النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11198 الجمعة 6 ديسمبر 2019 الموافق 9 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

حركة القوميين العرب في البحرين وعقد من الانبعاث والتلاشي (29)

رابط مختصر
العدد 9783 الخميس 21 يناير 2016 الموافق 11 ربيع الثاني 1437

متاريس أم حواجز بسيطة في مدينة المحرق؟
كتبت الأخت فوزية مطر في كتابها عن مناخ الانتفاضة خاصة عند تعرضها للحواجز بقولها «حفر الخنادق ووضع الحواجز في الشوارع لعرقلة حركة دوريات الشرطة في مدن وقرى البحرين» ص158 التي وضعت في مداخل ازقة وشوارع المدينة، بل وضخمت دور الحركة حين كتبت «وتمكنوا من السيطرة لفترة على مداخل مدينة المحرق ومنعوا دوريات الشرطة من دخولها» ص166.
يشاركها الأخ محمد السيد في يومياته بتضخيم تلك الصورة الى حد توحي تلك الكتابات قدرة التنظيمات الوطنية في المحرق وعلى رأسهم حركة القوميين العرب، بأنهم حولوا المدينة كقصبات مدينة وهران الجزائرية ايام مقاومتهم للاستعمار الفرنسي، أو يذكرك بغرامشي حين يتحدث عن حرب المواقع والمتاريس، بقوله: «ومنذ ذلك اليوم (14 مارس) اصبحت المحرق عزيزة منيعة كالحصن لا تجرأ الشرطة على اقتحام او تخطي تلك الحواجز لا في الليل ولا في النهار» ص31، بل وذهبت بعيداً تلك النصوص الى اعطاء القارئ شعوراً بأن المقاومة الليلية في المحرق، باتت قادرة على التحكم في زمام المدينة وكأنها سلطة محلية تدار وتتحرك من خلال تلك القيادة الشابة المحدودة المتخفية، التي تتظاهر في النهار وتخطب في المساجد، وتتحول في الليل الى قوى اخرى عنيفة، لا يمكن اختراقها وتدميرها وازالة حواجزها، رغم أننا نعلم ان تلك القوى يومها، كانت لا تمتلك الا امكانيات محدودة من المال والسلاح والعتاد، بل ومن يقرأ التفاصيل في يوميات المحامي محمد السيد يشعر بمدى محنتها فهي ليست الا نصوص «تدغدغ المشاعر!» فيما كتب الدكتور محمد الرميحي: «وقد قيل أن السكان المحليين في بعض المناطق هاجموا مراكز الشرطة واستولوا على مخازن الاسلحة. أما في المنامة والمحرق، فقد وضع السكان المتاريس في الشوارع في وجه رجال الشرطة الذين اطلقوا النار اكثر من مرة، فقتلوا وجرحوا الكثير من المواطنين» ص245، انظر كتاب البحرين مشكلات التغيير السياسي والاجتماعي.
وسنتعرض لها في مسار حديثنا عن تلك المرحلة وهي الثانية من مراحل الانتفاضة، حيث العمل الليلي له مميزاته فيما النهار ينحصر في جانبين، التظاهر المنتظم اليومي في المحرق والجانب الثاني هو الخطب وتبادل المنشورات والبيانات والاجتماعات، وتحلق السكان عند المقاهي والدكاكين في مناخ حالة طوارئ واضرابات، فيما المنامة والقرى في النهار كانت تمارس نوعا من انواع ما يسمى المظاهرة «الطائرة» دون ان تكون تعي طبيعتها، وانما نبعت بشكل تلقائي افرزته الظروف، حيث المظاهرات الطائرة تكون قليلة العدد، وظيفتها مشاكسة رجال الشغب والامن وتشتيت قوتهم واستنزافهم، وهي تكر وتفر من زقاق الى زقاق على شكل مجموعات صغيرة يصعب ضربها او السيطرة عليها، ولكن الشرطة في ظروف اشبه بحالة الطوارئ غير المعلنة بعد، ستعمل على اطلاق الرصاص على تلك الانواع من التظاهرات، التي كانت في مدينة الحد عنيفة جدا.. والعوضية والحمام والفاضل والقرى الاخرى كالدراز والرفاع وسترة أخف وأقل. كان يوم الاثنين 15 مارس دامياً مثل 14 مارس ولكن في مناطق اخرى دون ان يسقط شهداء، ففي الوقت الذي كان صباحات المحرق يتظاهر ويشاكس ليلاً حسب امكانياته بالمولوتوف، يتملكه وهم أن الامن ليس بإمكانه الدخول للعمق وتفكيك تلك الحواجز الرخوة، فبات قادة الانتفاضة المختفين ليلاً والنشطاء نهاراً، بعمل نصفه سري ونصفه علني، فيما الامن يواصل عمله المكثف بالتصوير من الجو بالهيلوكوبتر وتجميع المعلومات من استخباراته وعيونه المتناثرة، تاركة المحرق التي سيجت نفسها ليلاً بالحواجز، بل واعلنت المعارضة للناس بضرورة حظر التجول، دون ان اعرف لماذا تقرر قيادة المعارضة قبل الحكومة اعلان الحظر؟! في وقت لم تكن قد بلغت العمليات الليلية أوجها، بحيث نفهم أنها حريصة على سلامة وحياة الناس.
ليس مهما الان الدخول في تلك النقطة الغريبة المثيرة، ولكن الاهم سؤالنا حول مدى القدرة الفعلية لدى المعارضة في ادارة مساحة جغرافية كمدينة المحرق بكل سكانها لتوفر لهم احتياجاتهم الضرورية، عبر تلك السلوكيات الاقرب الى روحية ادار السلطة المحلية، التي ليس من مقدورها وطاقتها، فليست كل المدينة مقاومة منظمة، وليس لدى كل السكان استعداد للمواصلة والصمود بأكثر من حدود امكانياتهم ورغباتهم المرتبكة. لهذا بدأ تململ الناس ينمو وحماسهم يخفت بالتدريج، وباتوا مستعدين لمستوى معين من المواجهة والاحتجاج والتحريض الاقرب للتنازل عن الصدام والاستمرارية وانهاء الازمة، دون أن يكونوا على وفاق مع قادة المعارضة الشابة بفكرة التصعيد والمواجهة العنيفة، فقد كانت تلك، رغبة مجموعات سياسية وضعت في ذهنها ان سيناريو مواصلة قيادة الحركة العفوية للجماهير مسألة ضرورية، قد يحقق لها ما انطلقت من اجله الانتفاضة من مطالب اقتصادية محددة، الى مستوى سياسي من المهمات والاهداف الاخرى الاوسع والاعقد.
بوقفة متأنية بعد سنوات، يقرأ الانسان الامور بشكل مختلف، حول مدى حالة التجاذب وشكله من الصراع بين الاطراف وتوازن القوى الفعلي، ويعيد تركيب الصور القديمة ليكتشف ان الامن، كانت له حساباته وخطواته كجهاز منظم وخبرة طويلة، قياساً بخبرة وقدرة المعارضة الوطنية في انتفاضة مارس. كيف كان بإمكان القوة البريطانية داخليا والمنطقة والانظمة المحيطة بك قادرة على التعاون لقمعك واخمادك بكل التكاليف الباهضة.
ينبثق سؤال هام ألم يكن في امكان الامن السيطرة على مراكز انطلاق التظاهرات والتجمعات في المحرق كالمساجد والساحات الرئيسية من الايام الاولى؟ بحيث يعجز سكان المدينة ومن يلتحق بهم من خارجها، حصولهم على مراكز ومواقع صالحة للمقاومة المدنية، فعندها تتخلخل وتتبعثر اهم حلقة سياسية مؤثرة في مرحلة التحريض والاحتجاج الضيق والواسع من عمر الانتفاضة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا