النسخة الورقية
العدد 11149 الجمعة 18 أكتوبر 2019 الموافق 18 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:07PM
  • العشاء
    6:37PM

كتاب الايام

حركة القوميين العرب في البحرين وعقد من الانبعاث والتلاشي (24)

رابط مختصر
العدد 9766 الإثنين 4 يناير 2016 الموافق 24 ربيع الأول 1437

نامت البحرين يوم الخميس 11 مارس متوترة، متوثبة على وقع اخبار اقتحام خيول الشرطة للثانوية (العودة) وقمعها الطلبة بشراسة، ولكن آثارها وغضبها ظل مشحونا في نفوس الناس، وكان على خطيب يوم الجمعة 12 مارس في المسجد، ان يتحاشي التماس مع مشاعر الناس في المحرق، بينما يروي علي الشيراوي، بأن المظاهرة معد لها ولكن لا يعلم من هم ولكنه كان يعلم انه ستكون هناك مظاهرة بعد الصلاة (وقد شارك فيها ويتذكر أنه منع بالقوة من اجتياز الجسر) وقد ارتفعت الاعلام واللافتات من داخل المسجد ولم يكن الامام الشيخ احمد المطوع موجوداً ولا كان له دخل في المظاهرة عموماً وكان الشيخ احمد معي في الزنزانة (حسب قول علي الشيراوي)، وقال انه يتحاشى ان يخطب.
وصلى في مسجد صغير في الحالة واعتقل بالصدفة وأنزل من سيارته وهو في الطريق الى البيت.. (*الشيخ الازهري الضرير احمد المطوع’ لم يلهب المستمعين بتحريضه الناصري والقومي المعادي للاستعمار البريطاني مشاعر الحاضرين، ويصب بمفرداته الحماسية الزيت على جذوة ذلك اللهيب ليشعله’ وإنما تم تضخيم دوره لأنه كان في حينها له مساهماته في الخطب بتعرضه الى بعض المسائل السياسية ومنع من الخطابة والتزم بالمنع وكان ذلك قبل الاحداث بمدة)، فوجد المصلون/‏ المتظاهرون أنفسهم في شوارع المحرق يهتفون بمطالبهم العادلة حول ارجاع العمال المسرحين من شركة بابكو’ الى هنا وكانت الاحتجاجات الاولية مطلبية بحتة’ وكان بإمكان الحكومة وبابكو والعمال حل المشكلة دون منحها فرصة التطور والانفلات نحو العنف والتصعيد بعد الخميس الطلابي العنيف للغاية’ ولكن غياب الذهنية التفاوضية عند الحكومة والشركات الاجنبية وروح الهيمنة البريطانية السياسية والامنية على القرار السياسي اغلق كل الامكانيات الممكنة’ حيث لم تكن بابكو كشركة امريكية بيدها كل القرارات الادارية، فقد كان الشريك البريطاني اكثر تسلطًا وتعنتًا في مواقفه، مما فوت ايجاد صيغة للمرونة بين الاطراف الثلاثة، فهيمنت لغة القوة وخطاب القمع في مواجهة التظاهرات وهي في باكورة انطلاقتها.
كانت هبة قوية من المتظاهرين اشعلت المحرق عن بكرة أبيها، بحيث اتسعت باعداد غفيرة فاقت المئات، فما كان على قوات الامن إلا اغلاق الجسر لكي يتم عزل المدينتين ومنع الذهاب والاياب بينهما’ كنا لحظتها في الحورة يصلنا هدير الهتافات المدوي، وكان الخور الذي يفصل الحورة عن الحالة بالامكان عبوره بقارب (شوعي) صغير بالمجاديف، فكان الاخوان عبدالحميد وأحمد أبناء عبدالله الذوادي اكثر حماسًا مني للمشاركة، فوجدنا ثلاثتنا أنفسنا نطفئ لهيب حماسنا الشبابي وسط سيل المتظاهرين في المحرق، وتهنا ثلاثتنا في ذلك السيل، فوجدت نفسي بعد سقوط الظلام غير قادر على العودة من الجسر، وكانت كرة القدم منقذتي فقد استضافني الأخ جاسم رشدان في بيتهم، وكان يومها جاسم يلعب مع فريق الحالة ونحن كنا منافسين لهم في فريق العربي في الدرجة الثالثة’ في صباح السبت 13 مارس كان الجسر مفتوحًا للحركة، فغادرتها مبكرًا لتغيير ملابسي في الحورة والذهاب للمدرسة، فيوم السبت كان يومًا دراسيًا إعتياديًا، وما إن وصلت لمركز شرطة القضيبية وإذا هدير من الطلاب وباصات العمال من جهة جنوب ملعب الاهلي واصوات متعالية من داخل سور المدرسة وخارجها تهتف وتندد بسقوط الاستعمار وبابكو وبهتاف، بات طوال الفترة من الانتفاضة هتافًا مركزيًا: «الوحدة الوحدة يا عمال» بعدها تطور الى هتاف «يا عمال الحركة..
الشركة مرتبكة» غير أن اهالي المحرق لاحقًا بأهازيجهم اليومية المتتالية كروتين بإيقاع متكرر، فقد اضاف المتظاهرون من عندياتهم المفردات الشعبية  «المضحكة» أحياناً فبهروا الهتافات بعبارة «والبحرين في معركة! والتي يشير محمد السيد في صفحة 33 من كتابه أنه هو من اضاف عبارة البحرين في معركة!» فبساطة الناس ومناخ الحماس كساحة مفتوحة الابواب، تتيح لمن يحب ابراز مواهبه الخطابية كيوسف عبدالملك او اشخاص وجدوا انفسهم في مسار الانتفاضة’ يبدعون في تدشين محطات اذاعية للانتفاضة تغطي مساحة محدودة من المحرق كما هي الاذاعة التي صممها محمود احمد من الحالة المولع باللاسلكيات وتجاربها.
في ذروة الابداع الشعبي، التي تفوق قدرات التنظيمات الصغيرة على لجمها ومنعها، لهذا يصبح الهتاف في المظاهرات اكثر الصيغ السياسية الحماسية تشكلاً وتنوعًا وانفلاتًا وميوعة، فمجرد ان يدخل شخص وسط حلقة ويهتف بما يحب ويود فإن لفيف الجمهور يتبعه طالما أن الايقاع والشيلة محببة.
هكذا ظلت الانتفاضة في المحرق لاسابيع قليلة تعيش على جرعات سياسية وحماسية تحرك فيها غريزة الاستعداد للمواجهة، طالما أن الصراع بدأ يأخذ مجرى مختلفا في النهار عن الليل.
في تلك الاجواء الحماسية سيتم حياكة وحبكة الاقاصيص بأبعادها ومخيلتها الشعبية المتناهية.
لم يسعفنى هيجان يوم الجمعة معرفة مصير ابني الذوادي، ولكنني في ظهيرة يوم السبت، عدت للحورة فوجدت أن حميد جرح في كفه الايمن برصاص الشوزن الذي اطلق بكثافة في يوم الجمعة، ولا اعرف كيف اشتغلت حاسة الذكاء الشعبي لدى من ادخلوه مساء الجمعة الى المستشفى الامريكي بتسجيله باسم مختلف، حيث تلك الفترة لم يكن الامن يعتقل احد من المستشفى، ولكن مع التظاهرة الكبيرة يوم السبت 13 مارس، كان هناك تجمعًا كبيرًا من المتظاهرين عند رصيف نمره 5 * (* ولمن يحب الفانتازيا الروائية اقرأ المزيد في صفحة 107 و108 في كتاب ذاكرة الوطن للاخ ابراهيم كمال الدين)، حيث يتفرع هذا الشارع بخمسة طرق احدهم يقودك للقلعة «المركز التاريخي» للسلطة ورمزها، هناك اصطف رجال الشرطة عند كنيسة القلب المقدس وجوههم نحونا وظهورهم للقلعة، محذرين من الاندفاع نحو هذا الشارع، رغم تقديري أن المتظاهرين ليس في ذاكرتهم التاريخية من معلومات كافية لحساسية ذلك الشارع، وعادة كانت التظاهرات في سنة 62 وتظاهرة 63 تمر من الشارع المقابل من جهة الشمال للقلعة في اتجاه حوطة ابل نحو مستشفى النعيم، لتدخل الى السوق لاستكمال جولاتها وهتافاتها، غير ان اللحظة التاريخية في الانتفاضة كانت مختلفة وقاسية جداً، اذ اصاب رصاص الشوزن العديد من المحتجين في الرجل والصدر، في هذه الساعات سيقرر حميد الذوادي ان الوقت قد حان للهروب من المستشفى، إذ كانوا جرحى الرصيف رقم 5 يلتجئون للمداواة بطبيعة الحال للمستشفى الامريكي أو مستشفى النعيم او المستوصفات المدرسية، ومن تم تنويمه كان حظه عاثرًا، إذ بعدها قررت السلطات الامنية نقل الجرحى الى مستوصف داخل القلعة، فمن وجدت فيه فائدة تذكر قدم بسرعة لمحكمة البديع وان لم تجد منه فائدة اطلق سراحه، وإن لم تخن الذاكرة اصيب في تلك التظاهرة الكبيرة شاكر عقاب في اسفل القدم برصاص الشوزن، وعالجه بطريقة ودية الدكتور رمزي فايز طبيب المستوصف الطلابي المجاور للثانوية العودة.
وتكثف عدد كبير من طلبة الثانوية والعمال وبمشاركة مدرسة ثانوية البنات المجاورة لمدرسة الزهراء الابتدائية للبنات في فريق الحمام، فقد خرجن من اسوار وأبواب مدارسهن، في تلك اللحظة التاريخية غير المنسية لرصيف نمره 5’ حيث بدأ يزخ الرصاص (الشوزن) فركض يوسف ثاني (موظف الميناء) وعبدالوهاب العامر (الفني في بابكو) من الحورة باجسامهم الثقيلة’ نحو مقبرة الحورة، وقفزا سور المقبرة دون وعي منهما، أما كيف قفزا فتلك تحتاج تفسيرات سيكولوجية لمعنى الخوف، ولكنهم بعد ايام من هدوء الحال، كان الشباب في الفريج عند دكان حسن بابو يتندرون على ان «حلات الروح» هي التي جعلت من سور المقبرة هبيطاً!! في غمرة الحماس يحدث ما لا يمكن حدوثه في الاوقات العادية. بعد ذلك السبت المفجع لن تعود المنامة ابدًا للتظاهرات الكبيرة لفقدانها مركزًا للتجمع او قيادة قادرة على تحريك الشارع للاحتجاجات كما هي مدينة المحرق.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها