النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

المرور بغرفة الأحلام.. سرقة المواطنة.. تخريب الوطن

رابط مختصر
العدد 9775 الأربعاء 13 يناير 2016 الموافق 3 ربيع الثاني 1437

بالرغم من إنكار الجميع للطابع الطائفي للخطابات والمواقف السياسية والدينية، ورفضهم للطائفية على صعيد الخطاب، إلا ان هذا المنطق والسلوك الطائفي مكرسان في الواقع، ولا يمكن تجاهل هذا الطابع المتصاعد وما يطرحه من إشكاليات، تواجه الطموح نحو بناء «المواطنية» التي تعني الانتماء إلى هوية مشتركة ونمط عيش ارتضاه الناس وتوافقوا عليه، وفق أسس وثوابت الهوية الوطنية تكريساً لمبادئ حرية الانتماء والمساواة في الحقوق والوجبات، إلا أنه في المجتمع متعدد الطوائف، يشهد هذا المفهوم مفارقة ازدواجية الانتماء، يغيب فيها الوطن في الغالب عند أول مواجهة أو أزمة، حيث تنتهي المعركة بهزيمة الوطن، نرى ذلك اليوم مجسداً في بعض البلدان العربية على نحو مفجع (العراق وسوريا على وجه الخصوص) حيث يختفي الوطن الذي يجمع مواطنين متساوين في الحقوق والوجبات، وتتحدد الهويات والخطابات والصراعات والتحالفات على أسس طائفية. ولذلك فإن أزمة المواطنية في المجتمع المقسم طائفياً، (وإن وجدت محاولات لتجاوزها) تتجلى من خلال استطلاع دور العوامل الاجتماعية والثقافية العديدة التي تكرس قيم الانحياز إلى الهويات الفرعية بدلاً من الانحياز إلى الوطن، ومنها التربية العائلية والثقافة الدينية الطائفية والثقافة السياسية التي تنتجها المؤسسات الدينية والأحزاب الطائفية.
كما أن الذين يحاولون استبعاد المواطنية كأساس للتعايش والعيش المشترك، يعمدون - لتكريس مصالحهم وتسلطهم على الناس - على المرجعية الطائفية - بكافة ألوانها - فيخوفون الناس من أن يكونوا أفراداً يقولون لهم مثلاً: إذا لم تؤمنوا بنا وبمرجعتينا فإن صلاتكم ومعاشكم ومماتكم كمؤمنين لن تقبل أبداً وأن حظوظهم في دار المعاد معقودة أيضا على مدى رضا المقدس عليهم، من خارج أي معايير قانونية او دستورية او مصلحية حتى.. وحين تبدأ المجتمعات بالتعبير عن نفسها بهويات دينية أو طائفية فهذا يعني انتهاء الدولة والدخول في النفق المظلم من الانقسامات والصراعات والمواجهات وصناعة الكراهية، ومهما بالغنا هنا في الحديث عن الحوار والتسامح، فإننا في ظل هذه البنى الصاعدة نعمق أسباب التصنيف والتوصيف الفئوي ولن نجد قاعدة للمساواة بين المواطنين.
إن الهوية بطبيعتها ضدية أو نافية للآخر حتى في أكثر المجتمعات تقدماً، وحتى وإن كان هذا الآخر شريكاً في الوطن، المخرج الذي وصلت إليه بعض الدول أو أكثرها تقدماً لتجاوز مكوناتها الطائفية والعرقية والمناطقية هو المواطنة كأساس يرتكز إليها التنوع، يقوم على وفاق اجتماع سياسي على تجاور الهويات بميثاق وطني، شامل، يرتكز إلى «القانون والدستور»، وحده التأسيس على هذا الأساس هو المدخل لتصحيح تظاهرات الفوضى في اجتماعنا السياسي وعوائق تقدمنا الاجتماعي والثقافي.
في الخطابات المؤسسة على التمييز والتمايز يتظاهر البعض هذه الأيام، بأنهم دعاة تسامح، فيطرحون هذا التسامح على الأساس الطائفي - الديني التمييزي بين الناس، بعيداً عما يجمعهم، وهو إنسانيتهم التي يفترض بها ان تجمع وتلم شتات الإنسان على أساس من إنسانيته والتحديات إلى تجمع بني البشر على الخير والشر، الحرب والسلم، هم يتحدثون عن تسامح الأديان، بحيث يتعايش المسلمون مع غير المسلمين وتعايش السنة مع الشيعة، استلهاماً مما كان في الماضي، دون الاستلهام مما يجمعهم اليوم تحت مظلة الإنسانية الجامعة، والحاجة إلى التأسيس للمستقبل المشترك، ومن خلال الاستنجاد بالماضي واستحضاره في الصراع السياسي، يتم استبعاد الحاضر والمشترك الإنساني الكامن في المساواة والمواطنة، وباستحضار الماضي واستبعاد الحاضر الجامع لا نلغي النزاعات بل نكرسها لأن الطائفيين (بكافة طوائفهم) ليسوا في الحقيقة ظل الله على الأرض بل هم ظل مصالحهم على البشر وتكريس امتيازاتهم المادية والاجتماعية المعلنة وغير المعلنة، ولذلك فإن الأفق الوحيد المتاح أمامنا كبشر هو أن نحتفظ بإيماننا الحر، بأن نخرجه من لعبة السياسة والسيطرة والمتاجرة، ونخرج الطائفيين من سلطة إيماننا وتسلطهم عليه وتوظيفه لصالحهم ومصالحهم، ولنتحرر بإيماننا الفردي يجب أن نكون مواطنين لا طوائف لا تبعاً للفقهاء المقدسين والمرشدين الدينيين. لذلك فإن إلغاء الطائفية السياسية لا تكون إلا في إطار إصلاح تدريجي لمعوقات بناء الدولة العصرية غير الطائفية، فإلغاؤها يجب أن يأتي في سياق تطبيق الديمقراطية ومدنية الدولة، إذ كيف تلغى الطائفية السياسية في مجتمع يولد طوائف وأجيالاً طائفية وينتج ثقافة طائفية وبني أسوار وجدرانا وخطابات طائفية؟!
إن الوعي بمخاطر الطائفية والفكر الطائفي والمنطق الطائفي لا يكفي وحده لتجاوز مخاطرها، بل يجب أن يتم بذل جهد وطني تشاركي لمنع انتقال تأثير هذا الخراب إلى عقول الناشئة، ودعوة الطائفيين - المكشوفين منهم والمتسترين - أن يكفوا عن اللعب بالجمر من خلال برامج الخراب التي تقوم عليها أحزابهم وجمعياتهم، وذلك لان الخيار بين الطائفية والوطن هو بالضبط الخيار بين الحياة والعدم، ويتم بسرقة المواطنة وتعريض الوطن الى التدمير المنهجي، لأن الوطن أصلاً لا وجود له في الذاكرة او في المرجعيات الفكرية والأيديولوجية لهذه الجماعات المريضة. كما أن الدولة إذا ما سمحت للطائفية بالنمو والازدهار، وإذا ما سمحت للجماعات بممارسة إفسادها للعقول والنفوس، تكون قد سمحت بتدمير بنية المجتمع وتآكل ووحدة الشعب، لذلك فإن هنالك حاجة ماسة إلى محاربة الطائفية والحد من تأثيرها في جميع الفضاءات العامة والحد من سيطرتها على الناس، في الطريق إلى بناء مجتمع ديمقراطي يتساوى أفراده أمام القانون ويتمتعون بالمساواة والكرامة والحرية.
همس
أنتج المخاض العسير من التجارب السياسية العربية المعاصرة ولادة جيل عربي نصف أمي نصف مثقف، نصف معافى نصف مشلول، نصف مدني نصف طائفي، نصف مؤيد نصف معارض، نصف عاشق نصف عاقر... وباختصار هو مزيج من كل شيء: يأكل ويشرب، ينام ويستيقظ دون المرور بغرفة الأحلام والآلام، متنكراً لعقله، مراهناً على صناعة البلاهة، مصيره معلق في ذمة اليومي والمعيشي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها