النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

أبعــــــاد

النكتة سلاح من لا سلاح له

رابط مختصر
العدد 9791 الجمعة 29 يناير 2016 الموافق 19 ربيع الثاني 1438

وهي صحيفة المعارضة الشعبية التي لا تنتمي إلى حزب ولا إلى تنظيم سياسي شعاره لا صوت يعلو فوق صوت زعيم الحزب، فالنكتة لا تنفذ وتناقش، والحزب يفرض التنفيذ سمعا وطاعة ويطلب النقاش بعد فوات الأوان. والنكتة لها وقت محدد لا تسبقه ولا تؤجله، هي ان سبقت وقتها لا أحد يفهمها وهي ان تأخرت ستبدو «بايخه»!!.
والنكتة السياسية لها تاريخ مديد وطويل في عالما العربي وهي كتاب الشعوب تحفظها الذاكرة والقلوب، ومن ذاكرة الشعوب ترويها الركبان دون ان يجرؤوا على تدوينها في كتاب.
فالكتاب وثيقة ولان الوثيقة في النكتة السياسية صحيفة اتهام فمن سيجرؤ على جمعها وتدوينها في كتاب.
والنكتة السياسية موجعة بل موجعة مرتين. مرة لانها نكتة ومرة لأنها سياسة تتدخل فيما لا يعنيها، وقديما قالت الشعوب «من تدخل فيما لا يعنيه لقي ما لا يرضيه».
ووجع النكتة إذا كان مقبولا بدرجة أو بأخرى فإن وجع السياسة مازال مرفوضا، ولعلنا لاحظنا ان بين النكتة وبين الهزيمة علاقة وشيجة. فالهزيمة تحرض على التنكيت وهي تبكيت، ولان العرب الاكثر تعرضا للهزائم التي سموها مرة نكبة ومرة نكسة وسمتها الشعوب «نكتة» يفشون فيها خِلْقهم و«حرتهم» من باب اياك اعني واسمعي يا جارة.
لكن الجارة لا تسمع فهي تقمع هكذا أودت النكتة بعبدالله النديم وظل مطاردا بسبب صحيفة ساخرة كان يصدرها مؤيدا لأحمد عرابي الذي خرج ضد الخديوي الذي لم يستطع احتمال سخرية النديم فألقاه في الجب حتى «يحرِّم» قول النكتة التي هي سلاح ذو حدين.
والرئيس جمال عبدالناصر وبعد هزيمة 1967 خرج في خطاب جماهيري حاشد يرجو الشعب المصري ان يكف عن التنكيت على الهزيمة فإنها «سلاح ضد مصر والمصريين» كما قال في أول خطاب لزعيم عربي يطلب من شعبه التوقف والكف عن التنكيت ورواية النكت.
النكتة السياسية «ترمومتر» ينبئ ويؤشر إلى حالة المزاج الشعبي العام، هكذا قال ملف كل المخابرات العالمية.
وهي «المخابرات» توصي اجهزتها بمتابعة وتدوين النكت السياسية المتداولة بين الناس على المقاهي والمجالس والأندية وغيرها لدراسة وقياس المؤشر العام واتجاه رياح الشعوب إلى اين يتجه كل ذلك من خلال رصد النكتة وتفاصيلها ودقائقها ورمزها.
فالنكتة تعتمد الرمز والجناس والطباق والكناية والتورية وكل وسائل البلاغة العربية لتحتال عليها في توليف نكتة سياسية ستبدو من بعيد بريئة.
فهل هي بريئة؟؟ اسألوا المرحوم محمود السعدني الكاتب المصري الساخر والاشهر في صياغة النكتة التي تورط معها كثيرا وربما دفع ثمنها الكبير خلف القضبان وربما خسر بسببها مناصب صحفية كبيرة، فهو لا يمسك لسانه عندما «تحبك النكتة» حيث لا يضبط لسانه ويقولها او يكتبها دون ان يتوخى الحذر ليورط نفسه وليندم بعد فوات الاوان كما قال في مذكراته.
وحتى الذين توجعهم النكتة ويطاردونها ويلاحقون من قالها ويمنعون روايتها حتى هؤلاء يحبون النكتة ويطلبونها وكل فرد منا يطلب النكتة على طريقته وحسب مزاجه.
فكما للاحياء والفرجان الشعبية «منكتوها» الظرفاء ففي كل فريج وفي كل حي ظريف يسخر وينكت وله شهرة ومكانة في فريجه، فللملوك والزعماء ظرفاؤهم ومنكتوهم وكانوا يطلقون عليهم «المهرجون» استصغارا لهم ولم يكونوا كذلك ولكنهم عاشوا بطريقة استثمروا فيها خفة الدم والموهبة كما يستثمر المستثمرون رؤوس اموالهم هؤلاء رأس مالهم خفة دمهم.
وظرفاء فرجاننا القديمة استثمروا خفة دمهم في محبة الناس لهم فقط، ولكل زمان ظرفاؤه الذين لا يصلحون لغير وقتهم وزمانهم وامزجة مجتمعهم في تلك اللحظة التي خرجوا فيها، ولو عادوا في زمن آخر لما كان لهم هذا الظرف ولتحولت خفة دمهم إلى سماجة ولنا في بعض ممثلي الكوميديا الذين لعبوا في وقت غير وقتهم وزمن في غير زمنهم خير مثال وخير عبرة.
فيما ستظل النكتة ولاسيما السياسية منها سلاحا ولكنها سلاح ذو حدين في لعبها جد وما أدراك ما جد النكتة فقد تفتح بابا وقد تفتح جبا وقد تقد قميصك من قبل وقد تقد قميصك من دبر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها