النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11208 الإثنين 16 ديسمبر 2019 الموافق 17 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

من انتحار المثقفين إلى انتحار السياسيين

رابط مختصر
العدد 9805 الجمعة 12 فبراير 2016 الموافق 3 جمادى الأولى 1437

المبدع عموماً مشحون بطاقة حساسية غير اعتيادية وبطبيعة هذه الحساسية المفرطة فهو معرض للإفراط بين حالتين متناقضتين، الفرح حد الشطح والحزن حد الانتحار.
في ثمانينات القرن الماضي انتحر الشاعر خليل حاوي وهو يشهد الاسرائيلي يحتل بيروت فلم يحتمل الاحتلال فانتحر هكذا قال الرواة، وبعده بسنوات انتحرت في مصر الشاعرة الشابة «أروى صالح» التي لم يعد يذكرها المشهد الثقافي هناك فابنتحارها المفجع نحروا ذكراها.
وانتحار المثقفين ظاهرة قديمة، فالروائي الأمريكي الأشهر همنغواي انتحر ببندقيته، وكذلك فعل فنانون غربيون مبدعون.
الانتحار في الأدب العربي دراسة للناقد خليل الشيخ، بما جعلنا نطرح سؤالاً هل هي ظاهرة تستحق كل هذه المساحات رغم انها في تقديرنا لم ترقَ إلى مستوى الظاهرة، وان كان انتحار الفنانة سعاد حسني قد أخذ مساحات كبيرة من التغطية والتحليل البوليسي المبالغ فيه لدى من كان لا يريد ان يصدق انها انتحرت.
وهناك الانتحار البطيء، كما حدث مع المفكر اليساري المصري إسماعيل المهدوي الذي كان يبشر بعقل سياسي ناقد، لم يحتمل الواقع كما لم يحتمله واقع الستينات ومطالع السبعينات فانتحر ببطء في زوايا منسية وجدوه ميتاً، وكذلك كان انتحار الشاعر الشعبي والمؤلف المسرحي صاحب ياسين وبهية نجيب سرور الذي تشرد في شوارع القاهرة حافياً يشتم كل من يعرفه ولا يعرفه، حتى سقط صريع الموت بطريقة الانتحار ببطء وعبر تعاطٍ مدمرٍ قاده إلى الموت.
وانتحار سياسيون كُثر بعضهم تناول السم لحظة الهزيمة كما فعلها هتلر وعشيقته ايفا براون، وبعضهم أطلق المسدس على رأسه أو في قلبه كما فعلها سيلفادور الليندي، وقد كنا في السبعينات نظن انه مات وهو يقاوم انقلاب المعسكر بقيادة يبنوشيت، ولكن الأيام كشفت انه انتحر في لحظة الوصول إلى قصره في تشيلي.
وبيدي لا بيد عمرو، حكمة عربية سياسية قديمة فعلها سياسيون وقادة عرب قبل الإسلام، فهل فعلها المشير عبدالحكيم عامر، الدكتور محمد جابر الانصاري كتب يسأل نحروه أم انتحر؟؟ ومازال السؤال قائماً بلا إجابة.
وحالات الانتحار في معظمها يشوبها غموض وعلامات استفهام مغلقة ما لم يكتب المنتحر رسالة يعترف فيها مسبقاً بانتحاره ليحسم الغموض ويضع حداً للاسئلة.
مبدعون كبار تعرضوا لمصائب كبرى لكنهم قاوموا الموت؛ لأنهم يحبون الحياة على طريقة الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري الذي ناهز القرن من عمره وكان يردد أحب الحياة.
المبدع والروائي الياباني الأشهر ميشيما اختار أبشع وأقسى أشكال الانتحار الذي قتل نفسه على طريقة الساموري فشق جسده بالسيف إلى نصفين مخلفاً وراءه روايات كبيرة.
وانتحر الفنان اليهودي الاصل لاديجنسكي الذي ضاق بحصار الحياة في الاتحاد السوفيتي السابق كما قال قبل انتحاره وهو يفكر كما قال بـ «أرض الميعاد» التي لم يصلها حين اختار الانتحار على الانتظار فمات لتنساه أرض الميعاد.
ولأن الانتحار محرم في ديننا الإسلامي الحنيف، فإن العرب المسلمين يحاولون قدر الإمكان التكتم على حالات انتحار حدثت لأقرباء لهم ومضوا بسرهم إلى قبورهم.
ويكتب أحدهم في تحليل الانتحار بما معناه أن المواجهات الخاسرة والمعروفة نتائجها سلفاً هي نوع من أنواع الانتحار على طريقة معكوسة للمثل العربي «بيدي لا بيد عمرو» فيختار يد عمرو لتنحره بدلاً من أن ينتحر، وهو تحليل فيه وجاهة ويحتاج إلى نقاش.
والانتحار ظاهرة «ان كان ظاهرة» مؤسفة جداً وتعمق شعورنا بخسارة هذا المبدع أو ذاك الفنان أو المفكر، لكنها في النهاية حالة بشرية خاصة جداً لن نفهمها بسهولة، فهي معقدة ومركبة كتعقيد النفس البشرية ذاتها.
وآخر الاشكال في عالم المنتحرين هم أولئك الذين كانت أسماؤهم ملء الاسماع والابصار في عالم المال والاستثمار والثروات فاكتشف فسادهم وقادهم إلى محاكمات هي الفضيحة فانتحروا قبل أن يصلوا إلى قاعات المحاكم.
ويظل الانتحار سؤال البداية للنهايات التي اختارها أصحابها الذين مضوا وظلت اسئلة موتهم/‏ انتحارهم لغز الألغاز.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا