النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

العرب لحظة التداعي.. لماذا يتمكن الخارج من اقتحامنا وانتهاكنا؟!

رابط مختصر
العدد 9780 الإثنين 18 يناير 2016 الموافق 8 ربيع الثاني 1437

لماذا نهرب من مواجهة استحقاقات الداخل الفكرية والحضارية والسياسية إلى الخارج؟ إلى نظرية المؤامرة أو إلى إلقاء اللوم على (الآخر)؟
لماذا ندمن إلقاء اللوم على الخارج لتحميله مسؤولية تقصيرنا وبلوانا وعجزنا ودوراننا في حلقة مفرغة؟
لماذا - مع ذلك - نستنجد بالخارج لإدارة خلافاتنا، فيتجرأ هذا الخارج على التدخل في شأننا، وبعد ذلك نشكو من هذا التدخل الذي لا يمكن ان يكون لوجه الله الواحد القهار؟
أسئلة مهمة في حاجة إلى شجاعة وصراحة للإجابة عليها:
- أولاً: لا يصح ان نحيل قضايانا الداخلية إلى فعل خارجي، بالرغم من ضرورة الإقرار بجدلية العلاقة بين الداخل والخارج، ولكن هذه الجدلية لا تعني ان الداخل هو الذي يملي على الخارج كيف يؤثر فيه، وبالتالي يجب أن نبحث في عيوب الداخل لا في تسلط الخارج الذي يبحث عن مصالحها وعلى موطئ قدم في كل مكان، فالمنطق السائد عند السياسيين، وحتى بين أوساط بعض النخب المثقفة، هو الذي قاد إلى تمكن الخارج من اقتحامنا وانتهاكنا باسم الأمن وباسم العولمة وباسم الاقتصاد وباسم الصداقة والوصاية، وحتى باسم نشر الديمقراطية. فالإشكالية، إذن تبدأ بداخلنا وبضعفنا الداخلي وباستعدادنا المستمر والمدهش لاستدعاء هذا الخارج للتدخل في حياتنا واختياراتنا، حتى أصبح هذا الخارج عند البعض منطقة نجدة يتم الاستنجاد بها لحل مشكلاتنا وخلافاتنا لعجزنا المستمر على إدارة خلافاتنا.
- ثانياً مع إخفاق المشروع النهضوي العربي منذ نهاية القرن التاسع عشر، في مرحلة تحول النظام الرأسمالي الى المرحلة الليبرالية ثم الاستعمار، أصبحت العلاقة مختلفة بعض الشيء بين طرفي المعادلة - الداخل والخارج. في تلك المرحلة أصبح الخارج قادراً على ان يسترق الداخل. ويحاول دائماً ان يلعب على الداخل كي يأتيه من مداخله الشرعية، ونذكر هنا بحملة نابليون بونابارت على مصر، ومن بعده الاستعمار الفرنسي للمغرب العربي والاستعمار الايطالي لليبيا والاستعمار الانجليزي لعدد من دول المشرق، إذ كان عليه ان يقرأ الداخل العربي كي يكتشف من اين تؤكل الكتف، من اين يمتلك الداخل، ومن اين يسيطر علينا. ومع تعاظم التدفق الاستعماري ثم الامبريالي، كدنا نقول ان الداخل قد أصبح مخترقاً بحيث انه راح الخارج يمارس قبضته الحديدية التي يعمل من خلالها على لي عنق الداخل العربي، ومع ذلك نقول حتى في هذه الاحوال تأثير الخارج ظل مرتهناً بالبنية الداخلية وبمدى القدرة على المواجهة والنهوض والرفض، وهي قدرة كانت دائماً موجودة، مع الاشارة الى ان هذه العلاقة اصبحت علاقة هشة، تعاظم الخارج، عملقته، وتضاءل وتهشم الداخل. هذا الامر يكتسب الآن مع نشوء النظام العولمي طابعاً جديداً بالمعنى النوعي، النظام العولمي يخترق الداخل من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب، يأتي ذلك نتيجة لثورتي المعلومات والاتصالات. لم يعد يستأذن الخارج الداخل، او لم يعد يبحث الداخل عن خصوصيته كي يدخل ما يريد من استراتيجيات سياسية، واقتصادية. ان الداخل أصبح مستباحاً، ولهذا أكاد أقول إننا الآن وكأننا في لحظة تاريخية، اما ان نعيد لداخلنا العربي لحمته نسبياً بحيث يكون قادراً على مواجهة الخارج مواجهة اولية، واما ان الداخل سيستباح كما هو حالياً، سواء من الاستعمار العولمي أو من قوى الاقليم التي باتت تستهتر بالوضع العربي وتسن انيابه، لتنقض عليه في مرحلة الاسترخاء والتفكك.
من هنا تأتي شرعية المشروع العربي النهضوي الذي لا يزعم انه سيجابه المشروع العولمي الامبريالي، ولكنه على الاقل يزعم انه يسعى الى التأسيس لداخل جديد له آلياته، خصوصياته التي تسمح له ان يكون على الاقل شريكاً وليس غريما، وتجعل قوى الاقليم (إسرائيل - ايران - تركيا) تتوقف عن التعبير عن الطمع المستمر في اختراقنا (كما يحدث حالياً في العراق ولبنان وسوريا بشكل مذهل وغير مسبوق)
ثالثاً: إن المشروع الذي نحتاج اليه اليوم هو بالضرورة مشروع فكري سياسي تأسيسي، يتعامل مع معطيات الواقع التي يحولها الى مقولات ومفاهيم وخطط وبرامج وافعال. ومن هنا يأتي دور النخب المرتبطة بالشعوب، النخب غير المنفصلة عن هموم الناس واحلامهم الحقيقية، وليس النخب المنشغلة في الخرافات والسياقات المرتبطة بذواتها والتي انفصلت منذ زمن عن المشروع النهضوي العربي التنويري. النخب التي نقصدها هي النخب السياسية والثقافية والفكرية والعلمية والدينية التي تؤمن بوحدة الامة وهويتها الحضارية وقدراتها على النهوض والفعل، تماماً مثلما فعل الالمان واليابانيون بعيد الحرب العالمية الثانية. النخب التي تعمل بالفعل وبالقوة وبالإبداع وبالوعي على استنهاض الأمة واستعادة الثقة الضائعة وبناء مجتمع العلم والمعرفة والوعي.
صحيح أن الظروف الموضوعية التي حركت اليقظة العربية الحديثة قد جعلت من آلية النهضة فيها آلية للدفاع ايضا، وبالتالي فعملية احياء التراث التي تتم في الحالة العادية للنهضة ضمن إطار نقدي ومن اجل التجاوز، هذه العملية تشابكت في حالة النهضة العربية الحديثة فاندمجت مع عملية الاحتماء بالماضي والتمسك بالهوية تحت ضغط التحديات الخارجية. ولكن مع ذلك فإن بإمكان النخب دائماً اجتراح السبيل الى النهضة مجددا دون الوقوع لا في تقليد الآخر ولا في تقليد الماضي.

همس
عندما ذهب النظام السياسي العربي الى مدريد مثلاً والى اوسلو في المرحلة الحاسمة في العقد الاخير من القرن العشرين - في ظل بروز عوامل الوهن والانهيار - مراهناً على ان كل شيء قد انتهى، وعلينا ان نلتحق بالولايات المتحدة الامريكية، لان قدرنا أصبح هكذا. ذهبت هذه النظم السياسية العربية وطالبت شعوبها بان تستسلم لأنها لم تعد تملك شيئاً، ومن ثم اقصى من يمكن ان يقدم، لا يخرج عن محاولة البحث عن موطئ قدم للشعوب العربية في إطار دائرة العولمة الامريكية الجديدة، مع اقصاء التاريخ العربي واقصاء اية تحولات باتجاه مشروع جديد. من هنا بدا وضعنا وكأنه قضاء وقدر، في ظل اقصاء كل عوامل القوة الكامنة والمقدرات العربية الضخمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها