النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

دمقرطة الحياة السياسية.. «الحكم الرشيد» بين تفاعلات الداخل وضغوط الخارج

رابط مختصر
العدد 9782 الأربعاء 20 يناير 2016 الموافق 10 ربيع الثاني 1437

الحاكمية الرشيدة في القاموس السياسي المعاصر هي في المجمل المختصر ممارسة النفوذ الاقتصادي والسياسي والإداري لغاية تسيير الشأن العام من خلال آليات ومسارات وهياكل منتخبة تؤمن ترابط مصالح الأفراد والجماعات، وتمكينهم من ممارسة الحقوق المنصوص عليها بالدساتير، ومن أداء واجباتهم ومن اعتماد الحوار والتفاوض وسيلة لفض النزاعات. وتتضح الرؤية أكثر لمتصفح التقارير الصادرة عن البنك العالمي حول نموذج الحكم الرشيد باعتماد رؤية استراتيجية بعيدة المدى، إشراك جميع مكونات المجتمع، احترام الشرعية وعلوية القانون، الشفافية الكاملة، تطوير القدرة على الاندماج، السعي إلى الوفاق الوطني، تحقيق العدل والمساواة أمام القانون، توفير حق المساءلة.

ولم يتوقف تحديد تعريف دقيق لمفهوم الحاكمية الرشيدة عند هذا الحد، بل تضاف إليه من حين لآخر بعض الجوانب الأخرى التي لا تقل أهمية عن المبادئ الأساسية منها، توفير ظرف سياسي ووضع اقتصادي وبنية اجتماعية مؤهلة للمشاركة الحقيقية في التسيير والاندماج والمنافسة، وتوفير جهاز إداري وقضائي ناجع وفعال ولا ممركز، واعتماد الديمقراطية واللامركزية والحوار الاجتماعي، والحد من الفوارق بين المواطنين وحماية ذوي الاحتياجات الخاصة والدخل المحدود وتثمين رأس المال البشري ودعم قطاعي التربية والتكوين وحماية المحيط بما يؤمن تنمية دائمة، ويتطلب النجاح في إرساء أسس وأدوات الحكم الرشيد اعتماد قوانين وقواعد يتحتم احترامها كضوابط ومعايير للديمقراطية والعدالة التي أجمع الفكر الحديث على كونيتها وتتلخص في مبادئ التعددية السياسية والحق النقابي ودورية الانتخابات بما يؤمن حق المواطن المقدس في المشاركة في صنع القرار الذي يهمه أو يهم المجموعة التي يعيش ضمنها.
وهكذا يكتمل المشهد وتتحدد بعض أوجه وآليات وغايات الحكم الرشيد من خلال عديد الأطراف المتدخلة ومن خلال محطات تاريخية متواصلة، ليعتمد مبدأ الحكم الرشيد كمعيار رئيس في تقييم وترتيب ومساعدة الدول التي تروم النهوض بأوضاعها ومواكبة مقتضيات الانخراط في منظومة العولمة الاقتصادية والمالية كمسار لا مناص من مسايرته.
إن فكرة دمقرطة الحياة السياسية أصبحت الركيزة الأساسية للحكم الرشيد، في كل دول العالم خلال العقدين الآخرين، وفي مقدمة هذه الصيرورة لا بد من قطع خطوات مهمة في التأسيس لمؤسسات دائمة وناجعة وفي مجال تطور قطاع التسيير العمومي، والنظام القضائي، وحماية حقوق الإنسان ودعم المجتمع المدني، وفرض السلم الأهلي، وتجنب النزاعات، بما يدعم الرفاه الاقتصادي والتنمية الدائمة، ودعم ثقة الرأي العام في الجهاز الحكومي، ولذلك تطمح كل شعوب العالم إلى أن تنعم بسلطة، تحترم الحقوق والكرامة والقانون، من خلال عقد اجتماعي يهدف إلى تعبئة أفضل الطاقات والمزايا من أجل إدارة رشيدة، لذلك ظلت طريقة تسيير الشأن العام هاجسا قائما على مر العصور، وازداد الهاجس أهمية في أواخر الألفية الماضية، ليصبح هاجساً ومطمحاً مشتركاً، بل وضرورة تقتضيه المبادئ الكونية للحرية والنماء الدائمين والعدل الديمقراطية.
كما تعتبر الشفافية أيضا عنصراً رئيساً من عناصر المساءلة التي تميز الحكم الرشيد، ويترتب عليها جعل جميع المعلومات العامة والتقارير متاحة للفحص والمراجعة والدقيق، واحترام تحليل المعلومات من قبل المختصين التكنوقراط لإعطائها المدلول الموضوعي، وليس للمزايدة السياسية مثلما يحدث عندنا، فالشفافية تقي من ارتكاب الأخطاء في تقدير الموارد او التصرف في الموارد او في احترام مبدا تكافؤ الفرص، لذلك يفترض توجيه كل الجهود لتعزيز الشفافية، ومساعدة الأجهزة الحكومية والأهلية، على جعل كل شيء شفافاً وواضحاً، فالإدارة بوجه قد تتيح فرصة لارتكاب المخالفات من جانب الموظفين والإخلال بشروط العمل في غياب الرقابة، ولذلك فان الشفافية والمساءلة تتيحان مساحة واسعة لحماية المصلحة العامة، وتستطيع وسائل الإعلام إحداث قدر كبير من التأثير في هذا الميدان وكذلك مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الدستورية الديمقراطية، فالشفافية هدفها أن تكون مقدمة للمساءلة والمحاسبة، فلا أسرار في المجتمع الديمقراطي إلا ما يتعلق بالأمن القومي والأمن الصناعي والعلمي، ولذلك فالمساءلة تشكل، خصوصا من حيث علاقتها بإدارة الأموال العامة، معيارا من معايير الإدارة العامة السليمة، وتتطلب وجود نظام لمراقبة وضبط أداء المسؤولين الحكوميين والمؤسسات الحكومية، خصوصا من حيث النوعية والكفاءة واستعمال الموارد والسلطة، ولذلك فإصلاح مؤسسات الدولة لكي تصبح أكثر كفاءة يحتاج الى وجود نظام قوي للمساءلة والشفافية اللتين تبقيان ركناً من أركان الحكم الرشيد والنظام الديمقراطي.
وبغض النظر عن موقف بعض حكومات الدول النامية التي ما تزال تتحفظ على هذا التوصيف، فإن استحقاق الحكم الرشيد بات يعكس مطلبا شعبيا من الدرجة الأولى، إلا أن الإجماع حول اعتماد مبدأ الحكم الرشيد لا يعني حتماً الاتفاق حول أطروحات وسبل تنفيذه، لأن هذا الأخير ظل في ارتباط غير عفوي بالمصالح المباشرة لبعض الأطراف الدولية الهيمينة دون غيرها، بحيث لم ينفصل عن المصالح السياسية والاقتصادية وتحولاتها، ولا أدل على ذلك من أن عولمة الحكم الر بشيد باتت تتم في اتساق تام مع اكتمال مشهد العولمة الاقتصادية وما ترتب عنها من إشكالات ونشر للفقر واتساع مساحته في العالم، حيث أفرزت العولمة الاقتصادية عديد التحفظات والإشكاليات، فطبيعي أن يفرز طرح مفهوم الحكم الرشيد نفس التداعيات، لا سيما بالنسبة إلى عديد الدول التي تدفع دفعا لاعتماد الرشد في الحكم، بقطع النظر عن ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وعن خصوصياتها والإشكاليات التي تواجهها، وموروثاتها الحضارية وتجاربها السياسية المختلفة في إدارة الحكم، والتفاوت الواضح بينها من حيث النمو، فبات من الواضح أن هذه الضغوط التي تمارسها بعض الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية من تحت مظلة هذا الشعار الذي تعوزه البراءة والعفوية، ولذلك ظلت الوصفة الطيبة المقترحة من طرف أصحاب النفوذ، في شكل أقراص عصية الابتلاع على من وضعت له هذه الوصفة.
همس:
يقول المفكر الفرنسي منتكسيو: «إن تطبيق القانون يجب ان يكون مثل الموت: لا يستثني أحداً».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها