النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

هامش حول زيارة السبسي الاعتدال التونسي - البحريني في الحداثة والتنمية

رابط مختصر
العدد 9801 الإثنين 8 فبراير 2016 الموافق 29 ربيع الثاني 1437

أعطت زيارة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي إلى البحرين مؤخراً مؤشراً إيجابياً مهماً على استعادة العلاقات الخليجية التونسية نسقها الطبيعي بعد جفوة طارئة ناجمة على التحول الذي حدث في تونس بعد انتفاضة 2011م، وعن الارتباك الذي حدث خلال فترة حكم الترويوكا، وإلى بعض التصريحات غير الموفقة والمواقف السلبية الصادرة عن الرئيس المؤقت السابق المنصف المرزوقي. ومن هنا تأتي أهمية الزيارة التي قام بها الرئيس التونسي إلى كل من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت ومملكة البحرين خلال الفترة القليلة الماضية، في تعزيز الثقة المتبادلة والتعاون المشترك، في ظل ثوابت التعاون العربي المشترك والالتزامات الثابتة.
ولقد كان لافتاً خلال هذه الزيارة الناجحة، في محطتها البحرينية، إضافة إلى توقيع العديد من الاتفاقيات المهمة، ما أشار إليه الرئيس التونسي في كلمته وفي لقاءاته المفتوحة مع رؤساء تحرير الصحف البحرينية، من أمرين مهمين:
- الأمر الأول: ثبات الاعتدال والوسطية في المزاجين التونسي والبحريني معاً، لتشابه الرؤى والمنظور السياسي والاجتماعي، وذلك عندما أشاد السبسي بهذه الوسطية البحرينية والتونسية، فعلاً وقولاً، حيث كانت التجربة الحداثية في البلدين من أكثر التجارب العربية استنارة وانفتاحاً ووسطية في كافة الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية:
فعلى الصعيد السياسي كان الإصلاح مدركاً لما تحمله التحولات من انعكاسات ومخاطر، خصوصاً فيما تجر إليه من نزوع إلى الاحتماء بالماضي والتشبث بما يوهم بالقدرة على وقف الزمن وبناء المجتمع على شاكلة صور قديمة لا تعترف بأبسط سنن الحياة: سنة التطور. كما اختار النهج السياسي الوسطي الواقعي عدم الخضوع لتسارع الزمن حتى لا يفقد القدرة على التأثير في سير الأحداث، وحتى لا يسلب المواطنين حقهم في المشاركة في صنع مصيرهم، فاختار إرساء مجتمعي وسطي معتدل التوجهات، ينخرط فيه الجميع على أساس المواطنة، ينبني على منظومة من قيم التسامح والتضامن والعدل والحرية والحوار والقبول بالتنوع واحترام حقوق الإنسان، وهي القيم التي بلغت مرتبة الكونية بفعل حركة التاريخ وحلقاتها التي لا تنقطع من التلاقح الحضاري، فدخلت دائرة الرصيد المشترك من القيم الإنسانية، وقد تأكدت أهمية هذا العنصر من خلال ما أفرزه الواقع من توافق تسارع عجلة التاريخ السياسي وتسارع عجلة التقدم العلمي والتكنولوجي، فيسر استشراف التطور نحو مجتمع يتسم بالحركية والتفتح، مجتمع يتزايد فيه إسهام الفرد في المجهود الوطني المشترك، في مجتمع تقام العلاقات بين أفراده بصورة مباشرة وبأكثر حرية، مجتمع توفر فيه شبكات الاتصال الحديثة فضاءات جديدة للحوار وتبادل الرأي، وتجد فيه العلاقات البشرية المزيد من الإثراء والتنوع، مجتمع أكثر استعداداً لتقبل البناء الديمقراطي ويكون أشد حرصا على تكريسه ودعمه وحمايته، بما يساعد على الانخراط في زمن المسؤولية..
كما كان واضحاً في هذه التجربة قطعها مع ما شاهدناه هنا وهناك من ممارسات تدعي الديمقراطية في الظاهر، ولا توفر إلا الفوضى والانزلاق إلى متاهات الممارسة اللامسؤولة للحريات في النتيجة، ولذلك فإن التجربة التي عاشها البلدان أثناء وبعد 2011م - بالرغم من الاختلافات البينة بينهما - قد أعادت تأكيد الحاجة إلى تعزيز الإصلاح والاعتدال والوسطية لمواجهة الفوضى والعنف والتطرف والكراهية، الأمر الذي يجعل التجارب الديمقراطية موغلة في الخصوصية مما يعني أن الديمقراطية ليست بضاعة تصدر بمقاييس ثابتة، فمن حق كل دولة ومجتمع أن يختارا النموذج الديمقراطي الذي يناسبهما.

أما على الصعيدين الاقتصادي - الاجتماعي، فالبلدان ينتهجان النهج التحرري في الاقتصاد من دون أن يؤدي ذلك إلى استقالة الدولة عن تقديم خدماتها الأساسية لمستحقيها، بل ومضاعفة هذه الخدمات وتطورها لتشمل أكبر عدد ممكن من المواطنين، بما ينم عن مدى الوعي بالمسؤولية التاريخية التي يتحلى بها البلدان ووعيهما بالدور الذي تضطلع به الدولة الحديثة كتجسيم لميزة الدولة الكافلة لكل حقوق الفرد في المواطنة، بما وسع قاعدة الطبقة الوسطي لتكون بمثابة التعبير الصحيح عن قوة الجسر الرابط بين الفئات الاجتماعية ودليلاً مادياً ملموساً على توجه نحو تحقيق قدر مهم من العدالة الاجتماعية بفضل لعب الدولة دور المتحكم في موازنات الوضع الاجتماعي في اتجاه التوازن، وحفظ المصالح، وقد حقق ذلك مكاسب وإنجازات تسمح للملاحظ المحايد بالقول بان البلدين - بالرغم من التحديات الكبرى التي يواجهانها - قد حققا قدراً لا بأس به من التقدم على الصعيد الاجتماعي. وحتى في المجال السياسي - وبالرغم من اختلاف النظامين السياسيين من حيث الشكل - فإن الإدراك المتعاظم في البلدين، ببلوغ المواطنين درجة من الوعي والنضج تسمح لهم بالمشاركة في تصريف شؤون بلدهم، في ظل خيار سياسي معتدل، يولي المؤسسات الدستورية مكانتها، قد وفر قدراً من أسباب الديمقراطية المسؤولة التي تقوم على أساس سيادة الشعب وسيادة القانون ونبذ العنف والتنازع، بما سمح بإرساء ملامح الحياة الديمقراطية المسؤولة، وذلك بالرغم من المطالبات المتزايدة بتطوير هذه التجربة واغتنائها.
- الأمر الثاني اللافت في تصريحات السبسي ما يتعلق بدور المرأة التونسية في تعديل كفة الميزان لصالح الاعتدال والحداثة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حيث برز دور المرأة التونسية كقوة مجتمعية وثقافية نضالية، في مواجهة الاتجاهات المنغلقة التي برزت إبان حكم الترويكا، وخصوصاً عندما شعرت المرأة بأن مكتسباتها مهددة بالتراجع، فاستنفرت قواها وصنع جهدها فارقاً مهماً في هذه الانتخابات، فقد كانت هذه المرأة إبان النضال ضد السياسات والنزعات الرجعية في مقدمة القوى المناضلة والرافضة لأي تراجع على صعيد المكتسبات الحضارية التي تحققت لها، ولذلك كانت من بين أهم القوى التي استنفرت قواها لمواجهة هذا التهديد الذي شكله الإسلام السياسي في تلك المرحلة من الانغلاق، ولذلك كان حضورها ونشاطها حاسماً في هذه الانتخابات الأخيرة، مما دفع السبسي إلى التأكيد بأن للمرأة دوراً حاسماً في تعزيز الاعتدال والوسطية والحداثة إذا ما تم استنفارها بالشكل الصحيح لحماية المكتسبات، وهذا أمر مهم في أي مجتمع ديمقراطي يسعى إلى حفظ التوازن بين الأصالة والمعاصرة.
همس
يقول مونتسكيو في كتابه روح الشرائع: «ينبغي عند وضع القوانين مراعاة خصوصية الشعب الذي وضع هذا القانون من أجله، إذ لا يمكن أن يصلح قانون شعب لشعب آخر».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها