النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11206 السبت 14 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:25AM
  • الظهر
    11:32PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

درس من أحد السجون الألمانية

رابط مختصر
العدد 9834 السبت 12 مارس 2016 الموافق 3 جمادى الأخرى 1437

تقول الحكاية إن السجناء كانوا يعانون من قسوة حراس أحد سجون ألمانيا الشرقية في حقبة الحكم الشيوعي في الستينيات، وبالتالي كانت المعاملة أسوأ ما تكون، فلا رياضة أو ترفيه أو زيارات عائلية، فالسجن عبارة عن مقبرة للجميع ربما للحراس أنفسهم، باستثناء سجين واحد فقط يدعى شميدت أدرك منذ دخوله السجن كيف يتعامل مع الحراس ربما ليخفف عن نفسه فترة سجنه الطويلة.
لقد حصل شميدت على امتيازات جيدة ومعاملة أقرب للاحترام من قبل حراسه ورؤسائهم، بصورة جعلت بقية السجناء يشكون في زميلهم، وكان سؤالهم فيما بينهم: «ربما كان شميدت مخبراً من السجن بيننا، فكل ما يحصل عليه من امتيازات تؤكد أنه عميل مزروع وسطهم». ولم يفلح قسم شميدت لزملائه بأنه لا يرتبط بأي علاقة بالأجهزة الأمنية، وأنه سجين مثلهم.
مهما حلف شميدت للسجناء بأغلظ الإيمانات فهو كاذب بنظرهم، فالعين تكذب ما يقوله والمعاملة التي يلقاها فوق العادة جعلت بقية السجناء لا يصدقون زميلهم السجين.
حتى اتفقوا ذات ليلة وهو مشغول عنهم بسؤاله مباشرة عن سبب معاملة الحراس الحسنة له في حين يعانون هم الأمرين والجلد والضرب والتعذيب.
في الواقع، ألح السجناء كثيراً على شميدت ليفصح لهم عن سر هذه المعاملة المميزة وكأنه غير محكوم عليه في قضايا سياسية تعتبرها حكومة ألمانيا الشرقية آنذاك من كبرى الجرائم وتصل الى حد الخيانة العظمى، مما يستوجب تلقيه تعذيباً وضرباً كل دقيقة.
ألح السجناء كثيراً ولكن شميدت رفض مراراً أن يفصح لهم عن سر هذه المعاملة له، الى أن ضغطوا عليه بشدة ويبدو أنهم هددوه إذا لم يكشف لهم السر فاضطر صاغراً للبوح بما خفي عنهم، فسألهم: «أخبروني أولاً ماذا تكتبون في رسائلكم الأسبوعية لأقاربكم؟».. فأجابوا جميعاً قائلين في نفس واحد: «نحكي في رسائلنا عن قسوة السجن والظلم الذي نتكبده هنا على أيدي هؤلاء الحراس الملعونين»..
وهنا كانت المفاجأة بعد أن كشف لهم الحقيقة وفي الواقع لم تكن مرة أو مريرة وإنما تنم عن ذكاء فطري خارق استأثر هو به عمن سواه، فقال شميدت: «أنا عكسكم تماماً حيث أحكي في رسائلي الأسبوعية لأسرتي وأقاربي عن محاسن السجن والحراس ومعاملتهم الجيدة هنا وحتى أنني أحياناً أذكر أسماء بعض الحراس الشخصية في رسائلي وامتدحهم كذلك»..
وهنا قاطعوه بشدة ليسألوه مجدداً: «وما دخل هذا كله في الامتيازات التي تحصل عليها وأنت تعلم إن معاملتهم قاسيه جدا؟». استطرد السجين شميدت رغم استيائه بسبب مقاطعتهم له قائلاً: «ولم لا امدحهم!..
ورغم أني سجين مثلكم والسجن حياته صعبة وأيامه مريرة ومرة إلا أني فكرت في هذه الوسيلة ليقيني التام بأن رسائلنا لا تمر مرور الكرام من بين أيدينا لأسرنا مباشرة، فهي تمر عبر وسائل تفتيش وتحرٍ ودراسة معمقة لما نكتبه هنا، حتى أننا مثل الكتاب المفتوح للحراس ومسؤولي السجن الأعلى مستوى، فهم يعرفون عنا أكثر مما نعرف عن بعض، نظراً لما نكتبه في خطاباتنا لأقاربنا، وهم يحللون هذا، فمن كتب مدحاً فيهم لاقى معاملة حسنة، ومن ذمهم فليس منهم بطبيعة الحال ويكون جزاؤه التعذيب والضرب والإهانة». وهنا فهم الجميع مضمون الرسالة وفكروا ملياً في تغيير أسلوب خطاباتهم القديم ليقلدوا زميلهم المميز جداً شميدت، وانتظروا النتيجة الايجابية لتغير نمطهم القديم وغاصوا جميعاً في أحلام يقظة وكيف ستتبدل أحوالهم من النقيض للنقيض لينعموا بأيام سعيدة داخل محبسهم.
غير أن النتيجة كانت مغايرة تماماً لهم بل ومفاجأة غير سارة بالمرة، بعد طول أحلام وانتظار لتحسن المعاملة حيث طبقوا النصيحة بحذافيرها وزادوا عليها، إلا معاملة الحراس للسجناء تغيرت ولكن ليس للأفضل بل للأسوأ، والمفاجأة الأكبر أن هذه المعاملة طالت شميدت نفسه ولم يعد مميزاً بل نال معاملة أقسى أنسته ما فات من أيام كانوا يحترمونه ويعاملونه برفق ولين.
هذا التغير الصعب دفع شميدت لسؤال ممن أفشى لهم بسره: «ماذا فعلتم لتتغير المعاملة هكذا؟»..
ويبدو أنه بذكائه الفطري أدرك خطأهم فسألهم: «ماذا كتبتم في رسائلكم الاسبوعية لأسركم؟». إجابة السجناء كانت مفاجأة لشميدت ومفجعة في نفس الوقت، حيث ردوا جميعاً: «كتبنا أن شميدث علمنا طريقة جديدة لكي نخدع الحراس الملاعين ونكسب ثقتهم ورضاهم وذلك بمدحهم بالكذب في الرسائل الأسبوعية!»..
فما كان من شميدت إلا أن لطم خديه حسرة ندماً على ما قاله لهم، واندفع فيهم كالمجنون وهو يصرخ «هذا جزائي يا أغبياء، ألم أقل لكم إن الرسائل تقرأ من قبل الحراس، ورغم ذلك ذكرتم كل ما قلته لكم في رسائلكم..
بل لم تكتفوا بذلك حتى ذكرتم اسمي في رسائلكم وكشفتم حيلتي».. المهم أن الجميع دون استثناء عانى من ويلات التعذيب والقمع، بل كان أكثرهم هذه المرة شميدت نفسه صاحب النصيحة.
الهدف من الحكاية، أن النصيحة مطلوبة وجميل أن نسدي النصائح لغيرنا خاصة في أوقات المحن والشدائد والمصائب، فهكذا علمنا الدين السمح، فكل ما جاءت به السنة النبوية كانت عبارة عن أجوبة على أسئلة ونصائح للصحابة وعموم المسلمين لتكون لنا سنة محفوظة ليوم الدين.
ولكن في حالة شميدت وغيره، فكان حرياً به أن يدرك أن سره لو أفشاه لشخص واحد فقط فكأنه أفشاه للجميع، وهكذا كانت النتيجة الطبيعية، حيث انقلب عليه الحراس ليحولوا حياته الى جحيم وعذاب بعد المعاملة المحترمة، وكان حرياً بشميدت هو وغيره يعرف مع من يتكلم، لأن ليس كل مستمع حافظ للسر، ولعل البعض يسيء التصرف بدون قصد أو عمد، فتكون النتيجة كما رأيناها شاخصة في حالة المدعو شميدت الذي وثق في البعض فأضروه.
ربما يقع الخطأ على شميدت نفسه لأنه فكر بالطريقة التقليدية ولم يجتهد في البحث عن حلول جديدة لخدمة زملائه السجناء، ولو فعل هذا لتجنب الحرج وفي نفس الوقت قدم لهم خدمة جليلة ساعدتهم في التغلب على مصائبهم بدلاً من مضاعفة تلك المصائب والمعاناة.
حكاية شميدت والسجناء ليس الغرض منها سردها لمجرد السرد، فما أحوجنا نحن معشر البشر أن نبحث بحق عن حلول خلاقة لمشاكلنا، وأن نفكر بطريق جديدة غير تقليدية، فكل مشكلة لها حل كما هو معروف، ولكن ربما كان هناك حلول متعددة لنفس المشكلة، لأن ما يصلح معي لا ينفع غيري وهكذا..
وعلى سبيل المثال، عندما يشكو الإنسان لصديق له من هجر حبيبته له، فيسارع هذا الصديق لإلقاء نصيحته فوراً وربما تكون قاتلة وفي غير محلها، وربما اعتمد هنا على تجربته الشخصية في الحب والهجر ولم يراعِ اختلاف الحالة.
وهنا يتطلب الموقف اختيار الشخص المناسب لسؤاله النصيحة الأمينة.
فكما تختلف بصمات أصابعنا، تختلف نوايانا ومشكلاتنا، حتى الحلول تختلف وتتمايز من أزمة لأخرى، فهي بنا نبحث عن حلول خلاقة لحياتنا كي نسعد بها، ولعل من أهم الحلول ألا نضيق بهذه الحياة، فما أرحبها دنيا وما أسعدها إذا نظرنا إليها بسعادة.
وأخيراً، يقولون «ياما في السجن مظاليم».. ونرد عليهم «ياما في السجن مواعظ ودروس».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا