النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

ضياعنا وضيعتنا...

نحو استعادة خطاب السماحة والتسامح

رابط مختصر
العدد 9831 الأربعاء 9 مارس 2016 الموافق 29 جمادى الأولى 1437

ما أحوجنا إلى استعادة خطاب السماحة والتسامح الذي درجنا على الاستماع اليه صغاراً، خطاباً مؤثراً ونشأنا على إيقاعه العميق: خطاب محبة وتواضع ووحدة وتضامن، بعيداً جداً عن خطاب التكفير والتلبيس والتفليس وإخراج الناس من الملة ومن الأمة، وبعيداً عن خطاب التحريض والتدافع والدفع بأبناء الوطن إلى التقاتل والاقتتال، وبعيداً عن خطاب الكراهية المركبة من الأحقاد والضلال والأوهام، متمثلاً الأفكار والرؤى والبرامج السياسية للتيارات والجماعات التي تصنف اليوم ضمن تيارات الإسلام السياسي بسمات التطرف وتبرير العنف في إطار فقر البيئة الثقافية والفكرية وتفشي الإحباط بين الجماهير، حيث يسود تفسير متشدد للنص الديني، يدور حول فكرتين أساسيتين: فكرة التكفير، وفكرة التغيير بالقوة، تعبر عن فكرة التكفير مصطلحات مثل «الولاء والبراء، الحاكمية، الجاهلية المعاصرة»، كما تعبر عن فكرة التغيير بالقوة مصطلحات مثل «الجهاد»، «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، «الأخذ على يد الظالم».. ويضاف إلى قاموس التكفير مصطلحات الهجرة مثل «هجر المبتدع»، «قمع المخالف» «القوة في الحق»، و«العزلة».. وقد تنتهي النزعة الإقصائية إلى التكفير المنتهي بدوره إلى مصادرة حق المخالف في الرأي وتكفيره واستباحة دمه وماله، وانتهاء بالإقصائية بكافة تجلياتها لتمثل وجهاً كالحاً لخطابات التشدد القديمة والمعاصرة، والتي بواسطتها يستباح الحرام، وتراق دماء، وتزهق الأنفس.
ولأننا فقدنا ذلك الخطاب السمح المتسامح وجد المتطرفون الطريق إلينا بسهولة تامة: إلى عقول رجالنا ونسائنا وأطفالنا وشبابنا، ولأن الخطاب الديني الرسمي او شبه الرسمي السائد يبدو غير قادر على الإقناع أو مغالبة السيل الجارف للأفكار المنتشرة بقوة عبر الفضائيات والمواقع الالكترونية والمنتديات وعبر القوة الدعائية للجماعات الدينية السياسية المتطرفة التي تمتلك التمويل والدعاية والقدرة على التغلغل بين أوساط الشباب، كان الطريق مفتوحا امام الأفكار المريضة المشوه للعقول وللنفوس، لتتبنى أسوأ اشكال التطرف والاقصاء والتخريب بكافة اشكاله بواسطة خطاب مضلل خادع بعيد عن فقه المقاصد الذي بني على الغايات التي من أجلها وضعت أحكام الشرع وتهميش فقه الحياة والبناء والتركيز على فقه الموت والغياب. وتغييب دور المرأة وتهميشها وتحويلها الى جارية او سبية، بالتركيز على حجابها وجسدها مع تغييب شبه كامل للدور الذي يمكنها تأديته فكرياً وثقافياً واجتماعياً.
إن العالم في هذه المرحلة من التحولات في حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى ترسيخ خطاب موحد للإنسانية ومؤكد على وحدة الانسان وحقوقه في كل مكان، انطلاقاً من تعزيز قيمة التسامح لمجابهة الأنانية والنزعة نحو التحجر والتعصب في كل المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وإحلال الاطمئنان محل الخوف، والتضامن محل الإقصاء والتهميش في المجتمعات، فالتسامح قيمة محورية في التنمية وإليها ترجع كل قيم حقوق الإنسان وادواره. والتسامح قبل كل ذلك من جوهر ديننا الإسلامي الحنيف، وفي صلب تقاليدنا الاجتماعية، وهو تاج الفضائل وميزة تاريخ البحرين الذي يشكل مثالا لانصهار التنوع في البنية الحضارية، إلا انه وللأسف فإن نمو الاتجاهات الطائفية والعنصرية والتمييزية خلال السنوات القليلة الماضية بسبب سطوة تأثير الجمعيات والتيارات السياسية - الدينية الطائفية الانعزالية فكراً وممارسة، قد أدى إلى تنامي نزعات عدائية ضد الآخر - حتى الشريك في الوطن - وهذه التيارات تكرس جل جهدها اليوم لحفر الخنادق التي تعزلها عن الآخرين حتى بالنسبة إلى العناصر المكونة للنسيج الاجتماعي المحلي، فما بالك بالآخر بالمفهوم الديني والسياسي والثقافي والقومي خارج الفضاء الوطني.. وطالما أن هذه الجماعات تبني ويرخص لها بالعمل على أسس دينية - طائفية، فإنها لن تكون قادرة بتركيبتها تلك على استيعاب وممارسة قيم التسامح بكافة معانيها السياسية والدينية والثقافية، حتى وإن ادعت غير ذلك؛ لأنها تتحدث عن التسامح ولا تتبنى قواعده الفكرية المرجعية، بل الذي يدعو الى الاستغراب ان على رأس المتحدثين عن التسامح هم أولئك المتعصبون والطائفيون والحاقدون والعنصريون والشوفينيون، في حين أن التسامح يعني الاستعداد لاتخاذ الموقف المتسامح، فكراً وقناعةً وسلوكاً، وإذا كنا الى اليوم غير قادرين على تقبل اختلافنا بيننا وبين انفسنا فكيف سنكون قادرين على القبول باختلافنا مع الآخرين من خارج دائرتنا الثقافية والحضارية والدينية والقومية.
إن المشكلة متأتية من قوة تأثير التيارات الدينية والطائفية منها على وجه الخصوص فهي التي تتعيش على الحقد والتمييز والتعصب بكل اشكاله، فنظرياً يبدو التدين والإيمان عاملاً معززاً للتسامح والتضامن بين بني الانسان، وواقعياً تحول التدين بطابعيه المتطرف والطائفي الى أداة من الادوات التي يتم استغلالها لتعزيز الفوارق والكراهية بين الناس، ولا أدل على ذلك من ان أغلب الحروب الوحشية التي شهدتها البشرية في العصور الوسطى أو في العصر الحديث قد لبست لباساً دينياً او طائفياً..
إن الأخذ بأسباب الحداثة وبمفاهيم وقيم الدولة المدنية وبخطاب الحداثة هل الحل، بل هو أساس التقدم، فالمدنية تختصر المسافة لأنها تجعل الدولة تنظر الى الانسان باعتباره مواطناً حراً بغض النظر عن دينه او مذهبه، وتجعل الدين مسألة شخصية بين العبد وربه علاقة حرة دون إكراهات من أي نوع كانت، فإنسانية الانسان هي القيمة المطلقة، ولذلك فمشروع الأنوار الذي شهدته اوروبا الحديثة قد جرد الوجود الإنساني من كل حضور ديني ضاغط ومتحكم كان يهدف الى محو الفوارق والتمييز على اساس ديني.

همس
العلاقة بين العقل والإيمان تخضع لثلاثة مقومات: المعرفي والشعوري والخضوع للدولة، وهذه التركيبة تتغير حسب الفترات التاريخية، ومن هنا يكون التفكير دينياً بشكل مغاير لما هو سائد ماساً بالبنية السياسية للدولة، ذلك ان الديني والسياسي يرتبطان، وتلك هي المشكلة اليوم في مجتمعاتنا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها