النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11720 الإثنين 10 مايو 2021 الموافق 28 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:28AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:14PM
  • العشاء
    7:44PM

كتاب الايام

«إليوت» و«شوبنهاور» و«بودلير» الثقافة السعودية

رابط مختصر
العدد 9798 الجمعة 5 فبراير 2016 الموافق 26 ربيع الثاني 1437

في العاشر من فبراير القادم تحل الذكرى الأولى لرحيل الأديب والناقد والفيلسوف والمفكر والروائي والمترجم والصحفي المرحوم عابد خزندار. ففي هذا اليوم من عام 2015 فجعت الأوساط الأدبية والفكرية في السعودية برحيل هذا الإنسان الجميل، صاحب الرؤى الفلسفية العميقة والثقافة الفرانكفونية التنويرية في باريس عن 80 عامًا.


ولعل هذه مناسبة مواتية لنرفع الصوت مجددًا مع معارفه وزملائه في الفكر والقلم مطالبين الجهات المعنية في وطنه بوضع جائزة باسمه تمنح للمبدعين، خصوصًا وأنه لم يكرم من قبل أي جهة سوى إثنينية عبدالمقصود في 2001، بل لم يتم تداول ودراسة فكره ونتاجه الأدبي والثقافي من خلال الأندية والجامعات على النحو الذي حدث مع أسماء محلية أخرى أقل شأنا معرفيا، باستثناء دراستين يتيمتين: الأولى بعنوان «أنماط القراءة النقدية في المملكة العربية السعودية: عابد خزندار نموذجًا» من إعداد الناقد أحمد العطوي في 2010، والثانية بعنوان «عابد خزندار، مفكرًا ومبدعًا وكاتبًا» من إعداد المؤرخ محمد عبدالرزاق القشعمي في 2013. والحقيقة أن العطوي فعل خيرًا حينما أتى على ذكر أسباب تغييب خزندار عن لوحة النقاد الأدبيين السعوديين والعرب وتجاهله، والتي لخصها في غياب قاريء رفيع الثقافة يستطيع فهم ثقافة خزندار الصعبة ولغته النقدية المركبة.
أما عن حيثيات هذه المطالبة ومبرراتها فهي كثيرة. إذ يكفي الإطلاع على سيرته الذاتية الزاخرة بألوان من الابداعات في مجالات شتى، ناهيك عن عصاميته وتفرده في جملة من الأمور، وتبحره في الثقافات العابرة للقارات، وأسبقيته في الخليج والجزيرة لجهة دراسة الثقافتين الفرنكفونية والألمانية. ولعل مرد هذا التنوع والثراء في شخصيته خلاف ولادته في مدينة مكة التي هي معبر للثقافات ومركز للعلوم ومحطة لإختلاط الثقافات والاعراق أن كل مرحلة من مراحل حياته تزامنت مع منعطفات تاريخية حادة كانت لها الأثر الكبير في تشكيل وعيه وتوجهاته. فمثلا كانت ولادته ونموه ودراسته في زمن التحولات الكبرى بعد توحيد السعودية. وحينما ذهب لإكمال دراسته الجامعية في مصر كانت الأخيرة تعيش مخاض التحول من العهد الملكي إلى العهد الجمهوري. وبعد عودته إلى بلده للعمل كانت شعارات الثورة والقومية العربية ورومانسيات الوحدة العربية هي الطاغية فدفع ثمن الانجراف وراءها. أما اختاره لباريس كمحطة للراحة والتأمل ومراجعة الذات بعد محنة السجن فقد تزامن مع محاولات فرنسا الخروج من تداعيات ثورة الشباب والعمال اليسارية العنيفة التي أسقطت الجنرال شارل ديغول.
ولد عابد محمد علي عنبر آغا خزندار في حي القشاشية/‏الشامية في مكة في 1935 لعائلة قدمت إلى الحجاز مع حملة إبراهيم باشا، حيث عمل جده كمسؤول عن المالية في العهد التركي (لهذا السبب اكتسبت العائلة لقب الخزندار التي تعني أمين الخزانة). غير أن عائلته صارت لاحقًا من أوائل من وزع المطبوعات الأجنبية في المملكة عبر مكتبة الخزندار التي تحولت تدريجيا إلى دار للنشر، علمًا بأن عمه الأديب والصحفي حسين خزندار كان أول رئيس تحرير لصحيفة «اليوم» منذ تأسيسها بالدمام في 1964.
أما دراسته فقد كانت في مكة، حيث درس أولاً في كتاتيبها، ثم درس الإبتدائية في مدرستي الفلاح الأهلية والرحمانية الحكومية، ثم أنهى الثانوية في مدرسة تحضير البعثات في 1953، لينتقل بعدها إلى مصر بهدف الإلتحاق بكلية الطب، ولكنه اختار دراسة الهندسة الزراعية في جامعة القاهرة، بعد أن قرأ كتابًا عن النحل للأديب أحمد زكي أبو شادي، فسحره النحل والأدب معًا.
في تحقيق عنه بقلم الكاتب السوري المعارض إبراهيم الجبين في صحيفة العرب اللندنية (16/‏11/‏2013) يقول ﺨﺯﻨﺩﺍﺭ متذكرًا فترة دراسته الأولى: «ﺘﻴﺴﺭ ﻟﻲ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﺤﻕ ﺒﺎﻟكتاب، ﻭﻗﺩ ﺩﺭﺴﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺩﺍﻴﺔ ﻓﻲ كتاب ﻟﻠﺒﻨﺎﺕ ﻜﺎﻨﺕ ﺘﺩﻴﺭﻩ ﺴﻴﺩﺓ ﻤﻥ ﻋﺎﺌﻠﺔ ﺍﻟﻬﺯﺍﺯﻱ، ﻭﻜﻨﺎ ﻨﻜﺘﺏ ﺩﺭﻭﺴﻨﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻠﻭﺡ ﻨﺴﺒﺔ ﻟﻨﺩﺭﺓ ﺍﻟﻭﺭﻕ ﻓﻲ ﺘﻠﻙ ﺍﻷﻴﺎﻡ، ﻭﻫﺫﺍ ﻤﺎ ﻜﺎﻥ ﻴﺘﻁﻠﺏ ﻤﻨﺎ ﺤﻔﻅ ﺍﻟﺩﺭﻭﺱ ﺃﻭﻻً ﺒﺄﻭل ﻟﻨﻤﺤﻭﻫﺎ ﻋﻥ ﺼﺩﺭ ﺍﻟﻠﻭﺡ ﻜﻲ ﻨﻜﺘﺏ ﻋﻠﻴﻪ ﻤﺠﺩﺩًﺍ ﺍﻟﺩﺭﻭﺱ ﺍﻟﻼﺤﻘﺔ». ويضيف أنه إلتحق بالمدرسة النظامية لكنه كان يغادر المدرسة عصرًا إلى باحة الحرم المكي لمتابعة حلقات الدروس، ليحفظ ألفية بن مالك في النحو وغيرها. وقال عن والده الذي كان هو الآخر مثقفًا: «ﺃﻨﺎ ﺘﻌﻠﻤﺕ ﻤﻥ ﺃﺒﻲ ﺃﻜﺜﺭ ﻤﻤﺎ ﺘﻌﻠﻤﺕ ﻤﻥ إﺒﻥ ﻫﺸﺎﻡ ﺍﻟﺫﻱ ﻜﺎﻥ ﻜﺘﺎﺒﻪ ﻫﺫﺍ ﻤﻘﺭﺭًﺍ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺒﻤﺩﺭﺴﺔ ﺍﻟﻔﻼﺡ ﺒﻤﻜﺔ ﺍﻟﻤﻜﺭﻤﺔ».
وفي التحقيق نفسه يتطرق خزندار الى جانب آخر من حياته المبكرة هو المصادر الأولى التي من خلالها تشكل وعيه فيذكر الورق، «الذي عاد إلى الظهور في مكة من بعد انقطاع بسبب الحرب العالمية الثانية فعادت معها الصحافة»، ويذكر الراديو، الذي قال إنه «صنع ثقافته ونقل إليه كل ما يشتهي من أبعد مكان في العالم»، ثم يذكر المكتبات فيقول إن مكة كانت بها مكتبة راقية اسمها «مكتبة عباس حلواني»، وبعد الحرب تأسست بها «مكتبة الثقافة» على يد عبدالحميد الصحاف وﻋﺒﺩﺍﻟﺭﺯﺍﻕ ﺒﻠﻴﻠﺔ ﻭﺼﺎﻟﺢ ﺠﻤﺎل ﻭﺃﺤﻤﺩ ﻤﻼﺌﻜﺔ. وفي السياق ذاته يتحدث عن رقابة المجتمع كحائل دون التزود بما يرغب المرء بإكتشافه فيقول: «عاقبني أحد ﺍﻟﻤﺩﺭﺴﻴﻥ حين ﺃﻤﺴﻙ ﺒﻲ ﻤﺘﻠﺒﺴًﺎ، ﻭﺃﻨﺎ ﺃﻗﺭﺃ ﺭﻭﺍﻴﺔ ﻤﺠﺩﻭﻟﻴﻥ، ﺍﻟﺘﻲ ﻋﺭﺒﻬﺎ ﻤﺼﻁﻔﻰ ﻟﻁﻔﻲ ﺍﻟﻤﻨﻔﻠﻭﻁﻲ.. وﻘﺩ ﻗﺭﺃﺕ ﻋﻥ ﺘﻭﻟﺴﺘﻭﻱ ﻷﻭل ﻤﺭﺓ ﻋﻨﺩﻤﺎ ﻜﻨﺕ ﻓﻲ ﻤﻜﺔ ﺍﻟﻤﻜﺭﻤﺔ، ﻭﺃﻨﺎ ﻓﻲ ﻤﺭﺤﻠﺔ ﺍﻟﺘﺤﺼﻴل ﺍﻟﺜﺎﻨﻭﻱ، ﻭﺫﻟﻙ ﻓﻲ ﻤﺠﻠﺔ ﺍﻟﺭﺴﺎﻟﺔ، ﻭﻻ ﺃﺫﻜﺭ ﺍﻵﻥ ﻜﺎﺘﺏ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﻤﻘﺎﻻﺕ، ﻭﻜﺎﻥ ﺍﻟﻤﺤﻭﺭ ﻟﻬﺫﻩ ﺍﻟﻤﻘﺎﻻﺕ ﻫﻭ ﺭﻭﺍﻴﺔ ﺍﻟﺤﺭﺏ ﻭﺍﻟﺴﻼﻡ.. ﻓﺘﺸﺕ ﻋﻨﻬﺎ ﻓﻲ ﻤﻜﺘﺒﺎﺕ ﻤﻜﺔ ﻓﻠﻡ ﺃﺠﺩﻫﺎ ﺒﺎﻟﻁﺒﻊ.. ﻓﻲ ﺘﻠﻙ ﺍﻷﻴﺎﻡ ﻟﻡ ﺘﻜﻥ ﻗﺩ ﺘﺭﺠﻤﺕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﺭﺒﻴﺔ».
في 1957 عاد إلى بلاده حاملاً درجة البكالوريوس في الزراعة من جامعة القاهرة، ومعها أيضا درجات من الإعجاب والشغف بالأفكار الحداثية واليسارية التي يعتقد أنها تسربت إليه من علاقة عميقة نشأت بينه وبين المفكر المصري «سلامة موسى» المنادي بالتحرر من العادات والتقاليد القديمة والانفتاح على الغرب، إضافة إلى الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي. ويعتقد أن سلامة موسى هو الذي أرشده إلى كتب الفلسفة، وخصوصًا كتب إبن رشد، وهو الذي غرس في نفسه حب فرنسا ونتاجها الفكري والفلسفي، وهو الذي شجعه على قراءة مؤلفات طه حسين والإطلاع على رحلته العلمية إلى باريس.
لكن خزندار كان قد تأثر قبل ذلك، وهو طالب في مدرسة تحضير البعثات بمكة، بمعلم اللغة العربية الأديب والناقد «عبدالله عبدالجبار». فالأخير طبقا لما نشرته صحيفة «الشرق» السعودية (11/‏2/‏2015) وجد فيه تلميذا نابغا مولعا بالقراءة فتعهده بالرعاية وأرشده إلى قراءة مؤلفات شخصيات إصلاحية ونهضوية مثل كتب المفكر المصري أحمد أمين. كما طلب منه إختيار أحد المصلحين الذين تناول أحمد أمين سيرهم، وكتابة ملخص عنه كي يذاع في حفل «ندوة المسامرات الأدبية» الذي كان يعقد في المدرسة كل خميس بحضور الطلبة والمدرسين والأدباء. فكان أن وقع اختيار خزندار على شخصية مدحت باشا الملقب بأبي الدستور العثماني، ليس بسبب التوجهات الإصلاحية والتنويرية لهذه الشخصية فقط، وإنما أيضًا لأنه دفع ثمن تلك التوجهات اعتقالاً وسجنًا في «قلعة الطائف»، ثم اغتيالاً.
وفي 1961 تزوج خزندار من السيدة شمس الحسيني التي عملت كمحررة في الصفحة النسائية بجريدة «اليمامة» بدعوة من صاحبها آنذاك الشيخ حمد الجاسر. لكنه ما لبث أن غادر السعودية مجددا برفقة زوجته في رحلة علم جديدة، كان هدفها الحصول على درجة الماجستير في الكيمياء الحيوية من جامعة ميريلاند الأمريكية والتي نالها في 1961. إلتحق بعد ذلك بوزارة الزراعة (تأسست في 1953 وكان أول من حمل حقيبتها الأمير سلطان بن عبدالعزيز) وتدرج في وظائفها بسرعة، بسبب ندرة الكفاءات الجامعية وقتذاك، إلى أن وصل إلى مرتبة مدير عام الثروة الحيوانية في الوزارة في 1962. وبسبب هذه المرتبة كان عليه الإنتقال من الحجاز للإقامة والعمل في الرياض.
مما يذكر عنه أنه، أثناء توليه تلك الوظيفة، حرص على أن يجسد نموذجًا مختلفًا للموظف الحكومي الذي ينزل إلى مواقع العمل ليرى ويشرف ويتعلم، بدلاً من أن يجلس في المكاتب المكيفة، ويصدر الأوامر، ويوقع الأوراق. وآية ذلك أنه راح يتنقل بنفسه بين القرى والوديان في المقاطعات السعودية الشمالية المحاذية للأردن، ويقيم في الخيام وسط الصحاري، ويختلط بالبدو ورجال القبائل، الأمر الذي أثار استغراب شيخ قبيلة الرولة «نوري الشعلان». وفي السياق نفسه يضيف المؤرخ محمد القشعمي، في مقال له في صحيفة عكاظ (22/‏5/‏2011) أن خزندار «آثر العيش في الصحراء وبين المزارعين في وادي السرحان بالجوف لأكثر من سنة.... فكان لا يستحم إلا في نهايات الأسابيع حين يذهب إلى عمان بالمملكة الأردنية الهاشمية ويستأجر غرفة في أحد فنادقها».
غير أن الأجواء الملبدة بالغيوم السياسية الداكنة في تلك الحقبة الصعبة من التاريخ العربي المعاصر أودت بالرجل إلى المعتقل السياسي، الذي قضى فيه الفترة من 1963 إلى 1965. وبعد إطلاق سراحه منع من السفر لمدة 9 أعوام، كما لم يسمح له بتقلد أي وظيفة عامة. اعتقد البعض أن تلك السنوات من أقسى فترات حياته وأشدها على نفسه المرهفة، لكن الأمر، بالنسبة له كان مختلفا، حيث قال عن فترة اعتقاله في سجن الدمام مع رفيقيه الأديب والصحفي عبدالكريم الجهيمان والشاعر عبدالرحمن المنصور، طبقًا لما ذكره لإبراهيم الجبين (مصدر سابق): «ﺃﻤﻀﻴﺕ ﻋﺎﻤﻴﻥ ﻫﺎﺩﺌﻴﻥ ﺘﻔﺭﻏﺕ ﻓﻴﻬﻤﺎ ﻟﻠﻘﺭﺍﺀﺓ ﺒﻼ ﺃﺩﻨﻰ ﺼﺨﺏ ﺃﻭ ﻀﺠﻴﺞ. ﺍﺴﺘﺜﻤﺭﺕ ﻓﺘﺭﺓ ﺍﻟﺘﻭﻗﻴﻑ ﻤﻊ ﺍﻟﺠﻬﻴﻤﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺭﺍﺀﺓ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﻭﺭﺍﺕ ﻤﻌﻪ. ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻟﻡ ﺃﻋﺎﻥ ﺃﺒﺩًﺍ.. ﺇﻥ ﻓﺘﺭﺓ ﺍﻟﺴﺠﻥ ﻟﻡ ﺘﻜﻥ ﻤﺅﻟﻤﺔ ﺒﺎﻟﻨﺴﺒﺔ إﻟﻲ. ﺼﺤﻴﺢ ﺃﻨﻨﻲ ﻅﻠﻠﺕ ﻓﻴﻬﺎ ﺒﻌﻴﺩًﺍ ﻋﻥ ﺃﻫﻠﻲ ﻭﻋﺎﻟﻤﻲ ﺍﻟﺨﺎﺹ، ﻟﻜﻨﻨﻲ ﻟﻡ ﺃﻋﺎﻥ. ﻜﻨﺕ ﺃﻗﺭﺃ ﻭﺃﻜﻴﻑ ﻨﻔﺴﻲ ﻤﻊ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ». وفي السياق نفسه قال زميله في المعتقل عبدالكريم الجهيمان أنه عرف جميع حركات خزندار «وسكناته وطريقته في الحياة، فرأيت ما أعجبني من رجولة ومكارم وأخلاق.. يضاف إلى علم غزير ومعرفة بلغتين أو ثلاث أو أكثر من اللغات الأجنبية الحية، علاوة على اللغة العربية».
وعلى إثر إنتهاء مدة المنع، قرر الرجل أن يشد رحاله إلى باريس، التي إحتضنته عشر سنوات متواصلة كدارس للثقافة الفرنكفونية والأدبين الفرنسي والانجليزي اللذين عززهما لاحقا بدراسة الألمانية والأدب الألماني. فكانت تلك السنوات من أغزر الفترات في حياته لجهة امتلاك ناصية النقد الحديث والمنهج الغربي والفرنسي في الكتابة. تملك سحر باريس منه فقرر قضاء أوقات طويلة فيها مع التردد على الوطن من وقت إلى آخر، ولاسيما أثناء المناسبات الثقافية مثل مهرجان الجنادرية السنوي.
يقول د. معجب الزهراني، وهو فرنكفوني سعودي آخر من خريجي السوربون في مقال له بجريدة «اليوم» (14/‏2/‏2015) إنه التقى خزندار للمرة الأولى في مهرجان الجنادرية لعام 1986 فاندهش «من هذا الرجل الهادئ الأنيق يحدثني عن تودوروف ورولان بارت وجاك دريدا، وقد كنت أحضر دروسهم في السوربون، سألته حينها: ومن أين لك هذا؟ وأعني: كيف له أن يتابع مثل هذه الأمور وهو في السعودية؟». كان ذلك اللقاء والاندهاش بداية علاقة ربطت الرجلين فتلته لقاءات أخرى كثيرة في باريس التي إتخذ منها خزندار مكانًا دائمًا لإقامته، بعد وفاة زوجته في 2012، كي يكون بجوار إبنتيه: الأولى واسمها منى وقد ولدت في الولايات المتحدة أثناء دراسة والدها هناك، وقالت ذات مرة أن والدها رسخ فيها الشغف بالأدب منذ أن كانت صغيرة، ثم صارًا يتبادلان الكتب والقراءة، وكان بينهما حوار أدبي متواصل. والمعروف أن منى خزندار تولت في 1987 منصب المديرة العامة لمعهد العالم العربي في باريس، كما حصلت على لقب المرأة العربية لعام 2011. أما الثانية فتدعى سارة وهي أستاذة التراث المعماري في جامعة السوربون.
لم يكتف خزندار بالإبحار في محيطات الشعر الجاهلي، والآداب الفرنكفونية والانجليزية والالمانية، وكتابة الرواية، والترجمة وإعداد المؤلفات في الحداثة وما بعد الحداثة والبنيوية فحسب، وإنما نذر نفسه أيضا لتناول هموم الناس وقضاياهم ومعاناتهم من خلال أعمدة صحفية يومية متميزة بالجرأة والشجاعة والنقد اللاذع، كان يختار لها عناوين جذابة. وهكذا كتب الرجل في صحف «عكاظ» و«المدينة» و«الرياض» و«اليوم»، إضافة إلى صحيفة «الشرق الأوسط» مقالات مختصرة تناولت مواضيع شائكة وحساسة مثل وضع المرأة في المجتمع السعودي، والعنصرية المحلية، ونظام الكفيل، وتزايد الفقراء. كما كتب عن السراق والمرتشين والمزورين وبيروقراطية بعض الوزارات وإهمال بعضها الآخر للمهام المنوط بها.
ولأن مقالاته هذه اتصفت باللهجة الصدامية والأسلوب الهجومي فقد أثارت الكثير من الإشكالات، فمنع من الكتابة مرارًا. بل تمت محاكمته ذات مرة على فكره. لكنه أوضح أنه كان محظوظًا لأن القاضي المكلف بمحاكمته، وهو الشيخ ابن جبير، كان متعاطفًا معه. دعونا نستمع للقصة كما وردت على لسانه في صحيفة العرب (مصدر سابق): «ﺇﻥ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺍﺒﻥ ﺠﺒﻴﺭ ﺍﻟﺫﻱ ﻜﺎﻨﺕ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺒﺭﺌﺎﺴﺘﻪ ﻫﻭ ﺍﻟﺫﻱ ﺤﺎﻜﻤﻨﻲ، ﻭﻜﺎﻥ ﺍﻟﻤﺩﻋﻲ ﺍﻟﻌﺎﻡ، ﻭﺃﻅﻥ ﺃﻥ إﺴﻤﻪ ﻋﺒﺩﺍﻟﺤﻠﻴﻡ ﺤﻤﺯﺓ، ﻭﺠﻪ ﺇلي ﺘﻬﻤﺔ، ﻗﺎل ﻓﻴﻬﺎ: ﺇﻥ ﻟﻲ ﻤﻴولا ﻓﻜﺭﻴﺔ ﻤﻤﻨﻭﻋﺔ، ﻓﻘﻠﺕ ﻟﻪ: ﺍﻟﻤﻴﻭل ﻤﺤﻠﻬﺎ ﺍﻟﻘﻠﺏ، ﻭﺍﻟﺴﻠﻁﺎﻥ ﻻ ﻭﻻﻴﺔ ﻟﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻠﺏ. ﻭﻜﺎﻥ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺍﺒﻥ ﺠﺒﻴﺭ ﻴﻘﻭل ﻟﻲ: ﻫﺫﺍ ﺼﺤﻴﺢ ﻟﻜﻨﻪ ﻟﻥ ﻴﻨﻔﻌﻙ، ﻓﻠﻤﺎﺫﺍ ﻻ ﺘﻘﻭل ﻟﻴﺱ ﻟﺩﻱ ﻤﻴﻭل ﻭﺘﺭﻴﺢ ﻨﻔﺴﻙ؟ ﻭﺍﻟﺸﻴﺦ ﺍﺒﻥ ﺠﺒﻴﺭ ﻗﺎل ﺫﻟﻙ ﻟﻴﺘﺨﻠﺹ ﻤﻥ ﺍﻟﺤﺭﺝ، ﻓﺎﻹﻨﺴﺎﻥ ﻻ ﻴﺴﺠﻥ ﻟﻤﺠﺭﺩ ﻤﻴﻭﻟﻪ، ﺍﻹﻨﺴﺎﻥ ﻴﺴﺠﻥ ﺇﺫﺍ ﻓﻌل ﺃﻭ ﺇﺫﺍ ﺠﺎﻫﺭ ﺒﺘﻠﻙ ﺍﻟﻤﻴﻭل». وهكذا تمت تبرأته.
ولعل ما سبق ذكره في الفقرة السابقة عن توجهه لملامسة قضايا العامة والدفاع عنهم أفضل رد على الذين ظلوا ينتقدونه بالقول إنه صاحب كتابات موجهة إلى فئات قليلة، بل نخبة النخب من المثقفين.
في السنوات القليلة التي سبقت وفاته، أجريت لخزندار عمليات جراحية عدة فوهن جسده وبدا غير قادر على تحمل رطوبة جدة الغانقة، فصار يهرب من جدة إلى باريس، حيث تفرغ هناك للقراءة المكثفة بالعربية والانجليزية والفرنسية، هاجرا الألمانية التي كان يجيدها ونسيها شيئًا فشيئًا بسبب البعد عنها. وهكذا يمكن القول أن حقبته الباريسية هي التي شهدت ولادة معظم إبداعاته.
من هذه الإبداعات رواية «ما بعد الحداثة» التي صدرت في 1992 وفيها يتحدث عن الروائي التشيكوسلفاكي المنشق«ميلان كونديرا»، ثم يستطرد فيتحدث عن كتاب فروا إلى الغرب من الكتلة الشرقية مثل باسترناك وسولجنستين، ثم يعود ويتحدث عن رواية «الحياة ليست هنا» لكونديرا ويقارنها بنص «إرادة القوة» للفيلسوف الألماني نيتشه، ثم ينطلق في استطراداته مقارنًا بين النصين ليخبرنا بعد ذلك عن مقابلته لسيدة عربية في أحد أنفاق القطارات في لندن ويبدأ في استذكار قصة دراسته في القاهرة من باب المصادفة، قبل أن يعود للحديث عن أعمال كونديرا الروائية. ومن أعماله أيضًا كتاب «أثنوية شهرزاد» بالفرنسية والذي ترجم إلى العربية في 1996، وهو عمل يتعلق بألف ليلة وليلة، حيث يقول فيه إن «تلك الليالي ألفت في التاريخ العربي على مدى أربعة قرون، وعندما مات الوعي توقفت الحكاية». وأصدر «المصطلح السردي في 2003، و«معجم مصطلحات السميوطيقا» في 2008 مترجمين عن الإنجليزية، علمًا بأن الكتاب الأول يشتمل على 607 من المصطلحات السردية من تلك المتعلقة بعناصر العمل الروائي، بينما يستهدف الكتاب الثاني التعريف بعلم السميوطيقيا وهو علم إنتاج الدلالة كنظرية أدبية تزايدت أهميتها خلال العقود الثلاثة من القرن العشرين.
إضافة إلى ما سبق، فإن خزندار أصدر مؤلفات: «الإبداع» في 1988، و«حديث الحداثة» في 1990، و«معنى المعنى وحقيقة الحقيقة» في 1996، و«مستقبل الشعر موت الشعر» في 1997، و«التبيان في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية» في 2012. أما آخر نتاجه فقد كان رواية «الربع الخالي» التي ظهرت قبل عام من وفاته، وفيها يسرد الكثير من طفولته وحياته، مازجا ما بين الواقع والخيال.
من أقواله التي تكشف جمال روحه ورقي مشاعره قوله إن «وعي الإنسان يتشكل عندما يبدأ يحس بالجمال، فالإحساس بالجمال هو الذي يولد الوعي، وعدم الإحساس بالجمال ينتج منه وعي متبلد. لحظة أي أمة تبدأ من لحظة إحساسها بالجمال، فعصر النهضة في أوروبا بدأ بالفنانين أمثال مايكل أنجلو وروفائيل وغيرهما». وهو القائل أيضًا: «الرياضة حاجة أساسية وإحساسا بالجمال، ووعيًا جماعيًا، فتقدم الرياضة في بلاد من البلدان دليل على تقدمها في بقية المجالات، فالتقدم حلقات متصلة تكمل بعضها بعضًا، والنظرة الدونية للرياضة فيها شيء من التبلد». والجدير بالذكر أن خزندار كان لاعب كرة قدم في صفوف نادي الوحدة بمكة المكرمة في الأربعينات، ثم انتمى إلى عضوية شرف النادي.
وبعيد وفاته نعاه الكثيرون من زملائه. فكتب د. معجب الزهراني قائلاً: «إن عابد خزندار الذي عاش في المنفى الاختياري طويلاً هو من أجمل وأنبل ضمائر هذا الوطن»، وكتبت الأديبة حليمة مظفر في مواقع التواصل الاجتماعي: «أستاذنا الكبير المفكر والناقد عابد خزندار، من أهم رموز الثقافة والحداثة لدينا، ولكن يختلف عنهم بأنه لم يدر حول ذاته، بل حول الإنسان والوطن، ولذلك لم يكن يحب الضجيج الذي يفتعله كثيرون حول أنفسهم. سبق زمنه، فهل سينصفه التاريخ؟»، ووصفه الأديب محمد العلي بـ«الهرم اللامرئي (...) الذي تمر عليه الأندية الأدبية المنتشرة في ساحاتنا الثقافية دون أن تراه». وقال عنه إبراهيم الجبين: «كان من السهل على عابد خزندار مواصلة الصدام مع السلطات والمؤسسات ذات النفوذ في السعودية، ليصبح شهيدًا طريدًا من أجل الحرية والفكر الجديد، ولكنه اختار استعمال الثقافة لهدفها الأسمى، فحامل الفكر، لا يكتفي بحمله من أجل ذاته، ولذاته، بل لنقلـه إلى الآخرين، وتقديم مشروع التنوير الكبير الذي لا يجب أن يتوقف».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها