة وأن الدراسات المستقبلية تؤكد أن المستقبل سيكون للثقافة دور حاسم فيه، فالتحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم تؤكد أنه لا بديل عن التميز الثقافي لدخول ساحة المنافسة، مما يستدعي صياغة سياسة ثقافية تهدف إلى إبراز الطاقات الإبداعية المحلية وتنويع حقول وفضاءات العمل الثقافي والاستفادة من المثقفين الكثر الموجودين في كل مكان وموقع، ومن هذا المنطلق نعتبر أن مهرجان «ربيع الثقافة» - رغم كل ما يوجه له من انتقادات - إضافة من نوع ما تستحق الإشادة..
همس
رائع أن نسكن البيوت،
أن نفتح النوافذ،
وفي الأبعاد أن نرافق السحب.
رائع أن نبقى،
رائع لو نبقى
كأبراج قديمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها