النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

تجديد الخطاب الديني داخل الزنزانة

رابط مختصر
العدد 9809 الثلاثاء 16 فبراير 2016 الموافق 7 جمادى الأولى 1437

تجّددت المعركة بين الأزهر والمثقفين في الأسابيع الأخيرة، ووصلت إلى ذروتها في بداية الأسبوع الماضي، على خلفية البيان الذي أصدره أكثر من مائة من المثقفين المصريين، تضامناً مع الكاتب والباحث الإسلامي «إسلام بحيري» بعد أن أصدرت إحدى المحاكم حكماً بسجنه لمدة عام، بتهمة «ازدراء الإسلام» بسبب الآراء التي كان يذيعها في برنامج تليفزيوني يحمل اسمه، وما تبع صدور هذا الحكم من تداعيات، وصلت إلى ذروتها، بمطالبة المفكر المعروف «د. سيد القمني» بإدراج الأزهر ضمن المؤسسات الإرهابية وهو ما اعتبره بياناً صدر عن «هيئة كبار العلماء» - أعلى هيئات الأزهر - حملة منظمة يشنّها مثقفون وتساندها وتروّج لها وسائل إعلام مرئية ومقروءة ضد المؤسسة الدينية العريقة.
وعلى الرغم من حدة بعض العبارات التي تبادلها الطرفان خلال المعركة، فإن لجوء هيئة كبار العلماء ورد فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، على ما وجه إلى مناهج الأزهر وممارساته من انتقادات، خطوة إيجابية، إذ جاءت بديلة لاتجاه، كان الداعون إليه داخل كواليس مشيخة الأزهر يحرضون المشيخة على التقدم ببلاغ إلى النيابة العامة، ضد «د. سيد القمني» للتحقيق معه ومحاكمته بالتهمة نفسها التي حوكم بسببها «إسلام بحيري» لكي يلحق به في الزنزانة نفسها، لكي يستأنف دورها في محاولة تجديد الخطاب الدينى داخل الزنزانة.
أما وقد اختار الأزهر أن يرد على البيان ببيان، وليس ببلاغ للنائب العام، وأن يفنّد الانتقادات التي وجهت إليه، فتلك بادرة طيبة تستحق الإشادة بها والبناء عليها، حتى يتوقف نشاط المتنطعين الذين يحرضون المشيخة على أن ترد على أن كل من يرشها بالمياه، يرشه بالنار، وعلى أن تقود كل من ينتقدها إلى التنوير داخل الزنازين، وهي رسالة لهؤلاء الذين يقيمون دعاوى الحسبة أمام المحاكم، ضد كل من ينتقد الأزهر، دون أن يكونوا من الممثلين القانونيين له، أو من ذى الصفة في الحديث باسمه، ومن بينهم الذين أقاموا دعوى الحسبة التي انتهت بتنوير «إسلام بحيري» في إحدى زنازين ليمان طرة.
وما فعله الأزهر هذه المرة، وينبغي أن يفعله في كل مرة، ينطلق من الفهم الصحيح لدور الأزهر، الذي جرى النص عليه لأول مرة في الدساتير المصرية، في المادة السابعة من التعديلات الدستورية لعام 2014، وهي تنص على أنه «هيئة إسلامية علمية مستقلة يختص دون غيره بالقيام بكل شؤونه، وهو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية، ويتولى مسؤولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم».. وعلى عكس ما يدعيه هؤلاء المتنطعون الذين يسعون لتحويل الأزهر إلى «سلعة دينية» فإن النص صريح في أنه «هيئة علمية» و«مرجع أساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية» يتولى «مسؤولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية فى مصر والعالم»، وهو ما يعني أنه أكاديمية علمية متخصصة في علوم الدين الإسلامي، وأن مهمته الأساسية هي التعليم والدعوة، وأنه لا يختلف في ذلك عن غيره من الجامعات ومعاهد التعليم التي وردت نصوص بشأنها في الباب نفسه من الدستور، وهو باب «المقومات الأساسية للمجتمع».. وهو ككل مؤسسة تعليمية تقوم على حرية البحث العلمي، إحدى الحريات الأساسية التي يكفلها الدستور، التي تعني يعني حرية الحوار والمناقشة والاتفاق والخلاف.. وليس حرية المطالبة بالحبس ومصادرة الحق في التعبير عن الرأي.
ومشكلة الأزهر مع المثقفين، هو أن بعض المنتمين إليه يسعون لتقديس تاريخه، ويربطون بينه وبين الإسلام، ويعتبرون المساس بنظام التعليم فيه، أو بعلمائه، مساساً بالدين نفسه، على نحو اعتبروا فيه توجيه انتقاد للقدماء أو المعاصرين من شيوخه مؤامرة على الإسلام، مع أن التاريخ نفسه يكشف عن أن كثيرين ممن انتقدوا الأزهر ومشايخه، ونظم ومناهج التعليم فيه، كانوا من الأزهريين أنفسهم، ويؤكد أنه - كمؤسسة - شهد فترات من المد والجزر، ومن الازدهار والركود.
وإذا كان من المبالغة وصف الأزهر بأنه مدرسة إرهابية، فمن المبالغة - كذلك - إنكار حقيقية أن من بين خريجي الأزهر والذين درسوا أو تعلموا فيه، من تبنوا الأفكار المتشددة، وانضموا لتنظيمات إرهابية، وتولوا مناصب قيادية فيها، وأن من بينهم من أصدروا فتاوى بإهدار دم «محمود فهمي النقراشي» و«أنور السادات» كانت وراء اغتيال كل منهما.. وأن طلاب جامعة الأزهر، كانوا في طليعة الذين مارسوا العنف والتخريب والاعتداء على أساتذتهم في أعقاب فض اعتصام رابعة العدوية.
وتخطئ مشيخة الأزهر، إذا ما ساندت الاتجاه السائد في كواليسها، بأن الأزهر هو المنوط به وحده، ودون غيره، القيام بمهمة تجديد الخطاب الديني بحكم تخصصه في علوم الدين، ليس فقط لأن كل الشواهد تؤكد أن هذه الدعوة، تلقى مقاومة مستترة داخل هذه الكواليس، لكن كذلك لأن الأزهر لم يكن هو الذي ابتكر هذه العلوم، التي وضعت أسسها قبل إنشائه بقرون.. فضلاً عن أن دراستها والتخصص فيها اتيح لكثيرين من المفكرين الذين تلقوا تعليمهم في جامعات أجنبية، أو توفروا على دراستها بجهودهم الذاتية، فإن أمر تجديد الخطاب الديني يرتبط بعلوم أخرى لا تدخل في تخصص الأزهريين، ومنها علوم الاجتماع والنفس والاقتصاد والطب والقانون وحتى علوم الفضاء.
ما يدعو للتفاؤل بإمكانية تجاوز الأزمة المتكررة بين المثقفين والأزهر، أن الأمام الأكبر أعلن فى ختامها، أن المشيخة سوف تستأنف - خلال أسابيع - جولات للحوار بينها وبين المثقفين حول مسودة لآليات تجديد الخطاب الديني، جرى الحوار قبل ذلك خلال خمس جولات منها.
أما المهم، فهو أن يجري الحوار هذه المرة، انطلاقا من رؤية واضحة، بأن الأزهر هو مؤسسة تعليمية وليس سلطة دينية، وأن تجديد الخطاب الديني ليس احتكاراً له وحده، ولكنه قضية تهم الجميع، وفي الطليعة منه المثقفين غير الأزهريين، وأن تسلم كل الأطراف التي تشترك فيه، بأن من حق الجميع أن يمارس الفريضة الغائبة داخل هذا الحوار ومن خارجه، وهي فريضة الاجتهاد، دون أن يقوده أحد الأطراف الأخرى إلى النيابة العامة، لكى يمــارس حــق الاجتهـاد خلـف جدران ليمان طرة!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها