النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11198 الجمعة 6 ديسمبر 2019 الموافق 9 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

حركة القوميين العرب في البحرين وعقد من الانبعاث والتلاشي (40)

رابط مختصر
العدد 9822 الإثنين 29 فبراير 2016 الموافق 20 جمادى الأولى 1437

بعد منتصف ابريل 65، لم يعد هناك من امر مهم في الشارع الخارجي، بينما كان داخل السجن مشهد مهم التوقف عنده، حيث اقفال الزنازن تفتح وتغلق ويتم نقل المعتقلين من سجن الى آخر فيما اروقة التحقيق مستمرة ليلاً ونهاراً، إذ كان بوب منهمكاً في انتزاع اقصى ما يمكن من معلومات، واكتشاف مخابئ ليست إلا بيوتا وقطع سلاح متواضعة جداً، وكل ما يجعله مطمئناً ان خيوط الانتفاضة باتت في قبضته، وكل ما تبقى ليس إلا انقاض نعش رجل في طور النزع الاخير.
بات الجيل مكان السجناء حكراً على نشطاء الانتفاضة، وبتنا يومياً منذ أواخر ابريل، ننتظم في زنازننا الاحدى عشرة زنزانة ثلاثة منها كبيرة في الطول قريبة من حمامات الجيل فيما البقية مبنية من قبل وصغيرة الحجم بامكانها تقبل في أسوأ الحالات ثلاثة افراد لا غير، والصنطرية كانوا لتوهم جاؤوا من مكران ولا يعرفون كلمة عربية واحدة، وكانوا يستعينون من الاقدم منهم في المهنة، تم نقل اول مجموعة من الجيل لجدة، وهي اسماء كثيرة سنضعها في هامش الكتاب، هؤلاء مكثوا في جدة اغلب مدتهم حتى نهاية ابريل ومايو وسبتمبر واكتوبر من عام 66 ولغاية يونيو 67، كانت الزنزانة الاولى بها ثمانية معتقلين والثانية زنزانتنا سبعة معتقلين، والثالثة تسعة معتقلين، اما الرابعة فكان بها احمد حارب بمفرده حتى بات معه حمود الدوخي في منتصف يونيو الى ان تم نقله الى جدة، فيما كان مطويع مع دويغر ثم نقل دويغر الى زنزانة أم البول، وبقية الزنازن تحتوي اغلبها شخصين، بعد ايام قليلة من مايو نقلت مجموعة من تلك الزنازن الى جدة، وجاؤوا بآخرين في منتصف اوائل مايو ومنتصفه واواخره، كسلمان العبدالله وسالم العويناتي ومحمد سيف عجلان وبونفور واكبر دشتي وعبدالنبي مسيب والجامع وعبدالحميد العلوي (النامليتي) ومجموعة الطلبة المشاغبين، في نقلة اول مجموعة كان من ضمنها جاسم نعمة، الذي كان موجوداً خارج الجيل، عاد بعد اسبوعين من جدة لتحقيق دام عشرة ايام ليخرج بعدها طليقاً، بينما بوب يتلهى بمصيدة المنجم الذهبي وسيل الاعترافات، في تلك اللحظة من اواخر ابريل اوائل مايو65، عاد عبدالله القصاب من التحقيق، فوقف في حوش الجيل قبل ان يدخله الصنطري الى زنزانته المجاورة، فيما نحن والاخرين معلقين عند اسياخ النافذة، ننتظر ماذا قال له بوب في التحقيق: «وقف القصاب بكل رجولة يومها، فقال كل شيء مكشوف فإنك لن تضيف لهم شيئاً باعترافك، الآن فقط مطلوب تسجيل موقف».
ترن الكلمات النبيلة، وتبقى في ذهنك المشاهد، كان عنوان الصمود للحركيين المعنوي، ذلك الانسان ظل معنا في الجيل كل المدة، التي ناهزت العام وثلاثة اشهر، ولم ينقل الى جدة اطلاقاً. ذلك الانسان الظريف المرح تعلمنا منه معنى المكابرة. كان كريم الشكر اكثر التلاميذ استجابة لروح القصاب، حيث كان معه في نفس الزنزانة التي كان عددها تسعة اشخاص، فذهب للتحقيق وعاد مضرجاً بدمه وقد اصيب بألم حاد يومها في إذنه ولا اعرف ما مصيرها، بعدها نقل كريم الشكر الى سجن جدة ضمن دفعات اخرى وامضى مدته كلها هناك. بعد نهاية مايو، لم تعد هناك اخبار تأتي من الخارج، كما لم تكن هناك انشطة تستحق الاعتقال، فبتنا نتسلى بوقتنا وألمنا وحلمنا، وكنا نضحك فالسجين اهم ما يملكه هو وقت الضحك في روتين ممل طويل بالوحدة، وكأنما الضحك نوع من الخيبة الانسانية لحالة تراجيدية.
في تلك الزنزانة التي شملت القصاب واخرين كان هناك عضو الحركة من بوصرة علي حسن المدفعي، الذي كان يعمل في بابكو، وكان مستعداً بحماسه ان يحفر بمسمار جدار الزنازنة للهروب من السجن، والجماعة يقنعونه ما يصير يا علي فاجابهم بزعل مرح، انتم «مو مال كريت سكيب» صراحة لم اعرف كلمة سكيب في السجن ولم أشاهد الفيلم، فعلي ابن بابكو ومعتاد على تلك الافلام الامريكية الاجنبية، بعد خروجي من السجن بمدة عرفت ان هناك ممثلاً اسمه ستيف ماكوين، ولديه فيلما اسمه «الهروب الكبير،great scape» فتذكرت حكايته، وكان المدفعي يريدهم ان يهربوا ويحفروا بذلك المسمار، فلم يجد شباب تلك الزنزانة أنفسهم إلا الضحك والتعليق، وصرنا نحن جيران تلك الزنزانة، نسمي المدفعي كريت سكيب.
اما محمود احمد من الحالة، صاحب مخترع الاذاعة في الحالة قبل الانتفاضة والمولع بالعلوم والتشويش على القنوات والبث، علَّم المعتقلين لغة للتداول وكن البنات في الحورة يجدنها بسرعة وطلاقة، بحيث تضع نغمة ما بين كل حرف، فكان الصنطرية يسمعون اشخاصاً يتحدثون كالطيور «والتكالو» الفليبينية! فلم يكن من الصنطرية إلا الزعيق والتوتر، وضرب اسياخ نوافذ الزنزانة باعقاب بنادقهم فقد أمرهم الضابط بعبارة مطلقة «لا تخلون المعتقلين يتكلمون مع بعضهم!!» وطبعاً الضابط يقصد كلاماً ممنوعاً وخطراً، وليس حديث السجناء المسلي لوحدتهم، محمود الهادئ للغاية، صاحب الزنانة رقم 10 كان يسلينا بمرحه واحاديثه، ويمتص غضب وعصبية احمد يعقوب كمال الذي كان برفقته الثابتة، وهما شخصيتان مختلفتان تماماً في الطبيعة والمزاج والاهتمامات. محمود اعتقل كموظف في بابكو في باكورة الانتفاضة يوم السبت 13 مارس بتهمة تحريض عمال بابكو على الاضراب وكان برفقته علي عيش وحمد زويد إبن حيهم في الحالة. وكانا علي وحمد معنا في الجيل وقد مكثا مدة قصيرة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا