النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

الوقائع من دون وقيعة: أحداث البحرين.. الرواية الإعلامية!!

رابط مختصر
العدد 9829 الإثنين 7 مارس 2016 الموافق 27 جمادى الأولى 1437

للحكاية - أي حكاية - أكثر من وجه وأكثر من رواية.
الحكاية تتغير بتغير الراوي والرواة، حتى الوقائع قد تكون عرضة للتغيير والتعديل والتكييف بحسب الموقع والموقف. والهدف...
وليس المهم هنا هو الإخبار عن الوقائع، بل المهم هو النظر والتحقيق، وفقاً للمنطق الخلدوني..
]   ]
الأحداث التي شهدتها البحرين لها أكثر من رواية وحكاية، شأنها في ذلك شأن جميع الحكايات السياسية في التاريخ: الحكاية الرسمية للأحداث وحكاية المعارضة وحكاية الناس الذي هالهم ما حدث فوقفوا ضده وحكاية التآمر والتدخلات وحكاية الضحايا والآلام والجروح وحكاية اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق وحكاية الحوار والحوارات وحكاية الحل والحلول والمخرج والمخارج، وغيرها من الحكايات.
وبين هذه الروايات - بالمفهوم الإعلامي - للرواية روايات بينية، تزيد أو تنقص، وباختصار يمكن القول: إن الإعلام الرسمي يسوق لنا الحكاية الرسمية للأحداث، والإعلام المعارض يسوق روايته، والإعلام المهني يورد جميع الروايات دون ان يتبنى إحداها، ولكنه يرجح في النهاية رواية اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق.
وإذا كنا نتفهم مبدئياً موقف الإعلام الرسمي والإعلام المعارض من حيث أحادية النظرة، وتسخير كافة الإمكانيات لخدمة المصالح السياسية الضيقة لكل طرف فإنه من غير المفهوم أن يقع تحت طائل هذا الاستقطاب الإعلام المصنف مهنياً ومحايداً، والذي يفترض أن تكون الحقيقة هي هدفه الرئيسي والأساسي وربما الوحيد.
ولنضرب على ذلك أمثلة واقعية:
- لم نكن نتوقع من الإعلام الرسمي (في ظل الرؤية السائدة) أن يروي لنا الحكاية التي لا تتفق مع الرؤية الرسمية، أو ما تراه الجهة الرسمية، مع أن الإعلام في مجتمع ديمقراطي يفترض ان يكون مستقلاً عن جميع الأحزاب والتيارات السياسية وناقلاً للوقائع كما هي دون تكييف إيديولوجي، ومن وجهات نظر مختلفة، تقرب الصورة قدر الإمكان من الحقيقة.
- لم نكن نتوقع وما كان يجب ان نتوقع من قنوات مصابة بالهوس الطائفي مثل «العالم الإيرانية» وشبيهاتها الغارقة في بركان الأيديولوجيا الولائية المسخرة بالكامل لخدمة الرواية والرؤية الايرانية ان تروي لنا غير رواية المعارضة الولائية، بكل تفاصيلها، وبكل تحريضاتها السياسية وحتى الطائفية، بما في ذلك افتعال حكايات وروايات غير دقيقة أو حتى غير صحيحة بالمرة، وذلك لأنها الوجه الإيديولوجي التحريضي المكشوف والمعلن بفجاجة، تقابله فجاجة أخرى مماثلة في عدد من القنوات المناقضة لتوجهها تتجاوز بدورها مجرد الرواية إلى السباب والشتم والحط من الانسان بالكامل على أسس طائفية وغير أخلاقية، بل من شأنها بث الكراهية وهدم جهود التعايش والتسامح التي بذلت خلال عقود من الزمان.
- كنا نتوقع في المقابل أن تكون القنوات المعروفة بالمهنية مثل البي بي سي وفرنسا 24 أن تكون محايدة، أي انها وهي تروي الحكاية ترويها من عدة رواة دون ترجيح لواحدة على الثانية، وكان يفترض أن تكون رواية اللجنة المستقلة هي التي تأخذ المساحة الأكبر، لأنها الرواية الأكثر موضوعية وحيادية من بين الروايات التي اجمع الفرقاء على القبول بها بشكل إجمالي، ولكن هذا الأمر لم يتحقق بالصفة المعتادة، وانساقت هذه القنوات التي صدقنا أنها محترمة ومحايدة في بعض الأحيان وراء روايات كان من الواضح أنها مفبركة أو مبالغ فيها.
- الطريف هنا - ولكي نجمع الخيوط - أن هنالك حكاية أخرى تجسدها قناة الحرة الأمريكية التي تتماهى بنسبة مائة في المائة مع رواية المعارضة للأحداث، أي أنها تتماهى مع رواية قناة العالم الإيرانية، بما لا يمكن إلا ان يفضي الى القول إن الرواية الإيرانية والأمريكية لما حدث ويحدث في البحرين متطابقة، وليس الأمر هنا متعلقاً بالرواية فحسب، بل بالرؤية والتشخيص والحل، وقد يقول قائل: إن قناة الحرة - وان كانت أمريكية من حيث الملكية والتمويل - فهي في الأساس عراقية الإدارة، ضمن منظور طائفي، لكن هذا لا يجب أن يخفى أن صاحب «الدار والتمويل» هو من يفرض توجهاته وهو بالتالي هو من يفرض روايته للأحداث.. المهم في الموضوع هنا هو التأكيد على وجود نوع ملموس ومكرس من الاتفاق والاتساق والتنسيق بين الروايات الثلاث. وسوف يشهد التاريخ لاحقاً عندما يعاد كتابة الواقع والوقائع من دون اهداف وقيعية، بان اتساق الروايات قد شكل لحظة التقاء مصالح ضد الدولة البحرينية وليس ضد السلطة فحسب.
- لا نتحدث هنا عن الكذب الممنهج والمقصود لمجرد هتك صورة السلطة على حساب الحقيقة وشرف الكلمة المسؤولة، وعلى حساب واقع الحال في مجتمع يعلي من شأن الشرف والأسرة، أكثر من إعلائه لأية قيم أخرى، وانما نتحدث عن وقائع التاريخ، عن الحقيقة التي سوف تدرسها الأجيال القادمة في كتب التاريخ، وهذه الروايات المروية وفقا للمصالح موثقة كل كلمة فيها او صورة، ولا يستطيع الواحد التبرؤ منها بأي شكل، حياً او ميتاً. فالذي يقدم على مثل هذا الكذب هو أول من يعلم أنه يكذب، لأن كل كلمة في هذا الزمان موثقة ويمكن استعادتها صوتاً وصورة في أي وقت ويمكن مقارنة الوقائع بالتصريح لإدراك مرارة الحقيقة. وذلك لأن الذين لا يتحلون بالنزاهة الأخلاقية لا يمكن أن يحملوا مشروعاً لإعادة بناء المجتمع وإصلاح أحواله، من خلال نماذج بديلة.
همس
أمام طوفان الكلام والثرثرة لا تملك إلا أن تصاب بالغثيان. تتصفح الصحيفة فيصفعك الادعاء، تستعرض القناة فيؤلمك الادعاء، تستمع إلى الراديو فيحتاجك طوفان الثرثرة والحكمة المزيفة والابوية المتعالة. الجميع يتكلمون. الجميع يثرثرون. الجميع يغنون... كل من هب ودب بات يعلمنا، ويتطاول علينا، يتحدثون عن الفلسفة والايدز وطبقة الاوزون وعقدة أوديب والازمة الاقتصادية وفي موزمبيق والحرب الاهلية في روندا..
كلام، كلام، يغرقوننا به وفيه. ووسط هذا الركام من الهذيان وسهولة النشر والوصول الى القنوات، صار الفكر ضائعاً والإبداع تائهاً. والحقيقة ضائعة، وامتلأت الساحات بالمتطفلين وأنصاف الخبراء والادعياء من نوع (بتاع كلو). وهذا وجه آخر من مأساتنا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها