النسخة الورقية
العدد 11033 الإثنين 24 يونيو 2019 الموافق 21 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:13AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:05PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

لبنان بلا رئيس أفضل من دولة برئيس

رابط مختصر
العدد 9785 السبت 23 يناير 2016 الموافق 13 ربيع الثاني 1437

شاءت الأقدار أن أذهب إلى لبنان في رحلة علاجية رغم تحذيرات الأصدقاء لي من التوجه لبيروت في مثل الآونة، فالأزمة السياسية مستحكمة، واضطرابات اقتصادية على خلفية غياب الرئيس وعدم قدرة الأطياف اللبنانية على حسم مشاكلهم وتسمية رئيس للجمهورية، ولكن مع كل ذلك امتثلت لعقلي وقلبي معًا، وحققت رغبتي في العلاج بهذه الدولة الرائعة، فلا يهمني أزمات سياسية أو اقتصادية، فهدفي العلاج من علتي والشفاء بقدرة الله عز وجل، ومن هنا كانت بيروت مشيئتي ووجهتي.
تظل بيروت هي بيروت، بشوارعها، وأسواقها، بجمالها بثقافة أهلها، نحبها ونشتاق إليها، فمتى يتحلى أهلها – أو كل أهل لبنان - بالحكمة، وتعود بيروت كما كنا نراها منارة ثقافية عربية نزورها بدون خوف، بدون فبركات إعلامية تزرع في قلوبنا الخوف من زيارتها.
ولعلي اعترف بأن الأسعار تضاعفت في كل مكان، ولابد لك من الفصال مع البائعين في المحلات التجارية، وحتى المقاهي وأصحاب سيارات التاكسي، وأيضًا حتى الكشف الطبي، فما تدفعه في مستشفى يختلف عما يطلبه مستشفى آخر.. هذه هي لبنان، ورغم ذلك تظل ذلك البلد الجميل الذي يراود أذهاننا وأحلامنا، لما يمثله من رمز لنا، فشارع الحمراء يعج بمرتاديه، وهكذا السوليدير والمركز التجاري والساحات ومنطقة الجميزة وفوق الجبل.
بيد أن هذا لم يمنعنا من الاعتراف بحقيقة مهمة، وهي وجود شرطة السياحة بمطار بيروت لعدم استغلال السياح، بما يؤكد ببساطة شديدة أن أمور الدولة رغم غياب الرئيس تسير بلا مشكلات، وما حديثي عن «الفصال» سوى عادة توجد في دول عديدة وليست حكرًا علي لبنان.
لبنان هذا البلد المضياف لجيرانه، تستضيف نحو 3 ملايين سوري، بما يعادل نصف سكانها البالغ عددهم سبعة ملايين نسمة، ليصل عدد السكان حاليًا نحو 10 ملايين نسمة تقريبًا، ومع ذلك لا ترى في بيروت ما تشاهده في بعض العواصم الأخرى من ازدحام مروري خانق، يصيب المرء بعصبية وضيق وإحباط، وربما يدفعه الى عدم زيارة مثل هذه الأماكن مجددًا.
لبنان يشتهر تاريخيًا بشجر الأرز، فلا يكاد يذكر إلا ذكر معه الأرز، فمنذ القدم، فالأرز ولبنان توأمان، وقد تفرد في القدم بهذا النوع من الشجر البديع في تكوينه، ولا تزال غابة أشجار الأرز الألفية تشكل إحدى أبرز المناطق السياحية اللبنانية، ناهيك عن غابة الأرز التي تضم 450 أرزة، يعود معظمها الى 4500 سنة. وتقول المعلومات إن المتصرف رستم باشا شيد عام 1877 سورًا ضخمًا لحمايتها، ومن إعجابه بها، زارها الشاعر الفرنسي لامارتين عام 1832، ونظم فيها شعرًا، فخلدت الزيارة في عام 1923 على لوحة رخامية نصبت على إحدى الأرزات.. والأرز يرتبط تاريخيًا بلبنان، فأشجاره أغلى من الذهب بالنسبة للبنانيين، حيث بدأوا استثمار أخشابها منذ الألف الثالث ق.م. وكان القدماء يرغبون في الأرز بسبب عبيره ومتانته وطول جذوعه، واستعمال زيته في طقوس التحنيط وصمغه كمادة عازلة.
ولا عجب في أن تجد كل اللبنانيين يفتخرون بشجر الأرز الذي يزين علمهم، وجعل ارتباطهم به أن يشاهدوه في كل الأوقات كلما رأوا العلم يرفرف في أي مكان، فيتذكرون أعالي بلادهم المشهورة على مر التاريخ بأنها تكتسي بغابات كثيفة من الأرز فتزيد في روعته وجلاله.
وكان اللبنانيون يصدرون خشب أشجار الأرز إلى مصر من مدن الساحل الكنعاني، ودفع به الفينيقيون عبر العصور المتعاقبة إلى الغزاة الأشوريين والبابليين والفرس، ليصنعوا منه سفنهم، ويتردد أن النبي سليمان طلب من حيرام الصوري تزويده بكميات منه لبناء قصره. فيما افتخر الملك الأشوري «سنحاريب» (715-681 ق.م.) بأنه توغل في أعالي جبال لبنان وقطع بيديه أجمل أرزاته وسرواته، وهو نفس صنيع الملك البابلي «نابوخد نصر» (605-562 ق.م.).
وبمناسبة زيارتي لبيروت، التي حاولت بقدر الإمكان أن أحولها من مجرد رحلة علاجية الى استمتاع بجو لبنان الرائع، فالجو ساحر، فالميزة هنا الاحترام المتبادل بين الفصول الأربعة، فلا يتخطى فصل الآخر، فالشتاء يلتزم بوقته ولا يجور على الربيع، وكذلك الربيع يدخل بميعاد ويغادره في يوم محدد ليتسلم الصيف منه الأجواء، حتى يصل الى شهري يوليو وأغسطس في أوج درجات الحرارة ارتفاعًا ورطوبة خصوصًا العاصمة بيروت وكل المناطق المطلة على البحر، ومن لبنان خرج المثل القائل «آب اللهاب» في إشارة الى شهر أغسطس الحار جدًا، أما خريفه فلا يعادله فيه بلد آخر، فنسمة الهواء الباردة تدفع ساكني هذا البلد الجميل لارتداء ملابس لا هي صيفية ولا شتوية، فترى اللبنانيون وقد تأقلموا مع أجوائهم بسلاسة شديدة.
إنه لبنان بكل بلداته وريفه، الذي قال فيه رجل الأعمال السعودي عبدالعزيز العفالق على هامش تكريمه في مؤتمر «مؤسسة الفكر العربي في بيروت» ومن لم يزرها وهو رب استطاعة تحتم في سجن الحماقة حبسه.. حقًا، فمن لم يزر لبنان أو بيروت وهو يستطيع، فعقابه هو الحبس في سجن الحماقة.. ولم لا، فلبنان ومدنه التي تشتهر بجبالها البيضاء، تعجز الأقلام عن وصف مفاتنه، فسحره تشعر به بمجرد أن تطأ قدماك هذه الأرض الطيبة، فتتنوع وتتعدد فيه مظاهر الحسن والروعة والجلال. وكما أسلفت، فصوله تتعاقب بدقة شديدة وبانتظام تام ليصل الى حد الساعة، فالشتاء ينقضي في موعده ليستلم منه الربيع، وبدوره يمر مرور الكرام ليسلم لبنان الى فصل الصيف ليمر حارًا رطبًا حتى يأتي الخريف يسير في غروره المعهود على أرض لبنان.
إنه لبنان، كل لبنان بدون استثناء، بمدنه وريفه وحضره، بشماله وجنوبه، الذي يقول فيه الأديب ميخائيل نعيمه في وصف ممتع من ابن بار لهذا البلد: «إنها لمتعة لا تملها العين، ولا ترتوي منها الأذن، ولا يشبع منها الخيال أن ترقب قوافل الفصول تدرج من شاطئ البحر في لبنان الى القمم، ومن القمم الى شاطئ البحر، وقد قطرت أوائل هذه بأواخر تلك، فراحت كل قافلة تنثر في طريقها مما احتوته أعدالها: فهذه تنثر أزهارًا وأنوارًا، وأغاريد أطيار، وهدير شلالات، ووشوشات نسمات. وتلك بقولاً وحبوبًا وثمارًا، ونهارات محمومة بالعمل، مغسولة بالعرق، وليالي تتغامز كواكبها في غمرة من الأنس والسلام. وهاتيك تنثر بروقًا ورعودًا وعواصف وفلذات تصعد من البحر مع الريح فتنثرها الريح على الجبال وإذا بها وشاح فائق البياض والسناء».
ومن عشق نعيمه لبلاده، يقتبس ما قاله الأنبياء والرسل في بلاده: «داود الملك يشبه الصديق بأرز لبنان، وعندما يتنبأ لشعبه عن الخير الذي سيغدقه عليه الله يقول إن «غلته في رؤوس الجبال تتموج كلبنان». ويدعو سليمان الحكيم حبيبته شولميت من لبنان: «هلمي معي من لبنان أيتها العروس» وشولميت تقول في حبيبها: «ساقاه عمودا رخام موضوعان على قاعدتين من ابريز، وطلعته كلبنان، هو مختار كالأرز».
لقد أمضيت في لبنان أيامًا جميلة وممتعة نسيت معها أوجاعي وأسقامي، ولم أبالي كثيرًا بالعملية الجراحية فالمولى هو الشافي المعافي، فعشت السعادة، ورغم أنني لم أبالغ في كل ما ذكرته وحتى أكون محايدًا، فلبنان لم يصل بعد الى الحلم الوردي الذي نريده، ومع بنايات بيروت الشاهقة الجميلة وشوارعها التجارية، فلا زالت هناك شوارع غير ممهدة للسير، ناهيك عن بنايات وعمارات تئن من آثار الحروب والدمار وكابلات الكهرباء منسدلة من فوق الأعمدة.. ومع كل ذلك، أدين لبيروت تحديدًا بالأجواء السحرية التي قضيتها فيها أثناء رحلة العلاج التي تحولت بقدرة الله الى جولة من الاستمتاع بكل المتناقضات.. وكما بدأت اختم، فلبنان الذي رأيته بلا رئيس أفضل من دولة برئيس.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها