النسخة الورقية
العدد 11090 الثلاثاء 20 أغسطس 2019 الموافق 19 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:48AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:11PM
  • العشاء
    7:41PM

كتاب الايام

ورحـــــل هيكــــــل

رابط مختصر
العدد 9816 الثلاثاء 23 فبراير 2016 الموافق 14 جمادى الأولى 1437

أمام لحظة الرحيل جميعنا سواء، وها هو الصحفي والكاتب الأشهر محمد حسنين هيكل يترجل راحلاً وهو مطمئن إلا أنه قد أخذ حقه من عالم الصحافة والشهرة والسلطة والجاه، ولن نختلف على أنه قامة صحفية وقلم وكاتب نادر ومتميز في قدراته وإمكانياته.
ولن نختلف على أنه صنع من الأهرام مؤسسة فكرية شامخة تغيرت بعده ونتيجة الظروف لا نتيجة ابتعاده، لكن تجربته في الأهرام إحدى شواهده الشامخة.
ولن نختلف على أن هيكل صحفي جاد، اختار الصحافة وعشقها وبذل لها كل ما تستحق من جهد وتعب وخاض دربها الشاق بصبر وبإبداع متميز منذ سنواته الأولى، لكنه طوال مسيرته كان يعرف كيف وأين ومتى ومع من يسير، ففي العهد الملكي كان له حضور وكانت له صداقات وعلاقات وحكايات مع القصر ومع رجال القصر ومع الحكم ورؤساء الوزارات والوزراء صنّاع القرار.
باختصار لم يحسب في العهد الملكي معارضاً أبداً بل كان أقرب كما حسبوه وكما قربوه إلى النظام الملكي آنذاك، فهيكل يلعب لنفسه أولاً وأجاد اللعبة وصاغ معادلاته الخاصة به وحده، فلم تأخذه غوايات السياسة إلى ملعبها وأخذها إلى ملعبه، فكان سياسياً في كل العهود وكان كل عهد يحسبه أحد رجالاته.
لكنه ظل كعنوان كاهن الناصرية ومنظرها الأوحد، هنا فقط إنحاز هيكل بكامل هيكله للناصرية ولنظامها فكان لابد وأن يبعدوه بعد رحيل عبدالناصر حتى وإن اقترب من السادات خلف عبدالناصر وخاض معه بالتخطيط والتدبير خطة الخلاص من مراكز القوة ورجالها، وما إن انتهى السادات منهم حتى بدأ به كونه آخر رموز الناصرية التي انتهت بتقدير السادات الذي راح يؤسس المرحلة الساداتية إن صحت التسمية.
وخرج هيكل ولكنه احتفظ بها للسادات حتى تم اغتيال الأخير على نحوٍ مفاجئ ليفاجئنا هيكل بخريف الغضب، كتاب شابه الغمز واللمز من أصول السادات ومن لونه ومن فقره.. وما كان لمثل هيكل أن يهتم بكل تفاصيل ذلك، لكنه الانتقام ولربما استيقظت داخل أعماقه ثقافة الثأر القادمة معه من الريف والصعيد، فثأر على نحوٍ لا يليق به ولا بكاتب في قامته.
وجاء مبارك ولم يعد هيكل وظل بلا أضواء مصرية يشتاق لها برغم كل الأضواء التي أحاطت به من العالم العربي ومن الغرب، لكنه ظل يطلب داخل روحه الأضواء المصرية التي غادرته بطريقة تركت في أعماقه جرحاً غائراً لا يندمل.
وعندما بلغ الثمانين من عمره استأذن في الانصراف «الانصراف عن الكتابة في الصحافة» لكنه لم ينصرف وما كان لمثل هيكل أن ينصرف باختياره، عاد أو بالأدق ظل يكتب للصحافة الغربية والعربية وينشر مقالاته بلا انقطاع، فالرجل يتنفس الكتابة.
لم يطلب أحد منه الانصراف، ولكنه أعلنها ونال ما أراد من إعلان الانصراف، وعندما حقق مراده عاد لأنه لم ينصرف بالضبط.
وعلى مشارف التسعين من عمره أطل علينا محللاً ومؤرخاً ومنظراً ومفسراً للاحداث للماضي والحاضر والمستقبل ومن قناة الجزيرة كانت أولى الإطلالات ومن جهاز «التلفزيون» الذي قال مراراً «لا أحبه» لكنه أحبه فطالت طلته وامتدت لحلقات وساعات ولأيام وأسابيع وشهور.
وعندما تجاوز التسعين من عمره أطل هذه المرة وبقوة انتشار وقوة أضواء عادت إليه في مصر ومن مصر نفسها التي انحسرت أضواؤها عنه، وكأنه يقول لمن رحلوا «ها قد عدت».
لكنها عودة بدت فيها آثار ما استطاع هيكل في نضج عمره أن يكتمه ويخفيه ليظهر في شيخوخته وعبر أحادث تلفزيونية مطولة تشتت فيها سهام منه طائشة طالت وتطاولت وجرحت فيها هيكل قبل أن تجرح من أطلق سهامه نحوهم، جرحت ذاكرة جيل عربي بأكمله عن هيكل العروبي الذي بدا في تلك الأحاديث وقد تخلى او تراجع في نهاية عمره عن مبادئه القومية والعروبية في لحظة فاصلة لا يمكن فيها تبرير مثل هذا التخلي والتنازل فكيف يمكن تبرير الهجوم ولصالح من يريد النيل من العروبة ومن القومية العربية التي حسب الجيل العربي ان هيكل كان أحد أعمدتها.
وليته انصرف في الثمانين ولم يعد في التسعين، فما تركه عندما استأذن في الانصراف كان يكفي وكان سيحافظ على هيكل الذي عرفناه سواء اتفقنا أو اختلفنا، لكنه عندما عاد في التسعين لم يترك لنا مجالاً لان نتفق أو نختلف، فقد قررنا أن ننصرف.
وداعاً أيها «الأستاذ».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها