النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

حركة القوميين العرب في البحرين وعقد من الانبعاث والتلاشي (35)

رابط مختصر
العدد 9804 الخميس 11 فبراير 2016 الموافق 2 جمادى الأولى 1437

الانتفاضة في الأسبوع الخامس 8 ـ 14 أبريل
كانت القيادة الثلاثية المختفية في المحرق في بيت عبدالله هرمس، تخطط وتختار اهدافًا محددة، وتتصل بمجموعات معينة، فتم اتخاذ قرار تدمير وحرق الكامباوند (موقف سيارات شركة بابكو في القفول) وكان من الطبيعي ان تكون مجموعة بو صرة معنية بتلك العملية، ولكنهم تهيبوا منها وانسحب البعض وظل بعضهم فتم الاستعانة بمجموعة الحورة، مع عناصر من الفاضل والقضيبية، فاجتمعنا ثلاثة اجتماعات في احد مخازن فندق اليماني في ابوصرة، وكان الاجتماع الاول تمهيدي تم فيها شرح العملية، ولم يحضر كل الاجتماعات من وقعت عليهم مهمة السياقة وهم ثلاثة اشخاص يسوقون ثلاث سيارات.
في الاجتماع الثاني بحضور عشرة «فدائيين» تم تقسيم العملية باربع مهمات، المجموعة الاولى معنية بالسياقة ونقلنا لموقع العملية والانتظار، المجموعة الثانية مهمتها خرق وتثقيب خزان السيارات ليتسرب البنزين على الارضية، المجموعة الثالثة تقوم بأسر وربط السواق في حجرة الانتظار وتبديل المناوبة، أما المجموعة الرابعة فكان عليها الجلوس داخل باص الشركة القريب جدا من بوابة الدخول للكامباوند، معنية باستعمال القنابل في حالة هجوم الشرطة نحونا. كان نصيبي من ضمن اربعة ان نكون مجموعة التأسير وتقييد السواق وتكميم افواههم.
كنت مع محمد صالح وجاسم ناصر والرابع كان من ابو صرة اسمه علي ويعمل ممرضاً في النعيم، والمميز فيه انه كان هستيريا للغاية، وكان يصرخ بقمة رأسه وهو يربط السواق: «هذا الحركة تعرف شنهو معنى الحركة!».
لم أكن افهم معنى لكلامه ولا لزعيقه بقمة رأسه، بينما كان هناك سائق يبدو أنه عرف وجه محمد صالح الملثم، فكان يلف رأسه كل مرة ليتأكد من شكل محمد صالح، فيما هو ونحن نلف رأسه ونمنعه من الالتفات. كانت تواجهنا مشكلة ان السواق كانوا يتقاطرون بالتزامن والتوقيت المحدد، فيجدون انفسهم في الحجرة مكتفين مع زملائهم. تكدس المكان بالسواق في مناوبة آخر الليل، وكانت العملية في الثامنة مساءً، إن لم تخني الذاكرة، كان حسب الخطة ان تنسحب مجموعة الحماية بقنابلهما كآخر المجموعة، ولكنهما حالما وجدا ان الارض بدأت تشتعل، وكان المفروض ان يتم ولع النار مع انسحابنا من حجرة السواق، ولكن للاسف تم الاشعال ونحن في وسط الطريق ولولا اننا كنا ثلاثتنا رياضيين وحركتنا سريعة، لربما كانت كارثة، اثناء الانسحاب كنت اسرع بخطوات من محمد صالح والمزود بمسدس لترهيب السواق عند الأسر، وكانت حركة جاسم ناصر اثقل، بخطوات فعندما خرج من الحجرة مسكه سائق من الخلف كان لتوه قادماً من البوابة الرئيسية في اتجاه الحجرة فأمسك بجاسم من الخلف، وعادة يكونون بعض السواق بعافية جيدة، وبالرغم من ان جاسم كان قويا ويحمل اثقالاً، الا انه شعر بقوة مسكة السائق فلم ينجح في التخلص منه، فنادي محمد صالح «محمد.. محمد..» كنوع من النداء والاستغاثة، كانت المسافة بيننا نحن الثلاثة خطوات، التفت محمد صالح مثل الكابوي، واطلق رصاصة من المسدس في اتجاه السائق المشتبك مع جاسم، ولم يكن محمد ماهرًا ومتدربًا كرجل محترف في الرماية، وعندما سمع السائق صوت الاطلاق، خر على الارض من الخوف من «حلات الروح».
وفي حموة الجري نحو السيارات المنتظرة، كان جاسم يحس بحرارة في كتفه الايسر، فعرف داخل السيارة ان الرصاصة مرت بقرب من حنجرته وخدشتها، واستقرت الرصاصة في الكتف الايسر، والصدفة وحدها أسهمت في بقاء جاسم ناصر حياً حتى اليوم. كان على جاسم ان يغادر فوراً الى اهله في السعودية لازالة الرصاصة. في ليلة الاجتماع الثاني، الذي شرح فيه شاكر عقاب شرحاً ارتجالياً كرئيس المجموعة «الفدائية» كيفية تفكيك المسدس واستعمال القنابل، وبالطبع هو تعلمها بشرح سريع ونفذها معنا، في ذلك الاجتماع، كان المسدس وسطنا على الارض، فما كان من الاخ المدرس عبدالله اسماعيل، بخفة ظل إلا ان يقول وهو يتحسس المسدس في يده «ترى صارت صج!» فهو لم يستوعب أن الموضوع تطور الى عملية حقيقية بها سلاح ولعبة خطرة لم نجربها جميعنا، كتمت ضحكتي ولا زلت اتخيله بظرفه وخفة دمه طوال عيشنا شهور معاً في تلك الزنزانة.
كان كلامه حقيقي يعكس مشاعرنا جميعاً. بعد اجتماع يوم الخميس ليلة الجمعة الموافق 8 ابريل 65، توجهنا نحو اسلاك الكامباوند، وفتحنا ثغرة تسع لمرور شخص، ونتيجة ان الشارع الرئيسي لحظتها كانت به حركة كثيفة، فإننا فضلنا تأجيل العملية ليوم آخر، اعدنا اسلاك السور المقطوع، وعدنا يوم الجمعة ليلة السبت الموافق 9 ابريل، لاستكمال مهمتنا الوطنية ضد الشركة، التي تسببت في كل ذلك التسريح وانفجار الانتفاضة، لاكتشف نفسي بالصدفة بعد عقود مشدوداً بشكل لا واعي نحو بابكو لاكتب تاريخها، دون التمكن من التصريح الواضح، عن تفاصيل تلك العملية. في يوم الجمعة فجر 16 ابريل 65 تم اعتقالي ضمن سبعة آخرين سبقوني، ماعدا جاسم ناصر الذي خرج قبل هجمة الاعتقالات تلك نتيجة الاعتراف، ولا زلت أتساءل كيف توصلوا لذلك العنصر؟ تسعة أسماء من 13 شخصاً، حصيلة التجريف، ولكن بوب ظل يبحث ليس عن الاربعة اشخاص، صاحب السيارة الثالث (ابن الاعيان) وحسب وإنما اين ذهب المسدس والقنبلتان بعد انهاء المهمة تلك، فحسب الاعتراف انها كانت في حوزة مجموعة الحورة، التي لم يكن يعرف وجوهها «صاحب الاعتراف» فكنت أمامهم الحلقة، التي ينبغي التركيز عليها. فظلوا يحاولون في التحقيق بين الفينة والاخرى منذ 16 ابريل لما بعد عشرة ايام، حتى لحظة خطأ بوب القاتل، الذي واجهني بشاكر ليوهمه بأنني اعترفت عليه، فلما انكرت امام شاكر تكشف له ان اجهزة الامن لا تعرف تفاصيل كاملة عن العملية، وحدودها فقط تقف عند اعتراف اول خيط. كان لحظتها شاكر الذي اعتقل في 14 ابريل، وامام ركام من الاعترافات والمعلومات المتواصلة، في وضع مرتبك للغاية تصل حد الانهيار المعنوي.
بعد تلك المواجهة تنفس شاكر الصعداء وتبينت له الامور اكثر، بعد عام وثلاثة شهور نقلت من سجن الجيل الى سجن جدة، فبعث لي شاكر بقصاصة صغيرة يقول: «كنت لي أشبه بطوق نجاة». لم يكن نكراننا نابعاً عن وعي عميق ولا فهم بحجم المسؤولية، وإنما نتاج عناد شبابي مبني على فكرة وقيم «البطولة النضالية!».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها