النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10909 الأربعاء 20 فبراير 2019 الموافق 15 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:52AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:07AM
  • المغرب
    5:34AM
  • العشاء
    7:04AM

كتاب الايام

رحلة بين الخوف.. والتوكل على الله

رابط مختصر
العدد 9799 السبت 6 فبراير 2016 الموافق 27 ربيع الثاني 1437

من منا لم يمر بلحظات عصيبة أصابته بالتوتر وربما جعلته ضعيفاً أمام رغباته، ومن منا أيضا من مر بلحظات خوف وجزع وفزع جعلته يؤجل قرارًا مهمًا كان يفترض أن يتخذه لعله يكون خيراً له، فعدم اتخاذ القرار في الوقت المناسب يصيبنا بالاكتئاب خاصة إذا كانت نتائج هذا التأخير مؤلمة وصعبة ومكلفة، وهنا يكون التوكل على الله خالقنا هو الملاذ الوحيد والأوحد ولا مجال لسواه.
فكثيرة هي مشاغل الحياة وشواغلها، ومنها ما نصاب به أحيانا من قلق وتوتر، سواء أكان قلقاً طبيعياً نستطيع السيطرة عليه بتوكلنا على الله - سبحانه وتعالى - حق التوكل، وبين ما نسميه بـ - القلق المرضي - وهنا المشكلة، لأنه قلق ناجم عن سخط ربما على ما يناله الإنسان من حظ سيئ أو خوف من وقوع شيء غير معلوم أو محدد، والأسوأ هو النظرة السوداوية للأمور.
فالقلق الطبيعي لا غبار عليه ولا خوف على صاحبه، وإنما النوع الثاني هو مشكلتنا، حيث ننسى هنا توجيهات آيات القرآن الكريم، وأحاديث المصطفى - عليه أفضل الصلاة والسلام - للوقاية من القلق والخوف على الحياة والرزق، والتي أكد فيها رب العزة والجلال تكفله برزق جميع خلقه (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها)«هود: 6»، مع السعي والعمل فيما يرضي الله والتسبب في ذلك لقوله - تعالى -: (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) «الملك: 15».
وهنا يجب على المرء البعد عن المضار النفسية التي تسبب له القلق المزعج المرضي مثل الوساوس والأوهام وعدم الراحة والقناعة بما كتبه الله له أو عليه، وربما كانت الحلول في أبسط صورها تتمثل في القناعة، حيث ان النظر إلى ما لدى الغير من خير مثل المال أو الجاه أو المنصب من الأمراض النفسية المهلكة للإنسان، ومن ملزمات القناعة أيضا تدريب النفس على حب الخير للغير وعدم الحسد والحقد والأنانية، فكل ذلك من المحفزات على أن يكون الإنسان مجتهداً ومثابراً ودؤوباً على أداء أي عمل يرضي الله عز وجل. ومن موجبات القناعة أيضا الفرح بما كتبه الله له من رزق مع عدم الركون إلى الكسل والاعتماد على الغير. ويقول علماء الاجتماع وعلم النفس، إن على كل شخص النظر دائما إلى من هم أقل منه وضعاً في مجتمعه القريب أو البعيد من كافة النواحي المادية أو الاجتماعية أو الأسرية، وتعويد النفس على التواضع والبذل كي يحس بقيمته وأهميته لنفسه وحب الناس له.
وإذا كانت القناعة تقضي على ما يصيب النفس من سوء، فالتوكل على الله يقضي على ما يصيبها من خوف وجزع من اتخاذ قرار معين، ولعلنا إذا تأملنا حال الإنسان، فنجد لدى البعض قوى هائلة لا يقف في وجهها أحد سوى «نفسه»، فمتى رغب الإنسان في شيء لم يتعارض مع إرادة الله، فهو حاصل عليه لا محالة بإذن الله. ورغم هذه الإرادة التي وهبها المولى جل وعلا لجميع البشر، إلا أنه ليس جميع البشر من يستطيعون الوصول لأهدافهم، وأكبر حاجز يعيق الإنسان عن تحقيق مراده يتمثل في «الخوف»، لأنه يقبع داخل النفس البشرية ويصنع فيها جدارا صلبا يصعب كسره. ولكن البعض يستطيع بقوة الله والتوكل على مشيئته تدمير الخوف قبل أن يدمر حياته ويشلها تماما.
ولعل الكثير منا يعرف كم من إنسان دمر الخوف حياته وشل تفكيره وهز أركانه، ورغم كل ذلك يظل الكثيرون عاجزين عن تجاوز حاجز الخوف، فالمحاولة لديهم تعني مزيدا من الألم ومزيدا من الخوف معاً للأسف. لكن سبحان من شملت رحمته كل شيء ووضع لنا حلاً رائعاً وسهلاً وبسيطاً يقضي على أي خوف قد يعتري النفس البشرية، بل وخص من يستخدم هذا الحل بأجر عظيم. فهل هناك أعظم من أن الله سبحانه وتعالى يعطيك علاجاً لخوفك وبالإضافة لذلك يحبك ويجعلك من المقربين منه بل ويثني عليك في مواضيع عديدة في كتابه الكريم. وهذا هو ما أعنيه تحديدا، فالإنسان حين يقدم على أمر ما، تبدأ المخاوف تحاصره، قد يكون خوفا من الفشل، وخوفا من الألم، وخوفا من المجهول، ولكن لأن خالقنا عز وجل هو أعلم بنا فمنحنا علاجاً سحرياً هو «التوكل». فالتوكل على الله يعني أنك ككائن بشري حين تريد القيام بعمل فأنت تستعين بالقوة العظمى التي تسير هذا العالم، فيسخر لك سبحانه كل شيء لإنجاز عملك.. فهل لو فهم الإنسان معنى التوكل سوف يخاف بعد ذلك من النجاح وإنجاز كل أموره.. ولعل في قصتنا التالية أبلغ عبرة عما نقوله.. كان هناك شاب يريد قضاء مصلحة في احدى المؤسسات، وبلغه صديق له أن لو لديه واسطة في هذه المؤسسة ستعجل إنجاز معاملته التي تحتاج لعشرة أيام للحصول على النتيجة المرجوة. والمثير أن الشاب كان يعرف شخصية ذات شأن كبير بإدارة المؤسسة فعلاً، فذهب الشاب لمكتب مدير إحدى الأفرع وأخبره بأني آتٍ من طرف فلان.. وما أن سمع المدير باسم الشخصية المهمة، حتى أشرق وجهه وتحرك من مكانه الذي كان يقف فيه منذ قليل كالصخرة الجامدة، ورحب بالشاب وبشره بأن معاملته سوف تأخذ عشرة أيام لإنجازها وأنه سوف يبلغه بهذا في موعده، وكله لعيني صاحب الواسطة الشخصية المرموقة.
وهنا سمع الشاب صوتاً بداخله يقول «لحظة يافتي، إن كان هذا الإنسان يرحب بي كل هذا الترحيب من أجل واسطة بشرية، فماذا سيحدث لو أستعنت بالقوة العظمى التي تحرك العالم وتوكلت على خالقي ومولاي؟».. ثم قرر ترك المدير وأن يستعين بالله رب العالمين لا بشراً عادياً، فتوجه على الفور لفرع آخر للمؤسسة ينجز نفس المعاملة، لكنه كان هذه المرة متوكلا يقينا على ربه ولا أحد سواه.. وما أن دخل الشاب الى مكتب الموظف المسؤول حتى طلب منه الأخير المعاملة، وفي ثوان معدودة كان له ما أراد وحدثت المفاجأة التي أذهلت الشاب، فالمعاملة التي تستغرق عشرة أيام على الأقل لإنجازها ناهيك عن إجراءاتها المرهقة، انتهت في ثوانٍ. يا سبحانه الله جل في علاه. وكاد قلب الشاب أن يطير فرحاً وهو الذي تملك منه الخوف لحظة من تعطل معاملته وأدرك أنه لا مكان للخوف في وجود «التوكل» وأن من توكل على الله كفاه وأعزه ونصره.
وحقيقةً التوكل على الله تعالى تعني في أعلى معانيها الاعتماد عليه وتفويض الأمر إليه ثقة في حسن تدبيره واعتقاداً بأن النفع والضر بيده وحده سبحانه، ولهذا فإن التوكل عبادة من أجل العبادات إذ يجمع عبادات عظيمة من التذلل لله، والخضوع إليه، وتفويض الأمر إليه، ورجاؤه سبحانه، والاستعانة به، والالتجاء إليه، وحسن الظن به جل وعلا، واعتقاد أن النفع والضر بيده وحده. ويستلزم التوكل الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا فيؤمن بسعة علم الله تعالى وقدرته، وعظيم ملكه وسعة رحمته، وكمال غناه وجميل حمده، وحسن ولايته وربوبيته، وبديع حكمه وحكمته، وغيرها من الصفات العليا الجليلة التي هي من آثار أسمائه الحسنى. وقال الله تعالى: وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين «المائدة: 23»، كما صرح به في قوله تعالى: ألا تتخذوا من دوني وكيلا «الإسراء: 2». وقال تعالى: قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا «الملك: 29»، وقال تعالى: وعلى الله فليتوكل المتوكلون «يوسف: 67» وقال تعالى: وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (3) ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه «الأحزاب: 3، 4».
وقد اختتم بتجرية شخصية كنت أشرت إليها قبل أسبوعين عندما خضعت لعملية جراحية في لبنان، فبعد طول تفكير وخوف من النتائج لربما تكون سيئة، تأخرت في اتخاذ القرار، إلى أن توكلت على الله واستعنت بقدرته، وكان القرار حكيما بحق ليلهمني المولى عز وجل الحكمة والقوة لأقرر ما هو مفيد لصحتي وقد كان والحمد لله، ومن هنا أقول إن التوكل على الله يقضي على الخوف، سواء من الفشل أو من المستقبل أو من الألم، فالاستعانة بالله من الإيمان. وقال تعالى (فاذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها