النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

المتاجرون بالأحلام.. حكاية الكلمة المهدورة كرامتها..!

رابط مختصر
العدد 9766 الإثنين 4 يناير 2016 الموافق 24 ربيع الأول 1437

أسوأ أنواع التجارة، المتاجرة بأحلام الناس، بخداعهم أو ببيعهم الوهم المركب من الزيف والتلبيس. واسوأ أنواع الوهم الايهام ذلك الذي يتم فيه توظيف الدين او استغلال الوطن من خلال الكتابة أو الخطابة، وما أكثر من يفعل ذلك! وساء ما يفعلون!. وما أكثر الذين يكتبون عن الدين وعن الوطن: يكتبون في الصحف وفي المنتديات وعلى الجدران، ويخطبون على المنابر، وفي الشوارع وفي القاعات المخملية، وفي استوديوهات الفضائيات، في حفلات الحرب والسلام، الكل يدعي تمثيله للدين الحنيف أو لمشاعر الناس، ونبضهم وطموحاتهم وأحلامهم، وأنهم في النهاية ينقلون هذه الأحلام ويدافعون عنها، وباسم الشعب الكريم، يفعلون ما يفعلون ويكتبون ما يكتبون، بل إن البعض منهم لا يتورع عن اعتبار نفسه ناطقا باسم الدين والوطن والمواطن، وأنه لا ينطق عن الهوى، وهو يتحفنا كل يوم بما ينشر وبما يكتب بالنيابة عن جمهور المؤمنين وعن الوطن والمواطن.. بادعاء الكتابة البسطاء، وتبني قضاياهم مع أن القارئ لم يعد يصدق كاتباً أو خطيبا يتاجر بأحلامه ومعاناته وقضاياه ومكابدته اليومية، في حين أن هذا الكاتب أو الخطيب يمتلك ما يمتلك من الأرصدة التي تجعل المعاناة آخر همه، ومع هذا يتكلم عن البسطاء. ولكن من الانصاف أن نميز بين 3 فئات من الكتاب والخطباء: كتاب وخطباء يكتبون ويخطبون للوطن ومن أجله. وكتاب وخطباء يكتبون ويتكلمون لذواتهم الفردية أو الحزبية أو الطائفية.... وكتاب منافقون، لا يكتبون ولا يتحدثون الا وفق قاعدة وحيدة عنوانها: من تزوج أمي فهو ابن عمي.
وإذا كان الصنفان الأول والثاني مكشوفين تماما، فإن الصنف الثالث هم تجار شنطة الوهم: يتقلبون على ظهرهم وبطنهم حتى باتوا يستعصون عن التصنيف، استمرأوا اللعب على الحبال وأتقنوا فنون الأكاذيب، وامتلكوا القدرة على الانتقال من موقع إلى آخر، كلما دعت المصلحة (مهما كان نوعها)، ولذلك يمكن لهذا الصنف أن يكتب أو أن يخطب عن الوطنية وهو في موقع الخيانة، وعن الشفافية وهو موقع الشبهة وعن القومية وهو في موقع الانعزال وعن الوحدة وهو في موقع التفتيت، وعن القيم وهو في موقع الفساد وعن الإيمان وهو في موقع الكفر، وقد يلجأ من إلى المديح المجاني المفضوح المكشوف، وقد تزيد جرعة النفاق لديه عن الحد المعقول ليتحول إلى الدجل والاحتيال، في لعبة استدرار العواطف أو استدراج الناس إلى مواقع الهزيمة والخسران، وذلك لان النفاق في أبسط معانيه محاولة مكشوفة للكذب على حساب الكلمة الصادقة المهدورة كرامتها، والبحث باستمرار عما يمكن للوطن أن يقدمه لهم، لا ما يجب أن يقدموا هم له. هؤلاء غالبا ما يتناسون أن الوطن أعظم من أن يكون حفنة تراب، او كنزاً من المغانم العابرة، وهو أعظم من أن يكون خارطة جغرافية أو كتاب تاريخ، لأنه كرامة وحرية وصدق في القول وإخلاص في العمل، وهو بيت وعائلة ومجموعة حقوق وواجبات، وهو بالتالي انتماء وارتواء وقناعة راسخة في العقل والقلب، وبدون ذلك لا يعود الوطن وطناً بل يصبح حفنة من تراب لا تساوي شيئاً، ومجموعة ذكريات لا تسد جوعاً ولا تروي عطشاً، بل قد يصبح جحيما لا يطاق.
ولذلك فإن الوطن سريعا ما يكتشف تجار الشنطة وباعة الوهم، لأنه بحسه الطبيعي في حاجة إلى من يكتب ويخطب عن «الوطن» بروح الوطن وبمنطق الوطن وبمصلحة الوطن، وبلغة الناس الطيبين الذين يكدحون كل يوم تحت الشمس لأجل أن يستمر الوطن في التاريخ. ولذلك سريعا ما يعزل هذه الكائنات الكريهة التي تسرق مشاعر الناس وأحلامهم وتتاجر بها، لأنها تحتقرها ولا تحترمها.
***
الوطن إذن ليس مجرد قطعة ارض يعيش عليها الإنسان، وليس هو مجرد تاريخ وناس ومجموعة روابط مادية تشد الإنسان إلى الأرض. إنه قبل ذلك كله انتماء وارتباط معنوي بالآخرين، وارتباط بهم في حلقة لا فكاك منها، من الوشائج والمصالح والتاريخ، ولذلك إذا ما فقد الإنسان علاقته بالآخرين، أصيب بالغربة وهو داخل الوطن، لان الغربة ليست فقط في المكان، أنها تبدأ داخل الوطن كمكان إذا ما فقد الفرد الانتماء والارتباط بالآخرين، ومن هنا يتقدم الإنسان كمفهوم عن الوطن كوجود مادي. إن مسألة الوطن والبناء الوطني-بالمعنى الحديث لهذه المفردات -هو إرث مرتبط بمفهوم الدولة الحديثة التي ترتبط بالمكان والتاريخ والإنسان في لحظة معينة ثابتة من تاريخ شعب من الشعوب. وإذا عدنا إلى جذور تبلور هذا المفهوم في الحالة العربية وجدناه مرتبطا إلى حد كبير بالمعاناة المتولدة عن هيمنة الاخر سالب الأرض ناكر حق وجودنا، ولذلك نشأ إحساس الوجود المشترك من الحاجة إلى الوقوف في وجه استعمار أو طمع يهدد وجودنا بالزوال، فوجدنا ضالتنا في الوطن بما يعنيه من محتوى ثقافي وتاريخي ووجداني، أي ذلك الفضاء الجغرافي الذي يجسد الوعي بالذات الجمعية في مواجهة الآخر.

همس
سئل الشاعر والأديب والوزير الراحل غازي القصيبي، رحمه الله: «لماذا لم تكتب عن الفقر؟ فقال على الفور: لأني لم أعشه في يوم من الأيام؟».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها