النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

حراس الثقافة من دون حراسة ومن دون أرقام دخول

رابط مختصر
العدد 9824 الأربعاء 2 مارس 2016 الموافق 22 جمادى الأولى 1437

لعل ما قدمه المفكر البحريني الدكتور محمد جابر الأنصاري على الصعيد الفكري يعد آخر وأفضل ما قدره مفكر بحريني، متجاوزاً أفقه المحلي الى الافقين العربي والإنساني، سواء في تحليل إشكالية الفكري العربي برمته، ضمن المنظور الذي وصفه باحتواء الصراع المحظور بين الأصولية والعلمانية، أو حالة اللاحسم في الحياة العربية، ولم يظهر مع الانصاري او بعدما قدمه ضمن مشروعه الفكري الى الآن مفكر آخر، باستثناء ملاحظات ووريقات متناثرة لا ترقى الى مستوى (المشروع) ولا حتى حاولت مواصلة ذات الجهد وتدقيقه ومراجعته كما يحث في العوالم الأخرى.
ولعل ما قدمه الناقد والشاعر الدكتور علوي الهاشمي خلال مسيرته النقدية والأكاديمية من جهدٍ نقدي حول الشعرية البحرينية كان آخر ما قدمه النقد البحريني المعاصر من إسهامٍ جادٍ وتحليليٍ في مجال نقد الدونة الشعرية البحرينية المعاصرة، ولم يستطيع إلى اليوم أحد من نقاد الجيل الجديد -إلا فيما ندر- تجاوزه، بل العدد القليل من المحاولات النقدية في هذا المجال ما يزال يعيش أصحابها عالةً على هذا الجهد مكررين -في الغالب الأعم- مقولاته الأساسية، وهو ما ظهر خلال العقدين الأخيرين من فقرٍ كبيرٍ في المعالجة النقدية الشعرية، باستثناء ملاحظة من هنا وتحليل معزول من هناك، أو تناول عرضي غير متراكم وغير مؤسس في أغلب الأحيان على منهجية نقدية واضحة ومتكاملة.
ولعل ما قدمه الباحث المتميز الدكتور إبراهيم غلوم في مجال النقد المسرحي بوجهٍ خاص، وفي المجال الثقافي بوجهٍ عام ينطبق عليه ما ينطبق على جهد الدكتور علوي، كما أن الجهد التوثيقي الذي قاده بأناة وصبر الناقد الدؤوب الدكتور عبدالحميد المحادين في مجالات متعددة لم يتجاوزه أحد من المعاصرين في كثافته ودقته وتواصله الزمني، باستثناء الجهود التوثيقية المقدرة للدكتور منصور سرحان في مجالات الصحافة ورصد أنشطة النشر بمختلف أوجهه، كما انه من الإنصاف الإشارة بكل تقدير إلى الجهود الاستثنائية لعدد قليل من الكتاب المهمين مثل الدكتور نادر كاظم ومحمد البنكي ويوسف الحمدان وفهد حسين وحسين السماهيجي غيرهم في هذا السياق، إلا أنها -رغم أهميتها- لم تبلغ في مداها وقوة تأثيرها النقدي ما بلغه علوي وغلوم والمحادين كل في مجال اختصاصه.
قد يكون في هذا «الحكم» بعض الاختزال والعمومية، لكنه ليس مخلاً في جميع الأحوال، لأنه قائمٌ على معايشة واطلاع ومتابعة لأنه لا يقوم على نية مبينة للإلغاء أو الإقصاء، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هكذا سياق هو: لماذا توقفت الحركة النقدية عند مرحلة علوي - غلوم؟ وماذا نتج عن هذا التوقف؟ خاصة مع وجود العديد من الأقلام الواعدة والقادرة على الإضافة النوعية؟
الإجابة عن السؤال في تقديري أننا في نفتقر إجمالاً إلى حركة نقدية تتسم بالاستدامة والقوة والإصرار على تحقيق منجز نقدي مهم، حيث يقتصر على الملاحقات والمحاولات والتعليقات النقدية التحليلية او الانطباعية، من خلال جهود فردية معزولة وغير متكاملة، سواء تلك التي تتناول الإنتاج الإبداعي المتميز لأهم رموز الإبداع البحريني، أو تلك التي تتناول ذلك الإنتاج الذي ينسب إلى الإبداع ظلماً أو تجوزاً، إذ تطغى على هذه المحاولات المجاملات الفجة، أو التواطؤ المريب، خاصة وأن ما تشهده المجالس الأدبية الخاصة من مناقشات لا يصل في الغالب إلى الصحافة الثقافية لأسباب متعددة، فقليلون هم الذين يجرؤون اليوم على تناول الأعمال الهزيلة المنسوبة ظلماً إلى الأدب، تناولاً صريحاً وموضوعياً، بل إن بعض المشتغلين بالكتابة الثقافية في الصحافة يجنحون في كثير من الأحيان إلى الصمت او المجاملة، على حساب الإبداع، عند تقديم بعض الأعمال الضعيفة إبداعياً، وذلك لأسباب لا علاقة لها بالنقد، بل بتركيبة العلاقات الاجتماعية التي تخلط عادة بين المبدع كمبدع والمبدع كإنسان وبين الرأي النقدي وبين العلاقة الشخصية، وهذه العقلية غالباً ما تجتنب المواجهات النقدية، مفضلة عنها التعايش السلمي مع الناس طالما لايزال ينظر إلى نقد الأثر الأدبي على انه نقد وتجريح شخصي لصاحب الأثر نفسه.
ولعل هذا الموقف الملتبس هو جزء لا يتجزأ من حالة الفقر الشديد في الحركة النقدية، بما شجع الهزال الأدبي على البروز بل وعلى تسيد المشهد (الإبداعي) في كثير من الحيان... مع إنهم مجرد دخلاء على الابداع، بل هم عرض من أعراض مرض يصيب المجتمعات في لحظات التأزم، تماماً مثلما تصيب الأمراض البشر في لحظات الوهن. نجد ذلك في العديد من المجالات الفنية والفكرية والأدبية والإعلامية، وتلك سمة واحدة من سمات إشكاليات مركبة ترتبط بالمجتمع وتنعكس على كل شيء تقريباً، مثلما تنعكس على مختلف مجالات النشاط المجتمعي، ولكن السمة العامة ضعف أداء مبني على فقر في الإمكانيات واعتقاد بأن الإبداع ساحة من دون حراسة ومن دون أرقام دخول.
إن ضعف الأداء يظهر في تكالب السخفاء تكويناً، والفقراء فكراً وموهبةً، حتى بات الإبداع مستباحاً يخوض فيه العامي والمثقف، الجاهل والعالم، المبدع والسطحي، بل إن هذه البلوى قد أصابت كل شيء تقريبا. وضعف الأداء -أخيرا- ارتجالية مؤسسة على البلادة، وفقر في الموهبة وضعف التخيل، ارتجالية غياب الضبط وغلبة الخلط والخبط وهزال القوالب التي لا تنطوي على شيء من الثقافة، فتكون النتيجة الحتمية ظهور الفوضى والضبابية والغوغائية التي أوجدت فئة من المحسوبين على الإبداع وهم مجرد مهرجون في الارض. يحيون -كباقي الطفيليات في الأرض والبحر والجو- على استغلال الظروف، وقوتهم أنهم يمتلكون القدرة على تصوير أنفسهم كأبطال ومناضلين وأصحاب رأي، والمشكلة أننا نعرفهم ويعرفوننا، ويعرفون ان أخلاقنا تمنعنا من كشفهم على العلن أمام عباد الله.
همس
الكاتب والمفكر الفرنسي البير كامو: «إن كان لي أن أؤلف كتاباً عن الأخلاق سيكون مؤلفا من مائة صفحة، كنت سأترك منه 99 صفحة بيضاء والصفحة الأولى، كنت سأكتب فيها واجبا واحدا، وهو واجب الحب، وفي بقية الصفحات سأكتب: لا لا بكل ما أوتيت من قوة، لأن الحب هو فعلاً الشعور الحقيقي الوحيد في الحياة»

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها