النسخة الورقية
العدد 11096 الإثنين 26 أغسطس 2019 الموافق 25 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:52AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

أرادوا الشر لنا فأصيبوا هم بشرورهم

رابط مختصر
العدد 9778 السبت 16 يناير 2016 الموافق 6 ربيع الثاني 1437

يصعب على المرء أن يكتب عن خلاف أساسه ديني ومذهبي، فالدين لله وكلنا مسلمون سنة وشيعة نعبد ربًا واحدًا جلّ علاه وسيدنا محمد علىه أفضل الصلاة والسلام رسولنا جميعًا، فلماذا الخلاف والشقاق والصراع والتناحر ومحاولة سيطرة فصيل على آخر أو دولة على أخرى، لتصل المخاطر إلى التفكير في الهيمنة على إقليم بالكامل بضم دول وشعوب وقبائل وتاريخ وحاضر ومستقبل. نتحدث عن اصرار حكام إيران على تصدير الثورة الإسلامية إلينا نحن شعوب الخليج، رغم أنه يتعين تكريس فكرة حسن الجوار وتعزيز مواردنا واستغلالها لنقوى جميعا لا لنضعف ونصاب بالوهن. المشكلة أن حكام الدولة الإيرانية يصرون على اضعافنا لنتساوى في الوهن، رغم أن المولى أنعم علينا بفضله ونعمه، فكان لنا مثل ما لهم، ولكن قادتنا اجتهدوا وثابروا ونقلوا دول وشعوب الخليج إلى مصاف الدول الغنية، فكان حسن استغلال طاقاتنا ومواردنا وعقولنا.. أما حكام الدولة الإيرانية، أبوا ألا يكون حالنا هو حالهم، فكانت حروبهم الداخلية والخارجية، وتكريس مبدأ تعميم الفوضى في مدن الجيران غير عابئين بحقوق الجار أو التاريخ المشترك أو حتى الدين المشترك الذي يربط بين شعوبه، فعن لهم أن يجعلونا مثلهم، مفككين ومشتتين وبلا هوية. وعندما تعرضوا لعزلة خارجية ودولية، يحاولون أيضا تصدير هذه العزلة لنا، فأراد الله لهم ما أرادوه ولكن لهم حيث أصيبوا بها في نحرهم، إنها حكمة ربانية إلى يوم الدين، فمن يضمر الشر لغيره يصاب به، ومن يرد لغير الضرر يلحق به.
الحديث عن إيران مؤلم، بعد كل ما عانيناه من هذا الجار الذي لا يزال على غيه القديم، يرى في غيره الضعف ويرى في نفسه القوة، أنه نفس الداء القديم، داء الإصابة بالغطرسة، ولن نخطئ المعنى إذا وصفنا الغطرسة الإيرانية بأنها «وهمية» ولا تستند إلى واقع يغلفها، ويكفي نظرة سريعة للاقتصاد الإيراني المتدهور وتراجع سعر العملة مقارنة بالعملات العالمية، فكل مكونات الاقتصاد الإيراني موجهة نحو ميزانية الحرب، الحرب في الخارج، لمناصرة أنظمة فاشلة وقمعية، فإيران تساند الأنظمة المشابهة لها، فكانت سندا للنظام السوري الفاشل ضد شعبه، وقفت معه ليقتل أكثر من ربع مليون مواطن برئ، وساندته حتى اضطر أكثر من أربعة ملايين سوري لمغادرة بلادهم تحت ضغط الحرب الأهلية والتعذيب إلى المجهول، والعجيب أن الرئيس السوري لم يستيقظ قلبه بعد، وبدلا من ذلك أدان الدول الأوروبية التي لا تريد استقبال اللاجئين السوريين، وكان حريا به وبإيران التي تدعمه أن يتخذ موقفا شجاعا بوقف الحرب والتخلي عن السلطة.
لم ترد إيران الهدوء لنا، فأصيبت هي بنار الفتنة التي اشتعلت في جسدها، أرادت سوءًا بالسعودية ودول الخليج بعد حكم الإعدام الشرعي في السعودية، لتستغل الموقف وتثير حفيظة إخوة لنا يعيشون بين ظهرانينا، هم شيعة نعم، ولكنهم جيراننا وأصدقاؤنا ومن بني الوطن، ولكن إيران رأت في الحكم الشرعي السعودي تمييزًا، ولم تسعَ لدراسته وتحليل مضمونه، فهو يصب في صالح أمن اواستقرار السعودية، فمن نفذ الإعدام بحقهم إرهابيون ومحرضون عليه وقتلى، وإدينوا في جرائم كثيرة، فكيف تسكت السعودية على هذا، والساكت عن الحق شيطان أخرس، فكان تنفيذ حكم الإعدام هو الحق والفيصل.
ثم لماذا تتألم إيران من مجرد تطبيق حكم الإعدام في دولة جارة، ألم يكن التصرفات الإيرانية متحيزة، فقد أصدرت محكمة الجنايات العراقية حكما الأسبوع الماضي بإعدام عبد الباقي السعدون عضو قيادة قطر العراق في حزب البعث، ولم نر أي ردود فعل داخل إيران ضد مقر السفارة العراقية في طهران، ألم تتساوى حالة الهياج الشديد التي أصيب بها الإيرانيون لتنفيذ حكم الإعدام السعودي حيال مواطن شيعي، بإعدام مواطن عراقي، أم لأن الأخير يستحق الشنق لكونه عضو حزب البعث المناهض لإيران تاريخيا.
ويبدو أن الإيرانيين- أتحدث عن قيادة وحكام وليس الشعب- لم يطلعوا بعد على تقرير
أميري مقدمي٬ مؤسس منظمة «حقوق إنسان إيران»٬ الذي أكد فيه أن العام المنصرم شهد أعلى نسبة إعدامات في إيران منذ 25 عاما٬ بما فيها إعدامات قاصرين. فإيران تعمل في السر وتخفي كل تصرفاتها عن أعين العالم، في حين كانت السعودية واضحة لتعلن موقفها وأحكامها حيال مجرمين وإرهابيين أرادوا ترويع الأجانب بالمملكة وقتلوا ما يزيد عن خمسمائة أجنبي مقيم على أراضيها في تحد واضح لاستقرارها وأمنها وقانونها. في حين أن تقرير لجنة دعم حقوق الإنسان في إيران القريبة من المعارضة٬ يؤكد أن إيران شهدت 1869 عملية إعدام معظمها لم يعلن عنها، منذ تولى الرئيس حسن روحاني السلطة. وأكدت مريم رجوي٬ رئيسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية٬ في أحد المؤتمرات ٬ أن المعدل السنوي للإعدامات إبان ولايته (روحاني) ازداد ثلاثة أضعاف مقارنة بسلفه (محمود أحمدي نجاد). وفي يوليو الماضي ٬ تحدثت منظمة العفو الدولية عن إعدام 700 شخص في إيران منذ بداية ٬2015 أي ما يعادل أكثر من ثلاثة أشخاص كل يوم. والمعروف أن الرئيس الإيراني لعب الدور الأساسي في المصادقة على أحكام الإعدام من خلال كبار ممثليه في المحافظات، ولم يسجل لروحاني أي تصريح يندد بأحكام الإعدام المتزايدة في فترته الرئاسية٬ فيما يؤكد مقرر الأمم المتحدة الخاص بحقوق الإنسان في إيران٬ أن أوضاع حقوق الإنسان لم تشهد «تغيرا ملحوظا» في عهد روحاني٬ علما بأن إيران ترفض منذ ست سنوات دخول المقرر الخاص بحقوق الإنسان. كما تشير التقارير إلى إعدام السلطات الإيرانية 27 من نشطاء أهل السنة أغلبهم من الكرد، ناهيك عن تنفيذ حالات أخرى لا تحصى بحق سكان الأحواز. وقد نذكر الإيرانيين هنا بما شهدته الفترة ما بين أغسطس وسبتمبر 1988، حيث تم إعدام 5 آلاف ناشط سياسي رميا بالرصاص أغلبهم من منظمة «مجاهدين خلق» ومن الأكراد. كما ضمت قائمة المعدومين نشطاء من المجتمع المدني وأعضاء في أحزاب يسارية. وقد رصدت مؤسسة «برومند» المعنية بقضايا حقوق الإنسان الإيراني أكثر من 18 ألف حالة إعدام في إيران منذ تشكيل المحاكم الثورية وحتى الآن، وتستند هذه الأحكام الى اعترافات إجبارية٬ وتفتقر للقيمة القانونية.
ونأتي للشق السياسي، فما حدث من إيران حيال مقري السفارة والقنصلية السعودية في طهران ومشهد يؤكد أن حكام الدولة الإيرانية لم يتخلوا عن فكرة تصدير شرورهم لنا، والإيعاز بأنهم «الأعلون»، خاصة وأن يريدون تصدير معنى معين لنا، مفاده أن الصراع الخفي بين الجانبين - السعودية ودول الخليج من جهة وإيران من جهة أخرى - لم يصبح خفيا بل خرج للعلن، وبعد أن كان محدودا في ألاعيبه، فقد أصبح متعدد الصراعات، وتنوعت ساحاته أيضا، وهنا لب المشكلة، فالصراع فيما مضى كان عبر لاعبين آخرين وبالوكالة، ليتحول إلى صراع مباشر الآن. ولعلنا نعترف بأن التدخلات الإيرانية تواصلت في مناطقنا ودولنا ولم تتوقف يوما ما، ولكنها كانت حذرة، فكان التدخل غير مباشر في الشؤون الداخلية للمملكة وتحريك البعض فيها لإثارة فتنة مذهبية نحن في غنى عنها، ثم تحركت إيران على أكثر من مستوى لتحرك الفتنة في السعودية والكويت ليصل الأمر إلى تفجير مساجد. ويبدو أن إيران حاولت استغلال نجاحها في إدارة شؤون الحكم في سوريا والعراق لتجرب الأمر ذاته في الشأن الخليجي، فكان الفشل من نصيبها، حتى عندما استغلت تطورات ما يسمى بـ«الربيع العربي» في الدول العربية لتثير الفتنة بين مواطنينا فتعرضت لانتكاسة سياسية وعسكرية واقتصادية. كل ألاعيب إيران هذه لم تنطل على قيادات وشعوب الخليج، فوقفوا لها بالمرصاد، ورأينا كيف اخفقت في تحقيق مسعاها الشيطاني في تأليب مواطنينا الشيعة بغض النظر عن قلة مغرضة باعت حق المواطنة للشيطان نظير دراهم معدودة، في حين أن الانتماء كنز لا يباع ولا يشتري فهو مثل الأوطان لا ثمن له. والمثير أننا لم نر أو نسمع أن حكام الدولة الإيرانية استشاطوا غضبا لمقتل أو إعدام مواطن شيعي في دول غير دول الخليج مما بها مواطنين ينتمون للمذهب الشيعي، فثمة شيعة في الهند وباكستان وبقية بلدان آسيا والمغرب وإفريقيا، ولكن لم تنتفض طهران لمقتل أحدهم أو اعدامه..لماذا؟ لأنها لا ترى سوى شيعة الخليج والعمل على تأليبهم ضد حكامهم وشعوبهم، ليكون هؤلاء مصدر قوة لها للسيطرة على هذه الدول في وقت معين، فهي ترى في شيعة الخليج قوة استراتيجية مؤجلة ستستخدمها وقت الحاجة لهم، ومن هنا فإن الغطاء المذهبي يعد من عناصر قوتها المختزنة أو المؤجلة، ولكنها لم تنفك عن وضعهم في خانة القوة البشرية المناصرة لها - لدى الغير - بما يحقق تطلعاتها الإستراتيجية والقومية لتوسيع نفوذها وقت الحاجة.
يبدو جليًا في وقتنا الراهن، أن إيران التي تعيش عزلة دولية رغم التوصل إلى اتفاق نووي مع الغرب، تسعى لانهاء هذه العزلة، ولكن من المؤكد أن تصرفاتها الأخيرة وضعتها تحت المقصلة، لتزداد العزلة، على الأقل اقليميا ودوليا، وحتى داخليا، وهو ما لم تدركه القيادة الإيرانية حتى الآن، حيث ستكتوي قريبًا فعزلتها الداخلية تحديدًا ستشتد خاصة مع تزايد أعداد المعارضين للحكم الديني المتشدد والأمني المتصلب القمعي، فإيران مرشحة لمزيد من الثورات الداخلية، ولم تكن «الثورة الخضراء» عام 2009 سوى مقدمة ستلد الكثير من الحركات الثورية المطالبة بالحق في الحياة، المدني مثل الديني، لا فرق بين منتمٍ لنظام متشدد أو مواطن ينتمي لبلد ولد فيه.
لم يعد أمام الإيرانيين اليوم٬ سوى العودة للعقل والتراجع عن لغة التحدي والصلف، فقد أصبحوا محل استهجان العالم، فالنظام متورط في أعمال عسكرية بشعة بحق شعوب مجاورة، والعالم على يقين تام بما يفعله الجنود الإيرانيون ليل نهار في سوريا والعراق، ولم تكد طهران تشعر بجزء من الحرية بعد الرفع التدريجي للحظر الدولي على خلفية برنامجها النووي، حتى عاد المواطن الإيراني العادي يشعر بمخاوف من العودة للعزلة الدولية والتي بدأت بعزلة عربية واقليمية وقريبًا إسلامية. وعلى النظام الإيراني لو جاد في علاقات سوية، أن يفطن جيدا لما ذكره وزير الخارجية السعودية عادل الجبير٬ خلال الجلسة الافتتاحية لمجلس وزراء الخارجية العربي لبحث تداعيات التدخل الإيراني في الشأن السعودي، خاصة ما قاله بإن بلاده ستتعامل مع التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي العربي بكل جدية وتتصدى لها بكل حزم.. ولا يخفى على أحد في كل بقاع العالم أن هذه الاعتداءات الإيرانية الأخيرة ضد السفارة والقنصلية السعودية في طهران ومشهد، لم تكن سوى نتيجة مباشرة للتحريض الرسمي الإيراني ضد المملكة في انتهاك صريح لكافة المعاهدات والمواثيق الدولية التي تحتم على الدول مسؤولية حماية البعثات الدبلوماسية. فمثل هذه الاعتداءات تعكس بشكل واضح السلوك الذي تنتهجه السياسة الإيرانية في منطقتنا العربية من إثارة للفتن والمشاركة الفعلىة في أعمال القتل.
إجمالاً.. لم يتخيل حكام الدولة الإيرانية ما ستصل إليه الأمور من إجراءات خليجية وعربية سريعة في مواجهة الإرهاب الإيراني بكافة أشكاله وصوره٬ بهدف منع مثيري الفتن والاضطرابات من استغلال الأوضاع التي تمر بها المنطقة للعمل على تقويض دعائم الأمن والاستقرار بدولها٬ وإدخالها في نزاعات وفوضى داخلية مدمرة وتفتيت مذهبي نحن في غني عنه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها