النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10912 السبت 23 فبراير 2019 الموافق 18 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08AM
  • المغرب
    5:36AM
  • العشاء
    7:06AM

كتاب الايام

طموح سعودي مشروع لحل الأزمة السورية

رابط مختصر
العدد 9813 السبت 20 فبراير 2016 الموافق 11 جمادى الأولى 1437

انتهى مؤتمر ميونيخ للأمن بتوصل مجموعة دعم سوريا لـ«اتفاق ميونيخ»، واعتبره المشاركون نافذة أمل على طريق ما زال مليئاً بالألغام، إلا أن كل الأطراف المشاركة خرجت بنبرة تفاؤل نظراً لأن الاتفاق يقضي بتحسين الوضع الإنساني وضرورة تعاون جميع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية من أجل انجازه، وليكون - أي الاتفاق - مقدمة لهدنة بين الأطراف المتحاربة.. فيما بالغ آخرون بأن الاتفاق يعد خطوة متقدمة في مسار الحل السياسي للأزمة السورية، بيد أن الوضع الحقيقي يشير الى استمرار الأزمة السورية في تقديرنا، خاصة مع اصرار روسيا والولايات المتحدة على استغلال هذه الأزمة لتحقيق مكاسب على حساب سوريا والمنطقة.
الأسباب التي أراها أمامي ليست بالقليلة، ولنأخذ مثلاً إعلان وزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر٬ أنه سيتم نشر قوات أمريكية برية في إطار استراتيجية محاربة تنظيم «داعش» في العراق وسوريا، مشيراً الى أن بلاده يجب أن تساعد في تعزيز جهود التحالف من أجل التصدي للتنظيم الإرهابي، بهدف استعادة مدينتي الموصل في العراق والرقة في سوريا من التنظيم المتشدد، وتمثل المدينتان معقلين للتنظيم في كلا البلدين. غير أن كارتر استدرك تصريحه بسرعه ليشير لاحقاً الى أن القوات البرية ستكون «على الأرجح» لدعم القوات الموجودة هناك٬ في اطار استراتيجية تعبئة القوات المحلية وليس محاولة أن نحل محلها. ومع ذلك، يشير كلام كارتر الى احتمال استمرار الأزمة وليس حلها.
ومن الأسباب أيضا أن طبيعة الأزمة السورية تتلخص في المنافسة بين روسيا والولايات المتحدة على تعزيز مواقعها في هذا البلد العربي الغائب عن الوعي، وطبيعي أيضا أن تتسبب هذه المنافسة في عرقلة أي مباحثات سلام حتى لو كانت تحت غطاء الأمم المتحدة. وإذا كنا شاهدنا قبل فترة تمركز قوات روسيا في أماكن ومواقع متعددة داخل سوريا، فإن الموقف الأمريكي لم يتدخل وانما ظل يراقب الوضع لتتمدد القوات الأمريكية كما أسلفنا في إشارة آشتون كارتر.
ولمزيد من التوضيح، فالجيش الروسي يوسع نطاق وجوده وعملياته في سوريا، وأسس مواقع انطلاق جديدة لحربه، فيما تصعد الولايات المتحدة من مساعداتها للميليشيات الكردية٬ في مواقع أخرى، في الوقت الذي تتواصل فيه روسيا مع عشائر سنية٬ وعرضت مساعدتهم في قتال تنظيم داعش في الشرق٬ بعد فشل جهود أمريكية مماثلة. كل هذا يجري على الأرض ليؤكد أن كلتا القوتين تتوقعان فشل أي جهود للسلام وتستعدان للمرحلة القادمة من الحرب، ولتكون جهودهما٬ المنفصلة والمتنافسة٬ ضد «داعش» جزءاً من حرب موازية حول من تكون له الكلمة العليا في القتال ضد الجماعة المتطرفة٬ وربما نيل الإشادة لهزيمتها.. فالمنافسة الروسية - الأمريكية على الاستحواذ على كل مجريات الأزمة السورية ومعها ما يسمونه «القضاء على داعش»، ينذر بفشل كل جهود حكومة بشار الأسد والمعارضة السورية في التوصل لاتفاق ينهي الأزمة المستعرة. لأن كل طرف يجد ما يؤججه بالسلاح والذخيرة. فالخلاف أصبح بين طرف سوري مدعوم من جهة دولية وآخر تدعمه جهة أخرى، بدليل أن الخلاف في وقتنا الراهن أصبح في تباين وجهات النظر الروسية والأمريكية، فموسكو تتحالف مع حكومة النظام السوري بشار الأسد٬ قلباً وقالباً وترى المعارضة المسلحة جزءاً لا يتجزأ من تنظيم داعش٬ فيما تعتبر واشنطن حكومة الأسد وقمعها لمعارضيها سبباً رئيسياً في صعود الجماعة المتطرفة.
وعودة الى وزير الدفاع الأمريكي الذي يدخل مباشرة في لب الصراع ليصف الاستراتيجية الروسية بأنها «مخطئة بشكل مأساوي» لأنها تركز بشكل كبير على دعم قوات النظام ضد قوات المعارضة. ثم يزيد كارتر من العقدة بأن يطالب موسكو بالتخلي عن بشار أولاً لكي تتعاون واشنطن معها، وهو بطبيعة الحال شرط لا تقبله روسيا لتزايد هي على الموقف المضاد لتطالب غريمتها في الأزمة بالتخلي عن دعم جماعات المعارضة لنظام بشار الأسد، خاصة وأن موسكو تعتبر جميع المعارضين متطرفين يوجب محاربتهم، بغض النظر عما تجلس معهم أحياناً في بعض اللقاءات وهم بالمناسبة ما يطلق عليهم بـ«المعارضة المستنأنسة» التابعين لبشار الأسد نفسه.
لم تتوقف الأزمة على الشق العسكري، بل تجاوزته الى الدبلوماسية، ليصعد الصراع بين وزيري خارجية روسيا سيرجي لافروف وأمريكا جون كيري، وهو الصراع الذي يشكك فعلاً في النوايا الحسنة لحل الأزمة السورية، ورغم أن مؤتمر ميونيخ توصل الى «اتفاق ميونيخ» لتخفيف الأزمة الانسانية كما أسلفنا، إلا أن الموقف لم يسلم من الصراع المرير بين البلدين، ليستغله لافروف وكيري في شن حرب بينهما بتصريحات نارية، فرئيس الدبلوماسية الأمريكية طالب في مؤتمر الأمن الدولي٬ روسيا بتغيير استراتيجيتها تجاه القضية السورية٬ والقضايا الدولية الأخرى، معتبراً أن الجزء الأكبر من القصف الروسي يركز حتى الآن على المعارضة الشرعية لنظام الأسد، ثم طالب حكومة الكرملين أيضا بالتركيز على «أهداف أخرى» كي تتيح للمجموعة الدولية الداعمة لسوريا فرصة تطبيق الهدنة فعلاً. وكان من الطبيعي أن ينتقد كيري الدبلوماسية الروسية باعتبارها تعمق الحرب والنزاع في سوريا، لأن روسيا تقف ضد إرادة المجتمع الدولي من خلال دعمها للمتمردين في أوكرانيا ودعمها لحكومة بشار الأسد.
الصراع الدبلوماسي بلغ مداه بردود لافروف على نظيره الأمريكي، خاصة عندما طالب الولايات المتحدة بالتعاون مع روسيا في قضية «تعريف المنظمات الإرهابية» واتهامها برفض التعاون مع موسكو في هذا المجال، ثم يضع شرطاً صعباً أمام أمريكا واعتقد أمام كل المجتمع الدولي، باشتراطه أن يستعين كل الشركاء بالجيش السوري٬ لأن بدونه لن تتمكن القوات المسلحة لروسيا والولايات المتحدة من إنهاء الحرب في سوريا.
الكلام الذي لا تريد موسكو التطرق إليه، هو الاعتراف بأن تدخلها القوي في سوريا ليس من أجل عيون الأسد وغيره، لأن هدفها هو اصطياد المقاتلين الشيشان في صفوف المعارضة السورية والقضاء عليهم قبل أن يعودوا لبلادهم مرة أخرى ويتسببون في قلاقل أمنية لموسكو في مناطق الحكم الذاتي، فالقضية لدي الروس ليس كما يدعون بأنهم يحافظون على وحدة أراضي الدولة السورية وعدم السماح بتفككها على أسس عرقية وطائفية، وإنما ينحصر الهدف تقريباً في محاربة المسلحين القادمين من روسيا ومن الدول المجاورة لها قبل عودتهم إلى مناطقهم وتنفيذ أعمال إرهابية فيها.
المثير للدهشة في الموقف الروسي، هو إعلان موسكو عن غضبها الشديد من تصريحات سعودية خاصة باحتمال المشاركة في حرب برية في سوريا لانقاذ الشعب السوري الجريح، رغم أن الموقف السعودي لم يتبلور بعد، إلا أنه تسبب في غضب روسي في غير محله. فدول الإقليم هي الأولى في حل مشكلاته وأزماته، والسعودية بحكم دورها الريادي والكبير وامكانياتها الهائلة، ففي مقدورها التدخلي الفعلي لإنهاء الأزمة، وأمامنا حافز قوي لتدخلها على خط الأزمة السورية، المتمثل في قيادتها للتحالف العربي لحل الأزمة اليمنية. ثم تخرج تصريحات من داخل موسكو تصف أي عملية عسكرية برية سعودية بأنها مقدمة لحرب عالمية ثالثة، وهو كلام في غير محله بالمرة، خاصة وأن التدخل السعودي جاء بعد غياب بدائل للحوار الإقليمي والدولي في هذا المجال، بما يتطلب تدخلاً سعودياً نشطاً يكون أساساً لحل المشكلات الإنسانية في سوريا٬ ومقدمة لهدنة طويلة الأجل باتفاق كافة الأطراف.
وهذا تحديداً ما ذكره عادل الجبير٬ وزير الخارجية السعودي٬ عندما كشف أن الرياض تعمل على إحداث تغيير سياسي في سوريا٬ وعزل الشخص المسؤول عن قتل ونزوح السوريين٬ وهو شخص - في إشارة لبشار الأسد - جاذب للإرهابيين والمتطرفين. لقد كان واضحاً ان الجبير يدرك جيداً مدلولات تصريحاته النارية خاصة قوله: «إننا سوف نحقق هدفنا وذلك بعد أن ساهم بشار الأسد٬ في ظهور داعش بإخراجه المجرمين من سجونه٬ وأن بيئة داعش الخصبة في سوريا ستزول مع رحيل الأسد». ولم يكن الجبير يتحدث عن موقف سعودي منفصل، فهو حدد التعاون مع بلدان أخرى في المنطقة٬ سواء مصر أو العراق أو السودان أو بلدان المغرب العربي.
] كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها