النسخة الورقية
العدد 11002 الجمعة 24 مايو 2019 الموافق 19 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

بات الفرز سهلاً..

رابط مختصر
العدد 9775 الأربعاء 13 يناير 2016 الموافق 3 ربيع الثاني 1437

محاربة المخلين بالأمن الوطني من أصحاب الأجندات المذهبية البغيضة بقصد الحفاظ على النسيج الاجتماعي متماسكاً هي من أولى الأولويات لكل حكومة، وما عداه فإن كل شيء قابل للنقاش، ويمكن الحديث بشأنه والتنظير بخصوصه، ولهذا جاء الحسم السعودي وحزمه في تنفيذ الأحكام القضائية ضد 47 إرهابياً هددوا الأمن الوطني باتا ومؤيدا من الشرائح الاجتماعية الخليجية، إلا من أولئك الذين تتحكم في مسلكياتهم أهواء مذهبية سياسية.
القضاء السعودي لم ينظر إلى ما يمكن أن تثيره أحكامه لدى الآخرين، لأنه ببساطة يطبق القانون على مواطنين ينتسبون إلى المملكة بالهوية وليس بالهوى، هددوا الأمن والسلم الأهلي. وهذا عمل ينبغي الإشادة به لا البحث عن معطلات تطبيق الأحكام بدوافع ضرب المصالح الوطنية والمواطنية لصالح المذهبية والفئوية. أصوات نشاز ظهرت هنا وهناك، وقلوبها فيما تقيأت به من مواقف ينشد رضا طهران دون سواها، لتعبر عن مواقف مذهبية تضع مصلحة المملكة العربية السعودية في آخر اهتماماتها. هذه الأصوات النشاز ظهرت في بلدان محددة تنشط فيها التيارات السياسية الدينية مثل: لبنان والعراق والكويت والبحرين.
على خلفية تلك الأحكام استعجلت دولة واحدة إيقاع الاحتجاج البائس المشبوه، إنها دولة «الثورة» المستمرة وأعني بها إيران، وردد نعيقها «حزب الله» الذي «ما يشك خيط في إبره» إلا بإيعاز من خامنئي مباشرة، إلى جانب جماعات مذهبية في السعودية والبحرين بدا لها العبث بالأمن الوطني وتهديد السلم الاجتماعي أسهل الطرق للتعبير عن طائفيتها. هذه الوقائع وما تبعها من ردود أفعال كانت سببا لأن أستدعي من الذاكرة العلاقات الإنسانية الاجتماعية التي كانت سائدة في أوقات مضت في البحرين، واقتضت مني أن أسلط الضوء على متانة هذه العلاقات وعدم سماح المكونات الاجتماعية بتداخل الوطني مع الطائفي والقومي مع المذهبي لعل في ذلك آية لأولي الأبصار.
 بالقطع ليست علاقاتنا الاجتماعية التي نتلمس حساسيتها الآن على سطح التعامل اليومي منذ ما يقارب خمس سنوات هي نفسها تلك التي أدركها الجيل الذي إليه أنتمي قبل ستين عاما والمتصل بالأجيال اللاحقة. كما أنني لا أتصور إن ما كنت أسمعه سراً وعلانية، أو أقرأه أويقرأ لي، بأي حال من الأحوال، كان ذا صلة بما هو ماثل اليوم في الواقع الحي أو أنه موجود بين الناس. هذه بداية أقولها لمن يريد أن يعرف من نحن، وأقصد بـ «نحن» هذه أبناء الخمسينيات والستينيات والسبعينيات وأيضا شطراً من جيل الثمانينيات، وكيف كانت علاقات أبناء جيلي بعضهم ببعض وبوطنهم الأم. إنه جيل يمكنني القول اختصارا، ينتمي إلى ذاك الزمان الذي أفل، وحان وقت العمل على إرجاع قيمه وأخلاقه وصور ارتكاساته في الذاكرة المجتمعية. فعلاً لقد حان الوقت لدفن الفجور في الخصومة، والتطلع إلى البناء والتنمية. إن المستقبل في أيدينا وعلينا الاشتغال من أجل تحسين شروط العيش فيه لأبنائنا.
فهل يعود ذاك الزمان، لتسهيل عملية البناء والتنمية على أبنائنا، أم أننا نبقى نمارس شيطنة الواقع وسد آفاق الخروج منه، كما يفعل المذهبيون الطائفيون باسم الدين والدين منهم براء؟ ليس هناك من صعوبة لتجاوز ذلك فيما أعتقد إذا ما تضافرت جهود الدولة مع جهود مؤسسات المجتمع المدني، وهي مؤسسات عليها أن تبذل جهدا جبارا في ممارسة ضغوط محسوسة على الجمعيات السياسية المذهبية، سنية وشيعية، وحتى يسارية إن وجدت، لكي تغير من نهجها المعادي للسلم الأهلي. ثم إن هناك دوراً كبيراً ينبغي على المؤسسات الحكومية وأخص بالذكر هنا الإعلام ووزارة العدل والشؤون الإسلامية على وجه التحديد، والتربية والتعليم. ينبغي من وجهة نظري أن نستمد مادتنا الإعلامية التربوية من خلال المادة التي يبثها الإعلام المتحامل على دول مجلس التعاون، سواء إعلام «داعش» ومن يؤيده، أو إعلام «حزب الله» ومن يناصره، فالإعلام في واقعنا اليوم سلاح إيديولوجي فتاك أثبت قدرته على الإطاحة بأنظمة ودول خلناها إلى وقت قريب أبعد ما يكون عن رياح الاضطرابات والفوضى.
ولعله من التفصيل المختصر جداً القول بأننا نحن أبناء جيل عشق نفسه وأحب بعضه بعضا، ولم يخدش ذاك الحب اعتقاداً أو مذهباً. نحن أبناء وطن كان وما زال يجمعنا به انتماء واحد وولاء أوحد. إنه الولاء والانتماء إلى البحرين الجميلة بصيفها وشتائها، بترابها وبحرها، بمواطنيها ومقيميها، وبحكومتها وحكامها، إنه الانتماء إلى عروبتنا وإلى إسلامنا من دون الولوج في التفاصيل. نحن قوم نعتز بإيماننا وعقيدتنا ومذهبنا.. لكن كل هذا الاعتزاز لم يكن على حساب بحريننا. باختصار لم نكن لنعرف لهذا الوطن مثيلاً.. أو بديلاً. ولهذا بقينا على عهد انتماء آبائنا لهذه الأرض وولائهم لآل خليفة الكرام حكاماً.
يا ترى، متى بدأ يطرأ على علاقاتنا الاجتماعية هذا التغيير، أو قل التغير المخجل والمذل؟ وكيف ساءت صلة البعض بأوطانهم، وصاروا يتنكرون له وفق حسابات آنية ضيقة؟ التاريخ يشير إلى أن التغيير أو التغير قد بدأ مع صعود تيارات الإسلام السياسي، الشيعي والسني، ودخول الثيوقراطية والإيديولوجيا حاكماً وراسماً لخطوط «التواصل» مع الآخرين. وتفاقم الصراع بين تيارات الإسلام السياسي عندما لوح ملالي إيران بتصدير «الثورة» إلى البلدان العربية الإسلامية التي هي سنية بكل المقاييس، الثقافية والتاريخية والديمقرافية. احتدم الصراع وزادت وتيرة التسارع بين هذه التيارات لبلوغ أقصى المواقف المتطرفة في تفسيرات النصوص الدينية، فسطع نجم الإخوان المسلمين مدعومين بدوائر الاستخبارات الأمريكية والبريطانية والفرنسية، ومن ثم «حزب الله» فـ «القاعدة» و«االنصرة»، و«داعش». فهل نسمح لهذه المتغيرات أن تفت في عضدنا وتحول دون بلوغ المرامي الوطنية وجعل الوحدة الوطنية والسلم الأهلي مقصدا لنا وغاية؟
إيران اليوم وهي مستسلمة لحكم ولاية الفقيه تستلهم زادها السياسي الطائفي التاريخي من الساسانية والصفوية والشاهنشاهية وتلعب لعبتها على المتناقضات التي لا يخلو منها مجتمع، ولسوء الطالع، أو لحسنه لا أفهم، أن لهذه السياسة مناصرين لا يرون أبعد من مصلحتهم الطائفية، بدليل أن هناك كُتّاباً في البحرين وفي بلدان أخرى إبان أحداث 2011، ينكرون علينا ويستخفون من وصف فكرة ولاية الفقيه بـ «الصفوية» التي تسعى إلى الهيمنة والتوسع على حساب الشعوب العربية.
الصورة غدت مكتملة، والفرز بات سهلاً بين الوطني والطائفي، وبين القومي والمذهبي. وإن رسوخ الوطني والقومي وثباتهما ينبني على تفكيك الطائفية، ومحاربة المذهبية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها