النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

ازرع حبًــا تحصــد حبًــا

رابط مختصر
العدد 9806 السبت 13 فبراير 2016 الموافق 4 جمادى الأولى 1437

في الوقت الذي يحتفل فيه كل عشاق العالم بيوم الحب مهما كانت حكايته أو تاريخه، سنقترب قليلاً الى حكايات حب حقيقية، حب فطري، حب الأسرة، الأم، الأب، الأولاد، الأقارب، الجيران، الأصدقاء، فدائرة الحب لا نهائية لا تنتهي حتى نهاية الكون، فالحب مرتبط بوجود الإنسان من بدء الخليقة وحتى يوم الدين.
ونبدأ بأحد الفلاسفة الذي تعرض لسؤال اعتبره صعبًا حتى استمر السؤال والإجابة الى يومنا هذا، فالسؤال كان خبيثًا وحكيمًا في نفس الوقت، والسؤال هو: «كيف تختار امرأة للزواج؟»، فكان رد الفيلسوف طويلاً نوعًا ما، وشحذ زناد فكره ليكون حكيماً كعادته ومنصفاً للمرأة، فأسهب في الرد: لا أريدها جميلة فيطمع فيها غيري، ولا قبيحة تشمئز منها نفسي.. لا طويلة فأرفع لها هامتي، ولا قصيرة فاطأطئ لها رأسي.. لا سمينة تسد عليَّ منافذ النسيم، ولا هزيلة فأحسبها خيالي.. لا بيضاء مثل الشمع، ولا سوداء مثل الشبح.. لا جاهلة صعب أن تفهمني، ولا أكثر مني علماً فتجادلني. انتهت إجابة الفيلسوف لسائله، وهنا أقول رغم اعترافي بأنني لست فيلسوفاً، ولكن السؤال لم يكن في حاجة الى توجيه الى حكيم أو فيلسوف، وإنما الأمر يتوقف على أهم إحساس في الكون وهو الحب، وهنا تكون إجابتي هي أن أختار المرأة التي أحبها قلبي وتونس بها فؤادي وارتاحت لها أحاسيسي واطمأن اليها كياني. وإذا كان يتردد أن الفيلسوف المشار إليه توفي أعزباً، بسبب الإفراط في الحكمة وكأنه يجاوب عن سؤال على كيف يعيش الإنسان. ولو هذا الفيلسوف بين ظهرانينا في وقتنا الراهن، لأبلغته بإجابتي مباشرة وهي عبارة عن كلمة واحدة هي «الحب».
وتحكى قصة أخرى عن شاب سافر الى الحج بصحبة والده بقافلة على الجمال قبل خمسين عاماً، وعندما تجاوزوا منطقة «عفيف» رغب الأب في أن يقضي حاجته فأنزله الابن من البعير، ومضى الأب إلى حاجته وقال للابن: انطلق مع القافلة أنت وسوف ألحق بكم. مضى الابن، وبعد برهة من الزمن التفت ووجد أن القافلة بعدت عن والده، فعاد جرياً على قدميه ليحمل والده على كتفه، ثم انطلق يجري به. يقول الابن: وبينما هو كذلك أحسست برطوبة تنزل على وجهي وتبين لي أنها دموع والدي، فقلت لأبي: والله إنك أخف على كتفي من الريشة. فقال الأب: ليس لهذا بكيت، ولكن في هذا المكان حملت أنا والدي قبل خمسين عاماً.. إنه الحب الفطري، حب ما بين الأب والابن أعضاء الأسرة الواحدة، فالأب - شاباً - كان باراً ومحباً لوالده، فجزاه الله نفس الجزاء وأثابه بحب وبر ابنه.
الأب - شاباً - نثر بذور الحب كمن ينثر بذراً في أي أرض وتحت أي سماء، والأب - شاباً - زرع جميلاً وحصده، فكان حصاده ما أجمله وأروعه، الأب - شاباً - أعطى مثالاً في الحب والشهامة والمروءة، فعطاء الأب شاباً حصده في دنياه من ابنه، وكما كانت البذرة جميلة فكان حصادها رائعاً وذا معنى في النفس، لأن الأب حصد الوفاء ومن نفس البذرة التي زرعها، فما أجمله الحب وما أروعه الوفاء.
فالحب أساس الكون، فبالحب نعيش ونحيا، ونتزوج ونتناسل، ونربي أولادنا، وبالحب نبني الصداقات وأواصرها، فما أروع هذه الحياة إذا تصافت القلوب وحبت بعضها إنسانياً، وما أجملها الحياة، إذا كان لنا بها عزيز نتذكره ويتذكرنا وقلب يحبنا ونحبه وننتظر نجواه، وما أغلاها حياة إذا انتشر فيها الإخلاص.
قالوا قديماً، إن الكتاب خير ونيس، وهنا نقول إن الحب هو خير صديق ورفيق، فالحب يطيل الحياة، طبعاً إذا قسناها بالرضا والسعادة والفرحة وبهجة القلب، فالحب هو رفيقنا في هذه الحياة، وهو الذي يزرع في قلوبنا السعادة، فما أروعها حياة إذا تحابت القلوب وتصافت وأخلصت في حبها.. فالحب كالأحجار الكريمة، بل كأغلاها ثمناً ورقياً، فمن يرتدي الألماس يتباهى به ما حباه المولى عز وجل من نعم الدنيا وزينتها، فما بالنا بمن وهبه الله قلباً يحب وقلباً يُحب، قلباً يرفرف بين ثنايا صدره، ويعشق لسماع صوت محبوبه، ولهذا فمن يحب أكثر سعادة من الغني.
حديث الوفاء في يوم الحب لا ينتهي، فلزاماً عليَّ أن أعبر عن مدى امتناني لأناس صدقوا في حبهم لي وأنا كذلك، ويقول رسولنا الكريم ما معناه «إذا أحببت شخصاً بلغه بحبك»، وتأسياً بقول رسول الله، أعبر عن عظيم امتناني وشكري لأشخاص وقفوا معي خلال الأزمة الصحية التي ألمت بي مؤخراً، ومن بينهم أخي وعزيزي عادل العمادي أبو طارق الذي كان الدافع لي والمشجع لإجراء العملية الجراحية والذي هيأ لي كل الظروف في لبنان بحكم معرفته بهذا البلد وطبيعته والذي كان يتابعني بالسؤال ليل نهار، وابني الغالي محمد أبو شعيب الذي رافقني في سفري وكان نعم الابن البار بوالده، وابني إبراهيم الذي كان يتابعني من البلاد بقلق وخوف من خلال اتصالاته بي ومتابعة حالتي مع أخيه محمد، وزوجتي وابنتي العزيزات، ولا أنسى أخي ورفيق عمري في عملي ووزيري الأستاذ نبيل بن يعقوب الحمر المستشار الإعلامي لجلالة الملك الذي كان يتابعني يومياً وأنا في بيروت من خلال اتصالاته التليفونية وتشجيعه لي وشد عزيمتي، وأخي السفير خليل الذوادي الذي كان دائم الاتصال بي من القاهرة، وأخي عدنان العمادي الذي كنت أحس أن قلبه قلب طفل صغير وهو يستفسر عني من الخوف والقلق ودعوات أخي إبراهيم الذي كان بلسماً لشفائي.. القائمة تطول وتطول ولو كنت سأسرد الجميع، فأنا بحاجة الى صفحات لأشكر بكل الحب جميع من أحسست بخوفهم عليَّ ووقوفهم بجانبي، وكل هؤلاء لم يشعروا بسعادة إلا بعد أن طمأنتهم أنا شخصياً عن صحتي، ولكل هؤلاء أقول: «إنكم ثروتي في هذه الحياة ومعين الحب الذي لن ينضب طالما يربطنا هذا الحب الكبير».
ولا أنسى الأخ الأستاذ محمد عمرو في لبنان، هذا الإنسان العزيز الذي لازمني في المستشفى وبعده وجال بي في هذا البلد الجميل من شماله الى جنوبه، فكان بلسماً لي.
وفي يوم الحب، أو يوم الوفاء فكلاهما يحملان نفس المعنى، فالحب هو الوفاء، فمن يحتفل بعيد الحب، يتذكر حكايات الحب الحقيقية، الحب الفطري، الحب الصادق، حب العطاء بلا حدود، وأتحدث هنا عن أعز إنسانة في الوجود، أمي بحبها السرمدي في قلبها وقلبي، فهو حب متبادل الى يوم الدين ولن يعوضه حب آخر، أمي التي لا زلت أتخيل أن لا أماً غيرها في العالم، فما وهبتني إياه من حنان ومحبة وعلم وإخلاص لا أراه في أحد سواها، إنها أمي التي لا زلت أشم رائحتها وعبقها كأنني مولود يضع وجهه في صدرها لا ليرضع نبت الحياة وإنما يأنس بالحنان والحب، إنها أمي التي رعتني طوال حياتها ووهبتني أجمل ما في الكون، حبها وحنانها وصدقها، وإن كنت لا أزال أتذكر كلماتها وأدعيتها لي بالتوفيق وسداد خطاي فما زلت أعيش بدعواتها لي، إنها أمي التي أتخيل أن الخالق جل في علاه منحني كل ما منحني إياه استجابة لدعواتها لي. وفي يوم الحب، أتوجه الى أمي الغالية بالشكر الذي لا بعده شكر وامتنان لا حد له، إنها أمي أطال الله في عمرها وأنعم عليها بالصحة والعافية والسعادة، إنها امي الإنسانة التي أدين لها بالفضل الكبير في حياتي، إنها أمي العظيمة صاحبة الفضل في كوني إنساناً.
لقد جمعتني الدنيا بكل أسرتي، أصدقائي، أحبائي، ليبقوا أروع ما عرفت في دنياي، فأضفتم نكهة محببة للنفس، لحياتي، فأصبحتم صفحة مهمة في كتاب هذه الحياة، أتصفحها فجر وإشراقة وغروب كل يوم، أتعلمون لماذا؟ لأنكم ثروتي الحقيقية في هذه الحياة، ثروتي التي لا أفرط فيها مقابل كنوز الدنيا، فمن أحب كمن خرج عليه فجره بالخير الوفير، ومن كسب حبكم عاش مرتاحاً من هموم الزمان ونسي كل الأحزان، فقلبي في الله يحبكم ولا ينساكم، ودعوت ربي يحفظكم ويرعاكم.. اللهم اجعلنا مع الأحبة في جنتك.. اللهم اجعلنا نحصد بذور ما زرعناه خيراً وسعادةً في الدنيا والأخرة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها