النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

هوامش دستورية على موسم حبس المثقفين!

رابط مختصر
العدد 9828 الأحد 6 مارس 2016 الموافق 26 جمادى الأولى 1437

أثار الحكم الذي أصدرته في الأسبوع الماضي محكمة جنح مستأنف بولاق أبو العلا، إحدى محاكم القاهرة، بحبس الصحفي والروائي الشاب «أحمد ناجي» لمدة عامين، بسبب نشره لفصل من روايته «استخدام الحياة»، وبتغريم «طارق الطاهر» - رئيس تحرير أسبوعية «أخبار الأدب» التي نشرته، عشرة آلاف جنيه، عاصفة من الاحتجاجات شملت - فضلاً عن مئات من الأدباء والمثقفين والصحفيين ورجال القانون وفقهاء الدستور والمعنيين بحريات الرأي والتعبير - عدداً من النقابات والمنظمات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني، كان على رأسها نقابة الصحفيين واتحاد الناشرين.
وكان وراء هذه الموجة العارمة من الاحتجاجات أسباب جدية، من بينها أن هذا هو الحكم الثالث من نوعه، الذي يصدر خلال شهور قلائل، بعد الحكم بحبس الباحث الإسلامي «إسلام بحيري» عاماً والشاعرة «فاطمة ناعوت» ثلاثة أعوام، وهو أكبر عدد من أحكام ومدد الحبس في جرائم النشر التي لا صلة لها بالسياسة، يصدر خلال عام واحد منذ عرف القانون المصري هذا النوع من الجرائم، مما أعطى الانطباع بأن هناك موجة منظمة من الملاحقات القضائية تستهدف حريات الرأي والتعبير والإبداع الفكري والأدبي والفني.
ما يلفت النظر في هذه الوقائع الثلاث، أن السلطة العامة التي كانت - في حالات سابقة - تتمثل في لجنة البحوث والنشر بمجمع البحوث الإسلامية، إحدى هيئات الأزهر، أو في مباحث المطبوعات والمصنفات الفنية، أحد أفرع وزارة الداخلية، لم تكن هي التي بادرت بتقديم بلاغات إلى النيابة العامة، في كل واحدة منها، بل بادر إلى ذلك محامون أو قراء، احترفوا - لأسباب مختلفة - تقديم هذا النوع من البلاغات، باعتبارهم ممن تضرروا من هذا النشر.
والحقيقة أن عزوف الأزهر - بالذات - عن إقحام نفسه في هذا النوع من القضايا وتوقفه عن تقديم بلاغات في هذا الشأن إلى النيابة العامة، وهي السياسة التي اتبعها منذ تولي المشيخة فضيلة شيخ الأزهر الحالي، هو خطوة إيجابية تستحق الإشادة والتقدير، لأنها أعادته إلى دوره الأصلي، الذي أناطه به القانون والدستور، باعتباره مؤسسة تعليمية أكاديمية، متخصصة في العلوم الدينية الإسلامية، تقوم على البحث والحوار، وليس سلطة اتهام، فضلاً عن أنها جنبته الدخول في معارك لا طائل من وراءها مع المثقفين والفنانين والمفكرين.
وبعزوف من الأزهر عن خوض هذا النوع من المعارك، أو تحريك هذا النوع من القضايا، عادت إلى مجالها الطبيعي، وهو نصوص الدستور والقانون التي تحكمها، وكان هذا هو ما استند إليه الذين احتجوا على صدور أحكام سالبة للحرية في القضايا الثلاث الأخيرة، إذ اعتبروا ذلك - عن حق - مخالفة صريحة للمادة 67 من الدستور المصري القائم، وتنص على أنه لا يجوز رفع أو تحريك الدعوى العمومية لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية أو ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة، كما تنص على ألا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد فإن المادة تنص على أن يحدد القانون عقوبتها، وللمحكمة في هذه الأحوال إلزام المحكوم عليه بتعويض جزائي للمضرور من الجريمة، إضافة إلى التعويضات الأصلية المستحقة له عما لحقه من أضرار منها.. وذلك كله وفقاً للقانون.
ذلك هو النص الدستوري الذي تجاهلته المحاكم التي قضت بحبس المتهمين في هذه القضايا الثلاث، وهذا هو مناط الاعتراض الذي استند إليه المحتجون، لأن قرار الاتهام الذي صدر عن النيابة العامة في كل منها طالب بتوقيع العقوبات التي تنص عليها مواد قانون العقوبات التي أحيل المتهم في كل منها بسبب مخالفته لها إلى المحاكمة، دون أن يلتفت أو تلتفت المحكمة التي أصدرت الحكم، إلى دفوع الدفاع عن المتهمين بأن عقوبة الحبس التي وردت في هذه المواد، قد ألغيت بنص صريح في الدستور.
ويختلف الفقهاء الدستوريون، عادة حول الجهة المخاطبة بمواد الدستور، فيذهب البعض منهم إلى أنها نافذة بذاتها، وأن القاضي يستطيع أن يحكم استنادا إليها دون ضرورة لصدور قانون بذلك، خاصة المواد التي تتعلق بالحريات، في حين يرى أغلبهم أن مواد الدستور خطاب للمشرع، وهو السلطة التشريعية التي يمارسها مجلس النواب، الذي يتوجب عليه أن يصدر القوانين التي تطبق مواد الدستور وتفصل ما أجملته نصوصها، وبالذات مواد الحريات، لتنظيم ممارستها بما يحول دون استغلالها للعدوان على الحقوق العامة أو حقوق الآخرين.
ويستند هؤلاء في تدعيم رأيهم إلى نص المادة 224 من الدستور التي تنص على أن كل ما قررته القوانين واللوائح من أحكام قبل صدوره، يبقى نافذاً ولا يجوز تعديله أو إلغاؤه إلا وفقاً للقواعد والإجراءات المقررة في الدستور، وهي مادة تلزم الدولة بإصدار القوانين المنفذة لأحكام الدستور.
وصحيح أن القانون الذي سيلغي العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر تطبيقاً للدستور، لم يصدر بعد، لكن من الصحيح كذلك أن من واجب المحاكم أن تراعي مواد الدستور عند إصدار أحكامها في القضايا، من باب الملاءمة والذوق القانوني السليم، خاصة أن مواد قانون العقوبات التي جرى تطبيقها على المثقفين الثلاثة، تخير القاضى بين الحبس والغرامة، فتفتح أمامه بذلك الباب لتطبيقها بالحكم بالغرامة، دون أن يخالف الدستور.
ذلك ما يوجب على النائب العام أن يسترعي إليه انتباه وكلائه، ومن مجلس القضاء الأعلى أن يذكر به القضاة، حتى لا تتدفق أحكام حبس المثقفين بالمخالفة للدستور، وبالمجافاة للذوق القانوني السليم، وهو ما يفرض على الأول - أيضا - أن يوقف تنفيذ الأحكام الثلاثة التي صدرت في هذا الشأن، إلى حين نظر الطعن فيها أمام محكمة النقض.
وإذا كان ذلك من واجب القضاة، فمن واجب المبدعين أن يضعوا في اعتبارهم طبيعة المناخ الثقافي والاجتماعي المحيط بهم، وأن يتنبهوا إلى أنه من الخطأ القفز على مراحل التطور، والتسرع باستفزاز الفئات والتيارات المحافظة، وأن من مصلحة الحرية، أن نمارس جميعاً كل مساحة نتاج منها بشكل رشيد ومتدرج، يوسع من نطاق المتحمسين لها، بدلاً من أن يصدهم عنها، ويدفعهم للانخراط في صفوف أعدائها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها