النسخة الورقية
العدد 11096 الإثنين 26 أغسطس 2019 الموافق 25 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:52AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

الرئيس الصيني الذي لم تشبعه «الكيكة» العربية

رابط مختصر
العدد 9792 السبت 30 يناير 2016 الموافق 20 ربيع الثاني 1438

اختتم الرئيس الصيني شي جين بنيج جولته بالمنطقة التي شملت السعودية ومصر وإيران، تحدث قبلها وأثنائها عن أفاق التعاون الصيني - العربي، وأسهب في كل من الرياض والقاهرة في حديث الأماني المرجوة من ثمار تقارب بلاده مع البلدان العربية بعد غياب طويل عن تلك الساحة - باستثناء مصر كانت من أوائل الدولة التي اعترف بالصين قبل 60 عامًا تقريبًا - فيما وقع بالفعل اتفاقيات عديدة في السعودية، بيد أن الكعكة أو «الكيكة» لم تشبع نهم الرئيس الصيني، فكانت غايته الأخيرة إيران التي قدمت له كيكة أكبر ومطعّمة بأشهى الحلويات والكافيار الإيراني. لقد أدرك الصينون كغيرهم في أوروبا وأمريكا أنهم يستطيعون بناء شراكة اقتصادية قوية مع إيران بعد رفع الحصارعنها وبيع إيران مزيد من كافة منتجاتها الصناعية والغذائية وحتي العتاد الحربي.
هذا، الكلام لم يأتِ من فراغ، فالرئيس الصيني أعلن في جامعة الدول العربية التي زارها، وقال بها كلمة عن مجمل ومستقبل العلاقات البينية، إن بلاده وقعت اتفاقيات قيمتها عدة مليارات في كل من السعودية ومصر التي كان نصيبها نحو 15 مليار دولار كما هو معلن، في حين - وهنا الصدمة - وقعت الصين وإيران اتفاقات لرفع التجارة بينهما إلى 420 مليار دولار. وتعهدتا بتعزيز علاقاتهما الاقتصادية والسياسية خلال المحادثات التي أجراها الرئيس الصيني شي جين بينج في طهران مع نظيره الإيراني حسن روحاني، حيث وقعا اتفاقًا شاملاً لمدة 25 عامًا بشأن العلاقات الاستراتيجية.
ربما ينظر البعض الى جولة الرئيس الصيني للمنطقة على أنها جزء من محاولة أكبر لتوسيع النفوذ الصيني في منطقة كانت حكرًا على المصالح الأمريكية والروسية.. وربما يكون هذا صحيحًا بنسبة كبيرة، فتوجه الصين الجديد بالانخراط السياسي في الشؤون الدولية، وتحديدًا على مستوى المناطق المهمة مثل الشرق الأوسط، أصبح مكونًا مهمًا من محددات السياسية الخارجية الصينية، بعكس الفترة الماضية التي غابت فيها الصين تحديدًا عن منطقة الشرق الأوسط وكان دورها محدودًا.. فلم تكن بكين تريد مزاحمة أدوار اخرى مثل أمريكا وأوروبا وروسيا، صاحبة الأدوار القوية في الإقليم. ناهيك عن أن الهدف الأسمى لكل القيادات الصينية على مدى عقود مضت تركز في تدشين اقتصاد قوي تنافس به القوي العالمية لاحقًا. فالاقتصاد هو القاطرة التي قادت الصين للعب دور سياسي. ومن هنا اتسعت مداركها السياسية وأولوياتها لتبدل استراتيجيتها القديمة الخاصة بالحفاظ على مصالحها الاقتصادية وتأمين وارداتها النفطية وزيادة حجم تجارتها مع الدول العربية، الى التوسع أكثر في المعاملات العالمية وتزيد من انخراطها السياسي والاقتصادي الدولي. وإذا كانت القارة الإفريقية هي باكورة التوسع الصيني الكبير على العالم الخارجي، فهي تتجه حاليًا وبنفس القوة نحو منطقة الشرق الأوسط، لتأمين وارداتها النفطية والمساهمة بمزيد من استثماراتها لتعظيم عائداتها التجارية والاقتصادية والسياسية في نفس الوقت.
ولعلنا نتذكر معًا دور الصين المهم بالتعاون مع روسيا في الحفاظ على المصالح الإيرانية، فكان التوجه الصيني - الروسي المشترك دومًا في مجلس الأمن وتفويت أي فرصة للنيل من إيران لتشديد العقوبات الاقتصادية عليها، فكان الفيتو المشهور في وجه أي مشروع قرار تتقدم به الولايات المتحدة أو بريطانيا أو فرنسا في المجلس ضد إيران.
هذا التوجه الصيني - الروسي المشترك في مجلس الأمن يقودنا الى استراتيجية الصين الجديدة حاليًا، حيث تضع مصالحها في أولوية اهتماماتها الدولية، لتكون موضع استهداف من أطراف عديدة، ناهيك عن رؤية واضحة للتعامل مع أزمات الشرق الأوسط، نتيجة لأزماته المزمنة، وبينما تواجه المنطقة تحديات مستمرة، لم ترَ بكين ضرورة للابتعاد عنها والتلاعب بها، بل فضلت الانخراط فيها والتخلي عن فكرة الوكيل، لتكون هي أساس التعامل وليس الغير.
من نافلة القول التذكير بوثيقة سياسية نشرتها وزارة الخارجية الصينية عشية زيارة الرئيس شي جين بينج، أوضحت فيها أن الصين تريد تطوير علاقات أقوى مع العالم العربي في مجالي الدفاع ومكافحة الإرهاب تشمل تدريبات مشتركة وتبادل المعلومات والتدريبات.. مع تكثيف المشاركة بشكل أكبر على الصعيد الدبلوماسي ولاسيما في سوريا، حيث استضافت في الآونة الآخيرة اجتماعًا بين وزير الخارجية السوري ومسؤولين من المعارضة.
الوثيقة الصينية لم تذكر مباشرة وإنما أفادت ضمنًا بميل بكين الى ترك سياستها القديمة بترك الجهود الدبلوماسية في الشرق الأوسط للأعضاء الأربعة الآخرين دائمي العضوية في مجلس الأمن الدولي وهم بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وروسيا، وتضيف أيضًا أنها تأمل في مزيد من الزيارات العسكرية رفيعة المستوى والتعاون التقني في مجال الأسلحة والتدريبات المشتركة، ومواصلة دعم الإنشاءات العسكرية والدفاعية مع الدول العربية والحفاظ على السلام الإقليمي.
نعود إلى لب العلاقات الصينية - العربية، ونستعين هنا بمقتطفات من البيان السعودي الصيني المشترك الصادر في ختام أول زيارة يقوم بها الرئيس الصيني «شي جين بينج» الى المملكة، وجاء فيه: «يحرص الجانبان الصيني والسعودي على بذل جهود لتطوير التعاون في المجالات السياسية، والطاقة، والتعاون العملي، والمجال الأمني، والشؤون الإقليمية والدولية، إضافة الى المجالات الثقافية والإنسانية.. وأن الجانبين اتفقا» على أنه في ظل التطور المستمر للتعددية القطبية في العالم والعولمة الاقتصادية، يزداد الطابع الاستراتيجي والعالمي للعلاقات الصينية - السعودية يومًا بعد يوم، وأصبح كل من البلدين شريكًا مهمًا لبعضهما البعض على الساحة الدولية.
ونأتي للنقطة الأهم، إذ يؤكد الجانب الصيني على دعمه لجهود الجانب السعودي للحفاظ على أمن البلاد واستقرارها وتطوير اقتصادها وتحسين معيشة شعبها، ودعم قيام الجانب السعودي بدور أكبر في الشؤون الإقليمية والدولية.. وأضاف البيان: «أجمع الجانبان على أن دفع السلام والاستقرار في الشرق الأوسط يتفق مع المصلحة المشتركة للمجتمع الدولي، وهما على استعداد لتعزيز التواصل والتنسيق بشأن الأوضاع في المنطقة، بما يحقق الحلول السياسية للقضايا الساخنة، ويدعمان قيام دول المنطقة وشعوبها باستكشاف النظم السياسية والطرق التنموية التي تتناسب مع ظروفها الوطنية بإرادتها المستقلة، بما يحقق الاستقرار الدائم والتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة في المنطقة».. مع ضرورة منع انتشار أسلحة الدمار الشامل بكافة أنواعها، وتأييدهما لجعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، بما في ذلك الأسلحة النووية وذلك طبقا للقرارات الدولية ذات الصلة.. ثم أعربا عن قلقهما البالغ إزاء خطورة الوضع في سوريا، مؤكدين مجددًا على ضرورة إيجاد تسوية سياسية سلمية عاجلة للمسألة السورية.. مع التأكيد على وحدة اليمن واستقلاله وسيادته، ومطالبة اليمنيين بالحفاظ على وحدتهم الوطنية بمختلف مكوناتهم وأطيافهم وتياراتهم الاجتماعية والدينية والسياسية، بعدم اتخاذ أي قرارات من شأنها تفكيك النسيج الاجتماعي لليمن وإثارة الفتن الداخلية، والتأكيد علي دعمهما للشرعية في اليمن وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة وكذلك المبادرة الخليجية المتعلقة باليمن..وأخيرًا، تشديد الجانبين على رفضهما القاطع للإرهاب بجميع أشكاله وصوره التي تهدد السلام والاستقرار في شتى أنحاء العالم، واستعدادهما لتعزيز التعاون الأمني في هذا الصدد.
وإذا كانت السعودية والصين قد أصدرتا بيانًا ختاميًا لزيارة الرئيس الصين شي جين بينج للرياض يؤكد كل ما سبق، فكيف نتواصل مع ما جاء بالبيان المشار أليه، في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الإيراني في ختام زيارة الرئيس الصيني لبلاده، أنهما توصلا لرؤية مشتركة لحل قضايا المنطقة والإرهاب والأمن والدفاع؟ فالمسألة جد خطيرة، فالسعودية التي تقود حربًا شعواء لاعادة الاستقرار الي المنطقة التي تتزايد فيها الحروب الأهلية والطائفية والمذهبية، تواجه حربا من نوع خاص مع إيران التي تريد الحرب بالوكالة، فهي تلقي بالأخرين في التهلكة ووتتعامل معهم عن بعد عن طريق التمويل بالأموال الطائلة والتدريبات العسكرية والذخيرة، ليعيث وكلاؤها فسادًا في أراضيهم ليحرقوها. ومن هنا نتساءل: كيف ستتعامل الصين بعد زيارة بينج للقاهرة والرياض وقد بنفسه خلال لقاءاته مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز والرئيس عبدالفتاح السيسي، طبيعة مشكلات المنطقة والدور الإيراني المحرض للفساد فيها؟.. ربما كان السؤال طويلاً نوعًا ما، ولكنه يتطلب اجابة واضحة من بكين التي أصدرت وثيقة طويلة جدًا عن مستقبل العلاقات الصينية - العربية وكيفية مد الجسور بين الجانبين.
وبعيدًا عن وثيقة الخارجية الصينية، فإن الرئيس الصينى وفي قلب الجامعة العربية بالقاهرة أعرب عن سعادته بلقاء «الأصدقاء العرب» قائلاً: «أتقدم بفائق الاحترام لجميع البلدان العربية وهناك نوع من التقارب والمحبة مع الدول العربية.وأردف يقول: إن الشرق الأوسط لم يتخلص من ويلات الحرب حتى اليوم وهذا يؤلمنا. ثم يتساءل: إلى أين تتجه هذه المنطقة؟. ويدفعنا تساؤل الرئيس الصيني في الجامعة العربية عن أين تتجه هذه المنطقة، لنسأله نحن مجددًا: كيف يتحدث هكذا أمامنا وفي عقر دارنا - مقر الجامعة العربية - ثم يتحدث مع الإيرانيين عن السلام في الشرق الأوسط؟. ولن نترك له الإجابة، فهي من عندنا أيضا. ألم يدرك بعد جولته بالمنطقة والتعرف على مشكلاتها عن كثب بلقاء أكبر قائدين فيها، من يتسبب في تفاقم أزمات المنطقة، ومن يشعل التوتر بها، ومن يتدخل في الشؤون الداخلية لدولها وإثارة النعرات المذهبية والفتن بها!! ألم يدرك الرئيس الصيني سبب نكستنا في سوريا والعراق واليمن، وما حاوله البعض من إشعال الحروق في السعودية والبحرين والكويت. فالبلد الذي وقع بها عقود واتفاقات تصل الى 420 مليار دولار أو هكذا يأمل الرئيس الصيني بلوغ حجم التجارة بين البلدين، لا يمل عن مساعيه بتصدير الأزمات لدولنا، فهكذا هو الخيار الاستراتيجي لطهران وتستهدفنا به، وهي التي استغلت ما يدّعونه «الربيع العربي» لتشعل النار في سوريا واليمن والعراق، وترسل عسكرييها وذخائرها لدعم جماعات بعينها بغض النظر عن مصلحة الشعوب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها